منوعات

«أقبلوا على التناول بهيبة لا بفحص طبي».. هل الدين ضد العلم؟ 

بدت أجواء طقس الصلاة التي ترأسها البابا تاوضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، في المقر البابوي بدير الانبا بيشوي بوادي النطرون غير مألوفة في ظل الإجراءات الاحترازية المتبعة من قبل مؤسسات الدولة المختلفة، على إثر فيروس كورونا المستجد. وقد جاءت الصلاة برفقة عدد من الأساقفة والشمامسة، وفي المقابل، قام أساقفة الكنيسة ببث طقوس أسبوع الآلام وعيد القيامة عبر الحسابات الرسمية لهم في مواقع التواصل الاجتماعي، حتى يتمكن الأقباط من متابعاتها في منازلهم، امتثالاً للقرار الصادر عن المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية بغلق الكنائس، واقتصار الصلاة على الأديرة، لمواجهة الفيروس المستجد الذي تم إعلانه نهاية شهر مارس الفائت.



البابا تاوضروس الثاني

مثل فيروس كورونا المستجد حضوراً ثقيلا في دول العالم، الأمر الذي استتبعه إجراءات احترازية، بغية ضبط معدلات الإصابة في ظل كثافة انتشار الوباء التي تجاوزت ملايين الإصابات، وكذا، معدلات الوفاة المتزايدة، وتداعياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على مستوى العالم. ويضاف إلى ذلك، سيناريوهات التغيير في الوظيفة السياسية لبعض المؤسسات وإحكام قبضتها على الأفراد، كتعبير مباشر للتوسع المضطرد في واجبات النظم السياسية وتفاعلها المباشر، لجهة ضبط سلوكيات المواطنين وامتثالهم لقواعد الحماية من خطر الوباء، وآثاره المباشرة على المعدلات الاقتصادية واستقرار الأوضاع السياسية.

في إطار ذلك، لجأت الدول التي وقعت تحت وطأة الوباء إلى إجراءات صارمة، لضبط حركة سير مواطنيها في أوقات وأماكن محددة، تراوحت بين الحظر الكلي والجزئي، ومنع التجمعات، وغلق كافة المؤسسات التي تؤدي إلى تكدس المواطنين، وكذا غلق الحدود عن طريق تعطيل حركة السفر والطيران بين الدول.

تقييد الشعائر

طالت تلك الإجراءات الصارمة والساعية نحو ضبط مكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد، المؤسسات الدينية في كافة دول العالم، حيث أصدرت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية قراراً بإيقاف صلاة الجمعة والجماعة، وذلك يما يتصل بجميع الفروض في المساجد، والاكتفاء، فقط، برفع الأذان، فضلاً عن قرارها بغلق الحرم المكي والمسجد والنبوي، وتعليق أداء العمرة، بينما لم يحسم بعد القرار بشأن أداء مناسك الحج لهذا العام.

وعلى خلفية تفشي الوباء داخل إيطاليا، أعلن الفاتيكان، أن كافة صلوات عيد الفصح هذه السنة ستجری في ساحة القديس بطرس بدون مشاركة المصلين. وأوضح المكتب البابوي في بيان رسمي: «بسبب الوضع الصحي الدولي الطارئ حاليا، ستجري كل الاحتفالات الدينية الخاصة بالأسبوع المقدس دون حضور المصلين شخصيا». وأوضح الفاتيكان أن كل اللقاءات العامة والطقوس الدينية التي يجريها الحبر الأعظم ستكون متوفرة فقط عبر البث المباشر على «موقع أخبار الفاتيكان الرسمي».

 بابا الفاتيكان

لا يبدو الأمر مختلفاً كثيراً في مصر، إذ اتخذت المؤسسات الدينية الإجراء الاحترازي ذاته، عبر غلق كافة المساجد والكنائس، وتعطيل كافة الصلوات والطقوس الدينية، بيد أن ثمة أصوات من هنا وهناك أبدت تململها من ذلك الاجراء، وحاولت اختراقه كتعبير مباشر عن الإيمان الكامل والتام بأن الطقس الديني لا يمكن أن يكون ممراً للعدوى ولا جسراً يتفشى الوباء من خلاله، وهو ما يعكس رغبة في تفادي خدش الحس الديني البسيط، وتأثيراته المعنوية والروحية، ومن ناحية أخرى، يفرض الوضع صورة مختلفة للتعاطي مع رجل الدين وإعادة تأويل لعدد من القيم التي كان يعبر عنها تقليديا، وكذلك الوظائف والأدوار التي كان يقوم بها.

مغازلة الشعور الديني

على خلفية ذلك نستطيع تأمل تصريحات الأنبا رافائيل، الأسقف العام لكنائس، وسط القاهرة، عبر شاشة ctv، خلال شهر مارس الماضي، والتي قال فيها: «نؤمن أن سر التناول هو سر الحياة، وهو الشافي من مرض الخطية، وأمراض الجسد والنفس والروح، وأرجو أن نقترب إلى سر التناول بهيبة وليس بفحص علمي». وأضاف: «في أثناء انتشار أوبئة مثل الكوليرا والطاعون لم نسمع في كل تاريخ الكنيسة أن أشخاصاً ماتوا نتيجة التناول».

تعكس تلك التصريحات مغازلة من الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة للعاطفة الدينية التقليدية الاقباط، وكذا، الحالة الشعبوية للتدين بين المصريين التي تبدو في الحرص على التمسك بمظاهر العبادات، بغض النظر عن عمق الفلسفة الروحية والعقائدية المتعلقة بالطقوس، وعدم تعارضها مع مقتضيات الأخذ بالأسباب العلمية والتجريبية. 

تمثل الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني المسيحي، بشكل عام، وداخل الكنيسة الأرثوذكسية، بشكل خاص، استجابة ضرورية وحتمية للمتغيرات التي عصفت بكافة الثوابت داخل المجتمعات، خلال السنوات الاخيرة، وكذا، المستجدات التي طرأت بفعل الأحداث السياسية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بيد أن هناك من المظاهر التي تفصح عن ترهل في قدرة بعض الأساقفة على تمثيل الأقباط والتعبير عن إرادتهم، خاصة مع غياب البابا شنودة الثالث باعتباره قيادة تاريخية داخل الكنيسة بفعل سنوات البطريركية التي امتدت نحو نصف قرن، عاصر فيها أحداث مؤثرة في سياق وتاريخ الوطن والكنيسة، منحته رصيداً غير محدود داخل وجدان الأقباط، وهو ما يستدعي من جانب البابا تواضروس الثاني ضرورة السعي نحو امتلاك نفوس ومشاعر الاقباط وجدانياً منذ أطلق دعوته للتجديد والإصلاح، مستعيناً بدوره الروحي والديني المؤثر، وسلطاته الدينية على كافة مفاصل الكنيسة وكهنتها، لا سيما في حضور عدد من الاساقفة الذين يعدون امتدادا لرؤية ومسار البابا شنودة. 

البابا شنودة

إصلاح الكنيسة

المؤسسات الدينية عليها إدراك بأن فيروس كورونا المستجد، يعد بمثالة اللحظة قبل الأخيرة لحسم الصراع بين التيار المحافظ والاصولي، من جهة، والتيارات الاصلاحية والتقدمية، من جهة أخرى، كما أن مسار وسياق الصراع فيما بينهما ليس هينا ولا يتعلق برؤى بسيطة ولا مضامين فرعية، ولا خلاف على نصوص فرعية بل قائم ومتمترس حول طرفي نقيض يذهب فيها التيار المحافظ إلى أنه يملك وحده الفهم الصحيح لثوابت الدين، وأنه وحده من تلقى وصية السماء في الحفاظ على سر العقيدة، وأن الآخرين لا يودون سوى تبديد الدين وخلخلة عقيدته. 

 تتموضع أطروحات التغيير التي تقبض على العقول، بفعل جائحة وباء كورونا المستجد نحو صياغة قواعد جديدة لإدارة النظام العالمي وسياساته، بعد تجاوز واقع الفيروس وآثاره، بحيث لا يمكن تصور قدرة أي مؤسسة أو دولة أن تصد طوفان التداعيات أو فيضان الآثار الذي سيقتلع معظم الثوابت والقواعد التي استقر عليها العالم ومؤسساته طوال القرن الفائت. وإلى ذلك، يمكن اعتبار أن نتائج الوباء ستكون لحظة مفصلية تهدد هيمنة خضوع البشرية للمؤسسات الدينية دون عقلنة وإصلاح وتجديد، وبالتبعية خفوت في ما يتصل بتوظيف الحالة الدينية وإدارتها لخدمة مصالح إقليمية ودولية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: