دار الكتب

مصر في النصف الأول من القرن العشرين بعيون حكمدارها الإنجليزي (3-3)

انتقل «توماس راسل» ببراعة شديدة في كتابه الشيق «توماس راسل.. حكمدار القاهرة 1902/1946» من تناول عالم الريف والقبائل البدوية وتجمعات الغجر وحواة الأفاعي إلى عالم الجريمة، وما أطلق عليه «مجتمع القاهرة السفلي»، ومنه إلى تناول عالم «الجريمة السياسية».

عاصر «راسل» خلال فترة تواجده بمصر على إمتداد أربعة وأربعين عاما العديد من الأحداث السياسية الهامة، ومنها إندلاع ثورة «1919»، وخروج المرأة المصرية لأول مرة للمشاركة بالتظاهرات العامة المطالبة بالجلاء.. تُرى هل يمكن لقارىء كتاب ذلك «المحتل» الإنجليزي الذي شغل لسنوات عدة منصب حكمدار القاهرة، أن يكتشف تفاصيل جديدة عن ثورة «1919»؟ وعن عالم الإغتيالات السياسية التي تمت بمصر بتلك الفترة في النصف الأول من القرن العشرين؟.

طلاب مصر وثورة 1919

حرص «راسل» عند تناوله لدور الطلاب في ثورة «1919» على التفرقة ما بين طلاب الأزهر وطلاب المدارس الحكومية، مشيرا إلى أن عدد طلاب المدارس الحكومية قد بلغ في ذلك الحين عشرات الآلاف في القاهرة وحدها، وقد تنوع الطلاب بين أطفال صغار في السن بين العاشرة والثانية عشرة، وشباب الجامعات من عمر 18 و19 عاما، أما الأزهريون فقد بلغ عددهم نحو عشرين ألفا قبل الحرب العالمية الأولى، هبط ذلك الرقم خلال ثورة «1919» نتيجة لعدم تمكن طلاب الهند والبلدان الأخرى من القدوم إلى مصر لظروف الحرب. 

كانت كل عائلة ريفية تسعى إلى إلحاق واحد من أبنائها  على الأقل بالأزهر، كي يُعفى الأبن من الخدمة العسكرية، فضلا عن ضمان توفير المأكل والمشرب له، وكان طلاب الأزهر يمثلون حشدا ثائرا على استعداد دائم للتظاهر عندما يتعلق الأمر بما يعتبرونه شأنا ذا جانب ديني، ولذا فإنهم لم يكونوا في أغلب الأحيان مندمجين مع طلاب المدارس الحكومية، إلا أن أحداث ثورة «1919» هي التي وحدت فيما بينهم.

وزع الطلاب منشورات من القاهرة إلى جميع أنحاء البلاد، تعرض لها «راسل» مشيرا إلى أن تلك المنشورات قد تضمنت قصصا غير صحيحة حول إطلاق القوات البريطانية الرصاص على الناس في العاصمة القاهرة!. بالطبع فهو وإن زعم أنه عَشِقَ مصر سيظل رمزا «للمحتل» فكيف له أن يعترف أن القوات البريطانية قد أطلقت الرصاص على المتظاهرين؟

مشاهد من الثورة العظيمة

روى «راسل» العديد من المشاهد الخاصة بثورة 19، كان منها تلك الأحداث التي جرت يوم الثلاثاء الموافق الحادي عشر من مارس «1919» حيث عمد المتظاهرون إلى شق حفرة كبيرة على الطريق بالقرب من قصر عابدين، سقطت فيها قوات الإنجليز بخيولها، وأصيب 16 منهم بجروح خطيرة، غير أن تركيز المتظاهرين كان ينصب على منطقة الجامع الأزهر، وكان الحل الوحيد من وجهة نظر «راسل» يتمثل في عزل المسجد بواسطة كوردون من الجيش المصري، غير أنهم اكتشفوا أن قوات الجيش المصري لن تواجه طلاب الأزهر، لذا عادوا مرة أخرى لتكليف الشرطة بحفظ الأمن!.

يعود «راسل» مرة أخرى ليروي عن طلاب الأزهر ومدى خطورة الدور الذي قاموا به خلال ثورة «1919» إلى الحد الذي جعل القائد العام الإنجليزي الجنرال «بولفين» يتخذ قرارا بضرورة إغلاق الأزهر، ومن ثم دعا «راسل» كي يتسلم منه أمرا يتضمن قرارا يستند إلى القانون العسكري البريطاني ينص على ضرورة إحتلال الجامع الأزهر.

 اعترض «راسل» على قرار «بولفين» معللا رفضه بأن قوات الشرطة المتاحة لديه بذلك الحين كانت تتكون من مائتي مصري، وإن الهجوم على الأزهر يتطلب إطلاقا كثيفا للرصاص، وهو ما لن يرضاه رجال الشرطة المصريون، الأمر الذي سيعرض الهجوم للفشل.

غضب الجنرال «بولفين» ومن ثم اعتبر «راسل» قد عصى الأوامر العسكرية، ما دعا «راسل» إلى أن يلجأ للورد «اللنبي» كي يفصل بينهما، وبالفعل أخبر «راسل» اللورد «اللنبي» بأن إغلاق الأزهر يعني الدفع بثمانية إلى عشرة آلاف جائع إلى شوارع القاهرة، غير أن «اللنبي» قد عرف عبر رجال إستخباراته أن المسجد الأزهر لا يوجد به سوى ما يقرب من ثمانمائة طالب فقط. عاد «راسل» ليوضح له بأن هناك نحو ثماني آلاف طالب يعيشون بجوار الأزهر ويحصلون على طعامهم اليومي منه، ومن ثم اقتنع «اللنبي» وبدوره جعل «بولفين» يعدل عن قراره.

اللورد «اللنبي»

بذات السياق تصاعدت التظاهرات بالعديد من المدن والقرى المصرية، ففي طنطا إندلعت بالقرب من مسجد السيد البدوي مظاهرات صاخبة، ما دفع القوات البريطانية إلى الإنسحاب من المدينة لحين وصول قوات إضافية، وفي قليوب قام الأهالي بمهاجمة قطار قادم من الأسكندرية، كان على متنه عدد من الركاب الأجانب تم قتل ثلاث منهم.

بالتزامن مع تلك الأحداث شهد صعيد مصر قتل عدد من الإنجليز الذين كانوا يستقلون القطارات، وتم حرق محطات السكك الحديدية، إضافة لتدمير جميع خطوط الهاتف والتليغراف بالوجه القبلي حتى الأقصر جنوبا حتى أصبح السبيل الوحيد للتواصل بين القاهرة والصعيد يتم عن طريق الخرطوم وبورسودان.

تحت «عنوان الجانب المضىء للأحداث» حرص «راسل» على الإشارة إلى مشاركة النساء المصريات بأحداث ثورة «1919» مشيرا إلى أنه في ظل النظرة السائدة عن النساء بالمجتمع الشرقي باعتبارهن «حريمًا» وبالتالي فإن رجال الشرطة الإنجليزية لم يكونوا على إستعداد للتعامل مع خروج النساء بتلك التظاهرات، وهو ما نجم عنه أن أصيب العسكريون البريطانيون بالإضطراب ما دفعهم للتعامل بتهور مع النساء وأبنائهن.

يختتم راسل عرض مشاهداته العديدة عن ثورة «1919» بالإشارة إلى أن الدرس المستفاد من تلك الأحداث يتمثل في أنه في ظل الظروف المشابهة، فإنه لا ينبغي أبدًا السماح لأي مظاهرة بالسير في المستقبل!.. غير أن تظاهرات المصريين وثورتهم ضد الإحتلال الإنجليزي لم تنقطع سبلها حتى تم جلاء الإحتلال الإنجليزي عن أرض مصر.

الجريمة السياسية

حرص «راسل» على تخصيص جزء من كتابه لما أطلق عليه «الجريمة السياسية» طرح في مقدمته رؤيته حول الأحزاب السياسية المصرية ودورها في مناهضة الإحتلال الإنجليزي مشيرا إلى أنه لم يكن هناك إختلاف جوهري يتعلق بتطلعات الأحزاب السياسية المختلفة في مصر، فجميعها كانت تطالب بإنهاء الإحتلال البريطاني، وتحقيق الإستقلال التام للبلاد، غير أن الإختلاف الوحيد الذي رصده «راسل» كان يتمثل في أن بعضها يرى أن الوصول لذلك يجب أن يكون تدريجيا، بينما يرى البعض الآخر ضرورة تحقيق تلك المطالب بشكل فوري.

يلفت «راسل» النظر إلى أن أولى عمليات الإغتيال السياسي قد تمت في عام «1910م» وكانت ضد رئيس الوزراء «بطرس باشا غالي»، وبين ذلك التاريخ وعام «1925م» جرت عمليتا إغتيال لمسئولين مصريين، كما جرت 14 محاولة إغتيال أخرى من بينها محاولة إغتيال للسلطان حسين كامل في عام «1915م»، بينما جرت 12 عملية إغتيال، و21 محاولة إغتيال لمسئولين بريطانيين، وكانت ذروة تلك الفترة من عمليات الإغتيال في عام «1924م» والذي شهد إغتيال سردار قوات الإحتلال البريطاني السير «لي ستاك».

جنازة بطرس باشا غالي بعد اغتياله عام 1910 بسبب مشروع تمديد امتياز قناة السويس
أما الفترة الثانية للإغتيالات السياسية فقد امتدت بين عامي «1937» وعام «1946» حيث تم إغتيال إثنين من المسئولين المصريين، وتعرض ثلاثة آخرون لمحاولة الإغتيال، إلى جانب إغتيال ثلاثة من قيادات القوات البريطانية، إضافة لأربعة محاولات إغتيال أخرى، وقد اعتمد الثوار المصريون في عمليات الإغتيال على تصنيع القنابل محليا، إلى جانب الإعتماد على القناصة من محترفي إطلاق الرصاص.
«توماس راسل» حكمدار القاهرة الإنجليزي الذي حرص في مقدمة كتابه أن يشير إلى أنه لم يكن مهتما بالسياسة، و إنما كان يؤدي واجبه  بأعلى كفاءة ممكنة، لم يستطع أن يغفل عن تناول ثورة «1919» وإن رصدها بعين «المحتل» كما لم يغفل عمليات الإغتيالات السياسية التي قام بها الثوار المصريون سعيا لتحقيق الإستقلال التام. الكتاب بشكل عام رحلة شيقة للغاية داخل ربوع مصر  في تلك الفترة التاريخية العاصفة فهو بمثابة وثيقة إنثربولوجية غاية في العمق لجوانب عدة من حياة المصريين خلال النصف الأول من القرن العشرين.
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق