ثقافة

«الطبالة».. صاحبة حى «الفجالة» التي شدت لانتصارات الدولة الفاطمية

الطبالة «نسب» أو «طرب» تلك التي غنت وضربت بدفها، فكان صوتها وكلمات أغنياتها وضربات أناملها بمثابة تتويج لتولي الفاطميين حكم بغداد وإزاحة الخليفة العباسي منها، وهى نفسها التي لا يزال يشدو صوتها بين أقدام الزائرين والعابرين والهابطين من القطارات بمحطة مصر، حيث حي «الفجالة» العريق في قلب القاهرة، بشوارعه ومحلاته وتاريخه الضارب في جذور ووجدان الشعب المصري، وتحولات اسمه «الطبالة» الذي صار «الفجالة» مع الأيام.

هذا الحي الذي تجرنا فيه الحكايات لعصر المستنصر بالله، هذا العصر العجيب والغريب أيضًا، ذلك العصر الطويل والذي أمتد لأكثر من ستين عامًا، منذ أن تولي المستنصر العرش طفلا صغيرًا في 427 هـ – 1036 م وحتى وفاته فقيرًا مهملا في 487هـ – 1094 م.

تظل فترة حكم المستنصر أطول فترة حكم عرفها التاريخ المصري، ورغم تعلق الذاكرة حتى الآن بالشدة المستنصرية التي استمرت سبع سنوات، حين أكل الناس لحوم الحيوانات بل ولحم بعضهم أيضًا، إلا أن التاريخ يذكر أيضا أن عصر المستنصر كان أقوي عصور الدولة الفاطمية. لكن بين هذا الازدهار والانهيار كان يوجد صوت بدا لقارئ هذه الفترة من تاريخ مصر وكأنه الفاصل بين الأزدهار والانهيار، هذا الصوت كان للمطربة و الطبالة «نسب».

     مع بدايات عصر المستنصر بالله كانت مصر – في ظل الدولة الفاطمية – في أوج مجدها، خاصة في ظل استمرار الوزير القوي «أبي القاسم الجرجرائي» والذي كان يعمل وزيرًا في عهد الحاكم بأمر الله وابنه الظاهر والد المستنصر بالله.

نحن هنا لا نتحدث عن المستنصر وما فعله وتاريخه، نحن هنا نبحث عن تلك السيدة التي لا تزال حاضره رغم تغير الأسماء، فلم تكن تلك المرأة «الطبالة» مثل نساء هذا العصر المتحكمات في زمام الأمور، مثل السيدة «رصد» التي سيطرت على الخليفة، والتي كانت الحاكم الفعلي للبلاد لأكثر من نصف قرن. لم تفعل الطبالة طرب شيئًا ذا بال داخل القصور ولم تتزوج الخليفة ذات يوم أو تكون أحدي جواريه، وعلى الرغم من ذلك فقد كان لتلك الطبالة واقعة بدت معها ضربات دفها وكأنها الحد الفاصل بين المجد والاضمحلال.

الطبالة «طرب»

الآن، نرى حي الفجالة الشهير بمبانيه القديمة وكنائسه العتيقه ومساجده الشامخة، تجرنا حارات هذا الحي، لمهنة وليس اسم ، وهي «الطبالة» تلك المرأة، المغنية والمطربة وضاربة الدف التي ابتهجت واحتفلت بانتصارات الخليفة المستنصر بالله الفاطمي.

الصراع بين الخليفة المستنصر الفاطمي والقائم العباسي

يذكر إنه في عام 450 هـ قدم البساسيري من القاهرة إلى بغداد ومعه الرايات المصرية، ووقع القتال بينه وبين الخليفة العباسي، انتهت بهزيمه العباسي والقبض عليه، ودعي لصاحب مصر المستنصر بالله بجامع المنصور في بغداد وزيد في الأذان حي على خير العمل، ثم خطب له في كل الجوامع إلا جامع الخليفة، وقد دام القتال شهرًا حتى قبض البساسيري على الخليفة في ذي الحجة وسيره إلى غابة وحبسه بها، وأخذ ملابسه الخليفة وعمامته وأرسلهما للقاهرة. ويتضح من ذلك مدي ما وصلت له الدولة الفاطمية في تلك الأيام من قوة، حيث امتدت حدودها من المغرب إلى العراق.، وكانت تلك أوَّل وآخر مرَّة في التاريخ تقام بها الخطبة ببغداد للفاطميين.

غناء «الطبالة نسب» سبب مجدها

 «يا بني العباس.. ردّوا ملك الأمر معدُّ.. مِلَّكُكُم مِلكُ مُعارٌ.. والعواري تُستردُّ»

هذه هي الأغنية أو أبيات الأغنية التي انشدتها تلك السيدة نسب- وهي تضرب بدفها بعد أن اصبحت أرض بغداد تابعة للدولة الفاطمية، فيذكر المقريزى فى كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار» – الجزء الثالث  119 / 167: «ذكر أرض الطبالة هذه الأرض على جانب الخليج الغربيّ بجوار المقس، وكانت من أحسن منتزهات القاهرة يمرّ النيل الأعظم من غربيها عندما يندفع من ساحل المقس حيث جامع المقس الآن، إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي يعرف بالجرف على جانب الخليج الناصريّ بالقرب من بركة الرطليّ، ويمرّ من الجرف إلى غربيّ البعل، فتصير أرض الطبالة نقطة وسط من غربيها النيل الأعظم ومن شرقيها الخليج، ومن قبالتها البركة المعروفة ببطن البقرة والبساتين التي آخرها، حيث الآن باب مصر بجوار الكبارة وحيث المشهد النفيسي، ومن بحريها أرض البعل ومنظرة البعل ومنظرة التاج والخمس وجوه وقبة الهواء، فكانت رؤية هذه الأرض شيئًا عجيبًا أيام الربيع».

 قيل لها أرض الطبالة‏‏ لأنّ الأمير أبا الحارث أرسلان البساسيري لما غاضب الخليفة القائم بأمر الله العباسيّ وخرج من بغداد يريد الانتماء إلى الدولة الفاطمية بالقاهرة أمدّه الخليفة المستنصر بالله ووزيره الناصر لدين الله عبد الرحمن البازوريّ بالمدد حتى استولى على بغداد وأخذ قصر الخلافة وأزال دولة بني العباس منها وأقام الدولة الفاطمية هناك في سنة خمسين وأربعمائة، فلما وصل ذلك إلى القاهرة سرّ الخليفة المستنصر سرورًا عظيمًا وزُينت القاهرة والقصور ومدينة مصر والجزيرة فوقفت «نسب» طبالة المستنصر وكانت امرأة مرجلة تقف تحت القصر في المواسم والأعياد وتسير أيام الموكب وحولها طائفتها وهي تضرب بالطبل وتنشد فأنشدت وهي واقفة تحت القصر‏:‏ يا بني العباس ردّوا ملك الأمر معدُّ مِلَّكُكُم مِلكُ مُعارٌ والعواري تُستردُّ فأعجب المستنصر ذلك منها وقال لها تمني فسألت ان تقطع الأرض المجاورة للمقس فأقطعها هذه الأرض‏.‏ وقيل لها من حينئذ أرض الطبالة وأنشأت هذه الطبالة «تربة» بالقرافة الكبرى تعرف بتربة نسب مغنية المستنصر‏.‏

بين الطبالة والفجالة

ظلت المنطقة تحمل اسم «الطبالة» لعدة قرون إلى أن أهملت ونسيت وأصبحت خرائب، بعد أن كانت جميعها مزارع مبهجة، إلى أن قام الفرنسيون في عام 1853 بتنظيفها وتطويرها، وكان يجاورها قرية «أم دنين» والتي أنشئت مكانها محطة السكة الحديد.

لقد كانت الفجالة أحد النقاط الهامة في تطوير القاهرة، وذلك مع ظهور نجم عصر الخديوي السماعيل، ورغبته في جعل القاهرة مدينة عالمية وعلى أحدث طراز، دخلت المنطقة – بسبب قربها ومجاورتها لمحطة السكة الحديد- لتصبح منطقة سكنية هامه ومنسقة بل ومن أجمل مناطق القاهرة، وأصبحت قبلة للأجانب والقادمين، فبنيت بها الفنادق، ومدارس الأجانب وغيرها.

والآن، وهناك في منطقة «باب الخلق»، حيث المتحف الإسلامي العظيم، وبين الآلاف من المعروضات والتحف والكتابات، التي تحكي حكايات وذكريات عصور مضت، نجد تمثالا صغيرًا من البرونز، من العصر الفاطمي في القرن الخامس الهجري، قطعة أثرية فاتنة، لإمرأة، يحمل التمثال اسم «ضاربة الدف»، حيث يعرف أيضًا هذا التمثال باسم «الطبالة».. تلك المرأة التي احتفلت بصوتها وضربات دفها بانتصار المستنصر ذات يوم، وليصبح صوتها ودفها شاهدين على ازدهار عصر الفاطميين وانهيار مملكتهم أيضًا.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: