مختارات

كيف سيبدو العالم بعد جائحة فيروس كورونا الجديد؟

«بكين 2 إبريل 2020» مع استمرار تداعيات تفشي مرض الالتهاب الرئوي الناجم عن فيروس كورونا الجديد «كوفيد- 19»، أثرت أزمة الصحة العامة هذه على أكثر من 200 دولة ومنطقة في العالم، حيث تم تسجيل 827,419 حالة إصابة مؤكدة و40,777 حالة وفاة بهذا المرض حتى الساعة 18:00 «بتوقيت وسط أوروبا» من أول إبريل، وفقا للمعلومات الواردة على موقع منظمة الصحة العالمية.

إن هذا الوباء المفاجئ لا يضع تحديات هائلة أمام أمن الصحة العامة العالمية فحسب، بل يلقي بظلاله على التوقعات الاقتصادية العالمية والتجارة الدولية وحرية التنقل حتى حياة رجل الشارع العادي. فتسعى المنظمات متعددة الأطراف بما فيها الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي ومجموعة العشرين إلى تنسيق السياسات وتنفيذ الإجراءات اللازمة للتصدي لهذا التهديد المشترك الجديد الذي يواجهه المجتمع البشري. وفي الوقت ذاته، أخذ المحللون الدوليون يناقشون الوضع حول العالم بعد انتهاء الوباء والتغيرات المصاحبة له.

اختبار كبير للعولمة

اندلع تفشي فيروس كورونا الجديد في سياق تعميق العولمة، ومن ثم يعتبر الوباء تهديدا واختبارا كبيرين للعولمة. وأكد المحللون أن العولمة اتجاه تاريخي لا يقاوم، ولن تتوقف عن المضي قدما رغم أنها قد تواجه بعض الانتكاسات وسط الوباء، مشيرين في الوقت نفسه إلى ضرورة قيام البلدان بتعزيز التنسيق والتعاون في معالجة القضايا العالمية وكذا في تحسين نظام الحوكمة العالمية.

فمن جانبه، ذكر ريتشارد هاس، رئيس المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية، أن هذا الوباء سيدفع بلدانا عديدة إلى إيلاء اهتمام أكبر بالشؤون الداخلية منه بالشؤون الخارجية لبضع سنوات على الأقل. كما يعتقد جون إيكنبيري الأستاذ بجامعة برنستون أن تفشي الفيروس سيضخ الزخم لدى أطراف مختلفة لمناقشة الإستراتيجية الغربية الكبرى، حتى أنه سيجعل المناهضين للعولمة يجدوا أدلة جديدة تثبت وجهات نظرهم على الأمد القصير.

وفي المقابل، أكد روبرت جيرفيس الأستاذ في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، أنه عندما نلخص الوضع بعد انتهاء الوباء، سنجد أن المشكلة الحقيقية ستتمثل في الإخفاق في العمل بشكل فوري على تشكيل تعاون دولي فعال بين الدول. كما يرى إيغور شاتروف، رئيس لجنة خبراء صندوق التنمية الإستراتيجية الروسي، أنه مع اتخاذ بعض الدول «لموقف مستقل وأحادي» بشأن قضية العولمة، فإن الافتقار إلى المساعدة المتبادلة والتعاون بين الدول في مواجهة الأزمات لن يصب في مصلحة أحد.

فلا يمكن للبلدان أن تتطور خلف أبواب مغلقة، وقد أثبتت الحقيقة أنه عندما تأتي التحديات العالمية، من المستحيل على دولة واحدة أن تسلم منها بمفردها. لذا أصبح تعزيز التنسيق والتعاون بين الدول وتحسين نظام الحوكمة العالمية مطلبا لا مفر منه وحلا وحيدا.

وأشار المحللون إلى أن أزمات عالمية مثل أوبئة الأمراض المعدية وتغير المناخ تظهر مقدار الترابط والتواصل الوثيقين بين البشر، وتنبه البشرية إلى ضرورة تحقيق التعاون والتشاور والتفاهم والثقة المتبادلة. فالاستجابة لأحداث الصحة العامة الكبرى تتطلب حكمة جماعية وتعاونا من البشرية جمعاء، وهو ما يسلط الضوء على أهمية بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.

كما قال الدكتور عصام شرف، رئيس وزراء مصر الأسبق، «من حيث الاقتصاد، أعتقد أنه سيحدث انكماش في الاقتصاد العالمي على الأقل على المدى القصير، وسيظهر شكل جديد للعولمة، عولمة تعتمد على التعاون والشراكة وليست عولمة الهيمنة»، بحسب تفسيره.

تأثير على سلاسل الإمداد والعلاقات الدولية

صحيح أن الوباء لن يغير اتجاه الاقتصاد العالمي بشكل جذري، لكن شانون كي. أونيل الباحثة البارزة في المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية أشارت إلى أنه يقوض المبادئ الأساسية للصناعة العالمية ويكسر الروابط في سلاسل الإمداد العالمية. فغالبا ما تتكون سلاسل الإمداد التي تهيمن على إنتاج الشركات من مراحل متعددة وتنتشر عبر دول مختلفة، والآن تتعرض لتأثيرات وسط الوباء، وهذا يدفع الشركات إلى إعادة التفكير فيها وتقليصها.

وفي نفس السياق، ذكرت لوري جاريت، الباحثة البارزة السابقة في شؤون الصحة العالمية بالمجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية أن التأثير الأساسي للوباء على النظم المالية والاقتصادية الدولية سينصب على سلاسل الإمداد وشبكات التوزيع العالمية.

وتابعت بقولها أنه بالنظر إلى حجم الخسائر التي تكبدتها الأسواق المالية منذ فبراير، ستتخذ الشركات موقفا محافظا تجاه نماذج الإنتاج في الوقت الحقيقي وكذا الإنتاج اللامركزي العالمي. ومن أجل تجنب الأضرار المستقبلية، ستصبح سلاسل الإمداد أقرب من الموطن وتُظهر فائضا، ما قد يقلل من أرباح الشركات على المدى القصير، فيما يجعل النظام بأكمله أكثر مرونة.

وبالإضافة إلى ذلك، أخذت العديد من الدول إجراءات احترازية لمنع انتشار الفيروس مثل إغلاق الحدود وتعليق الرحلات الدولية، لذا حذر بعض المحللين من تراجع الانفتاح والتبادلات في العلاقات الدولية على المدى القصير.

لكن الوباء لا يمثل على الإطلاق نهاية الترابط بين الدول، لأنه يعد في حد ذاته دليلا على الترابط البشري. ومع ذلك، هناك الآن ميل إلى الانغلاق على الداخل في جميع البلدان من أجل السعي إلى الاستقلال الذاتي وسيطرة كل منها على مصيره، هكذا ذكر شيفشانكار مينون مستشار الأمن القومي الهندي سابقا، مضيفا أنه إذا كان الوباء يمكن أن ينبهنا إلى الفوائد الحقيقية للتعاون متعدد الأطراف عند الاستجابة لأحداث عامة عالمية، فيمكن حينئذ اعتبار أن الأزمة في جزء منها تحمل تأثيرا إيجابيا.

وفي الشق السياسي، رأى عصام شرف أنه سيكون للوباء تأثير غير يسير على المشهد السياسي العالمي، متوقعا أن «يكون هناك تغير في موازين قيادة العالم مع تحول إلى عالم متعدد الأقطاب بصورة أوضح».

تغيير لمفاهيم الأمن والصحة والتعليم

أخذ ما شياو لين، الخبير الصيني في الشؤون الدولية، يتأمل في الوضع وقال «نحن لا نعرف متى ستنتهي حرب المقاومة ضد الوباء»، لكن تفشي المرض أثر بالفعل على مفاهيمنا التقليدية كما يؤثر على التنمية العالمية وأساليب الحياة تدريجيا.

وتناول ما شياو لين أولا مفهوم الأمن، مشيرا إلى أنه من منظور عدد البلدان المتضررة وحجم الناس المتأثرين والخسائر الاقتصادية والذعر الجماعي ومقدار التعبئة الدولية الوقائية، تعد حملة مكافحة فيروس كورونا الجديد أشبه بـ«حرب عالمية» بلا دخان. إنها ليست إحياء للتهديد الأمني التقليدي فحسب، وإنما أيضا تهديد استثنائي ينتشر بسرعة وعلى نطاق واسع، ليعيد صياغة تعريفات الأمن البشرية.

وتطرق الخبير الصيني بعد ذلك إلى مفهوم الصحة، قائلا إن أحد أسباب الانتشار السريع لكوفيد- 19 هو وسائل انتقال العدوى المتمثلة في الاتصال الجسدي والتنفس والرذاذ المتنقل عبر الهواء. وأوضح أن المرض سيعمق وعي الجماهير بأن «المسافة تخلق الأمان» ويجعلهم يقبلون عادات صحية نافعة مثل ارتداء الأقنعة عند الضرورية وغسل اليدين بصورة متكررة. وقد برزت مؤخرا سلوكيات من شخصيات عامة تقدم القدوة لكيفية اتباع آداب اجتماعية آمنة، من بينها قيام وزراء الصحة الأوروبيين مؤخرا باستقبال بعضهم البعض بتحية الكوع بدلا من المصافحة التقليدية.

أما المفهوم الأخير الذي تناوله الخبير فهو التعليم، حيث يرى أن الوباء يسرع عملية تطبيق التدريس عبر الإنترنت والتعليم عن بعد، حيث تغلب الابتكار التقني على الحواجز المكانية في مجال التعليم، وصارت التكنولوجيا تلعب دورا أهم في مواجهة أزمة الصحة العامة هذه، في ظل تغيرات يشهدها نمط التعليم التقليدي. علاوة على ذلك، أكد ما شياو لين أن الحياة هي أفضل مدرسة، فالأزمات والعواقب المختلفة الناتجة عن الوباء ستحفز على تفكير أعمق في العالم الخارجي وفي المجتمع الذي تعيش فيه البشرية كلها.

بدوره، قال عصام شرف إن الحوكمة العالمية الحالية هي حوكمة منحازة بامتياز، مؤكدا أن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من هذه الأزمة الصحية العالمية هو أن «أحداث كوفيد-19 كشفت عن ضعف الحوكمة العالمية الحالية وعدم قدرتها على حماية شعوب العالم من الظلم الاجتماعي والبيئي والصحي».

وتمنى أن يحدث تغير كبير في المفاهيم، مما ينعكس على الحوكمة العالمية لتصبح حوكمة عادلة وليست منحازة، ليعود هذا بصورة إيجابية على التعاون الدولي.

نقلا عن: ARABIC.NEWS.CN

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: