رؤى

علمانية أوربية جديدة تستهدف دمج مواطنيها المسلمين

طارق مودود – أستاذ علم الاجتماع والسياسة والسياسات العامة، ومدير مركز دراسة الإثنية والمواطنة في جامعة بريستول وزميل الأكاديمية البريطانية.

عرض وترجمة: أحمد بركات

 يمكن النظر إلى أغلب فترات القرن العشرين باعتبارها تقدما تدريجيا لمختلف مسارات العلمانية السياسية، بدءا من السلطوية الشيوعية ووصولا إلى الديمقراطية الليبرالية. وقد واجه هذا المسار التاريخي العديد من التعقيدات والعوائق بسبب نشاطات غاندي في مكافحة الكولونيالية، ثم جاءت الثورة الإسلامية في إيران في عام 1979 لتعرقل هذا المسار وتؤسس جمهورية إسلامية بقيادة الخميني.

الثورة الإسلامية في إيران

ما بعد العلمانية

   في أوربا الغربية، وتحديدا في عقد التسعينات من القرن الماضي، وعلى النقيض من الهند وبعض الدول ذات الأغلبية المسلمة، تولد شعور عام لدى جميع ألوان الطيف السياسي بأن العلمانية السياسية صفقة محسومة. لم يكن ثم مشكلة في هذا، حتى مع ظهور بعض ردود الأفعال إزاء دفع بعض العلمانيين بقوة باتجاه تسريع وتيرة ذلك التطور التاريخي، أو المضي به قدما إلى آفاق متجاوزة، مثلما حدث عندما اقترحت حكومة الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران في فرنسا إلغاء التمويل العام للمدارس الكاثوليكية في الثمانينات، أو عندما يدافع الأساقفة اليوم عن ارتباط الدولة بكنيسة إنجلترا. 

   رغم ذلك، يثبت هذا القرن أنه الوقت المناسب لإعادة التفكير في العلمانية «وهو ما يطلق عليه البعض «ما بعد العلمانية»» في جميع أنحاء العالم، وتجري فعليا في الوقت الحالي عمليات إعادة تفكير في العلمانية على قدم وساق في أجزاء مختلفة من العالم، وفي حالة أوربا الغربية تحديدا – وهي الحالة التي سيركز عليها هذا المقال – فإن النقاش حول هذه القضية يرتبط ارتباطا وثيقا بواقع التعددية الثقافية.

   أعني بالتعددية الثقافية ليس فقط حقيقة التنوع العرقي الديني في فترة ما بعد قدوم المهاجرين لأوربا، وإنما وجود نهج متعدد الثقافات في النظر إلى هذا التنوع، يقوم على فكرة أن المساواة يجب أن تتجاوز توحيد المعاملة لتشمل احترام الاختلاف. يعني هذا أن نعي أن العام والخاص مترابطان، وليسا ثنائية مستقلة الأطراف كما كان يُنظر إليهما في الليبرالية الكلاسيكية، وهو ما يوفر الأساس الفكري للاعتراف العام بالأقليات واستيعابها مؤسسيا، وإلغاء التهميش، وإعادة إنتاج المواطنة القومية حتى يتمكن الجميع من الشعور بالانتماء إليها. 

   إن هذا التحدي متعدد الثقافات، الذي كان يُنظر إليه في وقت ما على أنه يتماشى مع تدفق الليبرالية «حقوق الإنسان والمساواة الإثنية…» يجب فهمه على نحو صحيح باعتباره يتطلب، ليس فقط إصلاح مؤسسات الليبرالية الديمقراطية وتوسيع نطاقها، وإنما إعادة النظر في الليبرالية ذاتها. وبالقدر نفسه، يزداد طرح التساؤلات حول ما يعنيه ظهور هذا المركب العرقي الديني والاجتماعي السياسي بالنسبة إلى العلمانية السياسية، أو بالأحرى بالنسبة إلى المؤسسات العلمانية بوجه عام، مثل أماكن العمل والمدارس والمستشفيات والجامعات، إلخ «على سبيل المثال: هل يجب تمديد تمويل الدولة للمدارس الدينية ليشمل ديانات الأقليات، أم يتوقف كليا؟».        

الحياد المستحيل

   يُعرِّف المنظرون السياسيون الليبراليون العلمانية السياسية على أنها «حيادية الدولة»، بما يعني أن الدولة لا يجب أن تميز بعض الأديان على بعض، وإنما يتعين عليها – بدلا من ذلك – أن تتعامل معها جميعا على قدم المساواة، كما يجب عليها ألا تربط نفسها بدين دون الأديان الأخرى. رغم ذلك، يؤكد منظرو التعددية الثقافية أن سياسة عدم ارتباط الدولة بلغة، أو تاريخ، أو ثقافة ما أمر يستحيل تنفيذه عمليا. ومن ثم، فإنه من الأفضل إعادة تفسير «حيادية الدولة» لتعني أن الارتباط بين الدولة والدين يجب أن يكون شاملا، وليس بإقصاء المجموعات الدينية. 

   على سبيل المثال، في حين أن السلطات الفرنسية تفسر الحيادية فيما يتعلق بوجبة الغداء المدرسية بأنها تعني أن الأطفال اليهود والمسلمين، والأطفال النباتيين لا يحق لهم طلب وجبات خاصة، فإن الحيادية يمكن أن تعني أن الدولة تبذل جهودا معقولة لتلبية احتياجات جميع الأطفال على قدم المساواة، بدلا من فرض ما تفضله الأغلبية على الجميع. علاوة على ذلك، فإن تحديد الدين لإخراجه من دائرة تحديد الهوية، والسماح للهويات الجندرية والجنسية والعرقية بإعادة تشكيل الفضاء العام، أمر غير منصف لهؤلاء الذين يرون هذه الأولويات إطارا مهما. 

   ما تأثير ذلك على إعادة النظر القائمة على التعددية الثقافية في العلمانية؟ يجب أن نضع في الاعتبار أن العلمانية السياسية في أوربا الغربية ليست واحدة؛ ويمكن وصف النهج الغرب أوربي السائد بـ «العلمانية المعتدلة». وحيث تنظر العلمانية المعتدلة إلى الدين المنظم ليس فقط باعتباره منفعة خاصة، وإنما أيضا باعتباره صالحا عاما محتملا، أو موردا قوميا، يمكن للدولة – في بعض الظروف – المساعدة في تحقيقه. رغم ذلك، فإن آلية مأسسة هذا الطرح تختلف تماما بين الدول التي تتبنى العلمانية المعتدلة، مثل بريطانيا وألمانيا والدنمارك.

 في بريطانيا، تمثل كنيسة إنجلترا الكنيسة الرسمية للدولة. أما في الدنمارك فالكنيسة اللوثرية معترف بها ككنيسة وطنية، ولكنها ليست كنيسة الدولة. وفي ألمانيا، لا يوجد تصور «الكنيسة الوطنية» من الأساس، لكن الدولة تجمع الضرائب نيابة عن الكنيستين البروتستانتية والكاثوليكية، وتتلقى الكنيستان – إضافة إلى ذلك – تمويلات طائلة من قبل الدولة لتنفيذ العديد من وظائف الرعاية الاجتماعية، مثل رعاية المسنين. 

   هناك أيضا علمانية أكثر راديكالية في الثقافة السياسية الأوربية، وتتمثل – بوعي ذاتي – في اللائكية الفرنسية. لا تتعلق هذه النسخة من العلمانية كثيرا باستيعاب الدين، وإنما – بالأساس -بالمحافظة على فضاء وطني جمهوري ليس للدين حضور فيه، مع ضمان الحرية الدينية الشخصية خارج الفضاء المدني. ولا يقتصر هذا الفضاء المدني فقط على المؤسسات السياسية والقضائية، وإنما يشمل أيضا المدارس، ويمتد – بحسب بعض المناصرين لها – إلى الثقافة العامة والشوارع والمنتزهات والمحال التجارية.   

   كيف يرتبط هذا باستيعاب الأقليات الإثنو دينية الجديدة، مثل المسلمين؟ يشير ما سبق إلى أن أوربا الغربية قد تستجيب – أو بالأحرى تستجيب بالفعل – لتأكيد الذات السياسية الإسلامية بطريقتين متعارضتين، وفقا لاستجابتها لجدلين احتدما في عام 1989، وهما قضية سلمان رشدي في المملكة المتحدة، وقضية الحجاب في فرنسا. 

   كرد فعل على القضية الأولى، وإدراكا منها أن المسلمين مستثنون من التمييز العنصري القائم والتحريض على قوانين الكراهية العنصرية، شرعت حكومة المملكة المتحدة في جمع البيانات لرسم خريطة للتفاوت الاجتماعي الاقتصادي بين المجموعات الدينية، والتصدي له. وفي الوقت المناسب، شُرعت قوانين تكميلية لجعل المساواة الدينية متوافقة مع المساواة العنصرية «كانت القوانين الخاصة بكل منهما هي الأقوى في أوربا والأقرب إلى الإنفاذ»، وبدأت السياسات تستهدف محاربة التمييز ضد المسلمين إلى درجة لا تقل بحال عن التمييز العنصري. 

   في هذا السياق، بحثت حكومة المملكة المتحدة عن محاورين وشركاء بين المسلمين المنظَّمين وطنيا ومحليا من أجل تسليط الضوء على المظالم القانونية، والتصدي لها؛ وبشكل أعم شرعت في تطوير حوكمة بين الأديان للتعبير عن تقدير واحترام الجاليات الدينية على اختلافها، وأهمية التضامن والتماسك فيما بينها، وفي المجتمع بوجه عام.  

   وإذا اتبعت دول أوربا الغربية هذا النموذج، فقد تسمح للمسلمين بتمثيل أنفسهم في المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والحكومة على كافة المستويات، وتشجع الحوار بين المجموعات الدينية والمجتمع. وربما تمضي أبعد من ذلك، فتتعامل مع التمييز الديني والتحريض على الكراهية الدينية بمزيد من الصرامة والجدية، وتفرض القانون عبر هيئة على غرار «لجنة المساواة وحقوق الإنسان» في المملكة المتحدة. علاوة على ذلك، ربما تمول هذه الدول المدارس الإسلامية لمواطنيها المسلمين «كغيرهم»، وتُشركهم في الحكم، وتعزز العلاقات بين الأديان على كافة المستويات، بما في ذلك في الاحتفالات التي تقيمها الدولة.  

   وقد تم سن تدابير كهذه في العديد من الدول الأوربية بدرجات متفاوتة، لكن البعض أيضا عمد إلى محاكاة رد الفعل الفرنسي الذي حظر الحجاب في عام 1989، ووفقا لهذا النموذج، قامت بعض دول أوربا الغربية بمنع شارات «التفاخر» الديني في المدارس، وحظرت على البالغين ارتداء غطاء الوجه في الأماكن العامة، كما قامت بإنشاء مجلس إسلامي وطني كمحاور للحكومة، لكن هذه الهيئة كان منوطا بها التعامل مع أجندة دينية ضيقة بدلا من التصدي للمخاوف السياسية، أو إدارة أجندة أكثر شمولية دون تفعيل السياسة «على غرار «مؤتمر الإسلام» في ألمانيا».  

مؤتمر الإسلام بألمانيا

دمج المسلمين.. والعلمانية السياسية

   أخيرا، تعوق الكثير من الحكومات الأوربية المسلمين عن تمثيل أنفسهم في دوائر السياسة والمجتمع المدني، وتفضل إطلاق النقاشات حول علاقة الإسلام بالهوية الوطنية، التي يكون فيها المسلمون مجرد موضوع للنقاش وليسوا طرفا فيه. كان هذا هو الحال فيما يخص نقاشات الهوية الفرنسية التي أطلقها الرئيس  السابق ساركوزي قبل بضع سنوات. 

   لن تستطيع دول أوربا الغربية دمج مسلميها، الذين تزداد أعدادهم، في سياساتها الوطنية دون إعادة النظر في العلمانية السياسية. سيكون هذا أسهل بكثير في الدول التي تسود فيها العلمانية المعتدلة والتعددية الثقافية كنموذج مقابل للنسخة العلمانية الأكثر راديكالية. ومن ثم، يتعين على الدول الأوربية حيال ذلك مقاومة العلمانية الراديكالية، ومجابهة كراهية الدين العام، والآثار التغريبية المروعة التي يخلفها هذا التوجه على الحريات الدينية، وعلى الجاليات المسلمة المتنامية في أوربا. 

وكما يجب على المواطنين والحكومات الأوربية معارضة القومية المتطرفة التي تؤكد نفسها في جميع أنحاء القارة، فإنه يجب عليهم أيضا التحول عن العلمانية المتطرفة التي- باستثناء فرنسا- لا تمثل النمط الأوربي الغربي. إن تأكيد علمانيتها المعتدلة تاريخيا، وتكييفها لاستيعاب مواطنين قوميين متعددي الأديان هو فقط ما يمثل فرصة أوربا المثلى لإيجاد سبيلها للمضي قدما.

هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق