منوعات

التأقلم مع كورونا.. كيف نعيد «برمجة» حياتنا في رمضان؟

   قبل دقائق من انطلاق مدفع الإفطار كانت الطرقات تعج بشباب يتسابقون للفوز بإفطار عابري السبيل بتوزيع العصائر و أكياس التمر عليهم، فيما لا تتوقف حركة من يشرفون على تقديم الطعام في موائد الرحمن التي تنتشر في كثير من الأحياء خلال الشهر الفضيل.

   قبلها بأيام ربما يتسابق نفس الشباب أو غيرهم مع الأطفال على تعليق «زينة رمضان» لتبدو الشوارع في أبهى صورها، حيث الشرائط الملونة و الإضاءات المبهرة تتقاطع مع فوانيس رمضان بأشكالها المختلفه والمتنوعة التي ستقل أعداد الشوادر التي تبيعها، إذ تسبب «الحظر» في إغلاق الكثير من الورش التي كان تصنع هذه الفوانيس كما صرح بذلك عدد كبير من صناعها.

زينة رمضان

  كل هذه العبادات الجماعية والطقوس المتوارثة الجميلة ربما ستختفي في رمضان الذي يحل بعد أيام، ليس في مصر فحسب ولكن في كثير من البلدان العربية والإسلامية بسبب انتشار وباء «الكورونا» وما تبعه من فرض «الحظر» و تعليق جميع الأنشطة الدينية وفي مقدمتها الصلاة والتواجد في الحرم المكي و النبوي، كذلك الطواف الذي لم يكن ينقطع ليلا أو نهارا وكذا مناسك العمرة وربما يتم إلغاء موسم الحج لو استمر الوباء يفتك بالبلاد والعباد ما لم يتوصل العلماء لإكتشاف الدواء الفعال.

غياب «الونس»

«الروحانيات الجماعية» لن تكون الغائب الوحيد عن هذا الشهر الكريم المعروف بالترابط الأسري والاجتماعي، حيث اعتاد الأهل والأصدقاء على تبادل الزيارات و التجمع سواء علي موائد الإفطار أو السحور، إلا أنه وفي حال تمديد الحظر ستتقلص هذه التجمعات و ربما يقتصر الأمر على أفراد الأسرة فقط، ما يعني أن الحظر سيسهم في إحباط كل خطط السهر المرتبطة بالشهر الفضيل سواء في المقاهي أو دور السينما و المسارح، الخيم الرمضانية و مجمل أماكن التجمعات المرتبطة بطقوس الشهر الفضيل، وعليه قد يشعر البعض بحالة من الكآبة والضيق إذا ما استمر الحظر، وهى الحالة التي قد تعرض البعض لأزمات نفسية وجسدية وذلك وفقا لدراسة قام بها فريق من العلماء بجامعة University College London.

السحور في الحسين

   تفيد الدراسة والتي استخلصت نتائجها بعد مراقبة سبعة آلاف حالة خلال 25 سنة بأن الإنسان الذي يشعر بالضجر و الملل و الضيق يكون أكثر عرضة لتلك الآثار الوخيمة، وقد تأكد العلماء أن معظم الذين عانوا من الملل والضجر والضيق، كانت أعمارهم أقصر وحالتهم الصحية أسوأ، لذا نصحت الدراسة بأن أفضل طريقة لإبعاد السأم و الضيق هو الإحساس بقيمة الحياة و«حلاوتها»، وهو ما يتحقق بالـ«ونس» و الصحبة الآمنة.

   فكيف يمكننا إذن التعامل مع هذه الأزمة والتي تفرض علينا الانعزال عن الأهل و الأصدقاء و مجمل الممارسات الحياتية الطبيعية والتي توفر للإنسان قدرا من المتعة والترفيه خصوصا في الشهر الكريم؟ باختصار هل ستقلب كورونا حياتنا الرمضانية رأسا على عقب؟   

انفلات اجتماعي

في البداية يحذر د. طه أبو حسين أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة القاهرة من الانسياق وراء مشاعر الخوف و الرعب مشيرا إلى أن الوصول لنصف المرض هو أن نعيش في حالة من الوهم والخوف منه، ما قد يسهم في إضعاف مناعة الجسم والتي يلقي عليها العبء الأكبر في محاربة المرض خصوصا في ظل عدم توافر الدواء، وعليه ينصح الجميع بممارسة حياتهم الاجتماعية بشكل طبيعي مع اتخاذ التدابير اللازمة وفقط، والأهم إيجاد صيغة للتعايش مع هذه الظروف بحيث نرى الإيجابي فيها ونتمسك به.

    من ناحية أخرى تنصحنا د. هالة يسري أستاذ علم الإجتماع و خبيرة الإستشارات الأسرية بضرورة إعادة ترتيب أولويات علاقاتنا الإجتماعية، بحيث تصبح الأسرة الصغيرة في المقدمة ومن دون تذمر، وكأن هذا الوباء قد جاء ليعيد تصحيح الأمور بعدما عاشت المجتمعات للأسف فترات طويلة من «الانفلات الاجتماعي» بسبب ما أحدثته التكنولوجيا من تباعد لدرجة أن البعض يعيشون داخل الأسرة و كأنهم في جزر منعزلة.

د. هالة يسري

  كما ينصح علماء الاجتماع والصحة النفسية كل أفراد الأسرة بضرورة إعادة «برمجة الوقت» وتضمينه ما يتيح للأسرة أن تجتمع معا وبشكل دائم، وفي هذا الشهر بوجه خاص حيث الفرصة مهيأة أكثر لممارسة الكثير من الاجتماعيات و كذلك الروحانيات التي تاهت للأسف من جوهر الشهر الفضيل، ومن ثم آن الأوان لإعادة الأمور لنصابها و أن نأخذ من قلب المحنة منحة تعرفنا قيمة الوقت المهدر.

مرة أخرى هل القبول بالواقع أفضل وأسلم طريق حتي لا يقتلنا الملل أو الوباء أيهما أقرب؟

   تنصحنا د. سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس بضرورة إعمال العقل و تأمل الحكمة من وراء هذه الأزمة التي ضربت العالم كله، و أجبرت عددا كبيرا من الناسعلى تغيير نمط معيشتهم تمشيا مع الظروف المستجدة، وعليه فلا بد من انتهاز هذه الفرصة في إعادة تقييم حياتنا و أولوياتنا بشكل عام، كذلك نستعيد خصوصية هذا الشهر تحديدا والذي بات مرتبطا  بالسهر و الترفيه للأسف، رغم أنه فرصة ذهبية للتقرب من الله كل بطريقته الخاصة، مشددة على أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في التوعية و المساعدة بترتيب الأولويات وبما يساعد أيضا على التواؤم مع مرحلة ما بعد «الكورونا».

د. سامية خضر

مكاسب

   مرة أخرى يؤكد علماء النفس والإجتماع على أن جائحة كورونا لن تفسد «روحانيات» هذا الشهر بالضرورة، بل إنها قد تساعد من يرغب ويسعي جاهدا في التقرب من الله، فالوقت بات متاحا لمن يمتلك النية، بل يمكن أن تسهم هذه الأزمة في ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد إذا ما اجتمعت الأسرة مثلا لأداء صلاة التراويح والقيام، الأمر الذي يمكن أن يسهم في مزيد من التقارب العائلي، كما ستظل هذه اللحظات الروحانية هي الأبقى في ذاكرة كل أفراد الأسرة سنوات و سنوات.

   بعيدا عن مكاسب الدفء العائلي و إعادة التقارب والتفاهم الذي ربما افتقده البعض لسنوات، فإن امتداد الحظر و حرص البعض على ضرورة تحويله إلى نعمة وليس نقمة حتما يسمح لهم باستعادة عادات قديمة أو تجرب أخرى جديدة لم تسعفهم انشغالات الحياة بالاستمتاع بها، وهو ما يمكن ملاحظته عبر ما يدونه البعض على مواقع التواصل الإجتماعية، مثل سعادته بقراءة بعض الكتب والتي لم يكن هناك متسع من الوقت لقراءتها، أو ممارسة هوايات أجلتها دوامة الحياة، أو تعلم اللغات وغيرها من العلوم عبر «كورسات» باتت متاحة مجانا على الشبكة العنقودية، باختصار آن الأوان لأن يعيد كل منا تقييم حياته وفقا لما ينصحنا به علماء النفس و الإجتماع و أن يجتهد لتحول «النقمة» إلى «نعمة»، و من ثم سترجع الأمور لنصابها ولن تضيع أيامنا من دون استفادة جادة من كل لحظة نعيشها، خصوصا في هذا الشهر الكريم. 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق