منوعات

البيمارستان المنصوري.. رمز الطب في مصر الإسلامية

 لم تكن دولة المماليك في كل من مصر والشام – وعلى عكس ما تصوره عشرات الأعمال الدرامية والسينمائية – مجرد دولة عسكرية أو دولة قائمة على الحروب والمنازعات، إذ يكشف التراث المعماري الهائل الذي خلفته هذه الدولة عن وجه آخر مغاير، وجه دولة اهتمت بالبحث العلمي والرعاية الصحية قدر اهتمامها بالقوة العسكرية والتصدي للغزوات الخارجية.

ولعل خير أثر يدل على هذا الوجه الآخر هو «البيمارستان» أو المستشفى المنصوري نسبة الى مؤسسه السلطان المنصور قلاوون الذي يعد أحد الآباء المؤسسين لسلطنة المماليك البحرية وخليفة السلطان الشهير الظاهر بيبرس.

مستشفى للجميع

«بيمارستان» هي كلمة فارسية تعني مكان المريض أي «مستشفى» حاليًا، ويُرجِع مؤرخو تلك الفترة سبب بناء البيمارستان في القرن الثالث عشر الميلادي إلى مرض ألمّ بالسلطان وهو في دمشق، وخلال وجوده هناك شاهد المستشفى الذي أسسه السلطان نور الدين محمود ونسب إليه «البيمارستان النوري» مما دفعه إلى تأسيس بيمارستان مماثل في القاهرة عاصمة ملكه.

السلطان نور الدين محمود

ووفقا للمؤرخين أيضا فقد كان بناء المشفى عملا ضخما بدليل أنه استلزم جمع صنّاع مصر بشرط ألا يعملوا في مشروع آخر حتى الانتهاء من هذا المشفى. وكان صناع وعمال المحروسة على قدر المسؤولية حيث انتهوا من البناء في مدة قياسية وهي أحد عشر شهراً وبضعة أيام لا أكثر.

ومن البداية بدا واضحا توجه السلطان المنصور لأن يكون هذا المشروع لخدمة الناس جميعا وليس خاصا بفئة اجتماعية معينة دون أخرى حيث أوقف المشروع «على الملك والمملوك والكبير والصغير والحر والعبد والذكر والأنثى» دون تفرقة.

العلاج بالموسيقى

وعرف البيمارستان التخصصات العلمية والطبية المختلفة حيث تم تقسيمه إلى 4 أقسام منفصلة، للجراحة وطب العيون والأمراض الباطنية أما القسم الرابع والأكثر تميزاً فكان لعلاج الأمراض العقلية والنفسية.

ففي وقت كانت ممالك أوروبا تنكر فيه المرض النفسي وتعتبر المريض مصابا بمس الشيطان وينبغي حبسه لعزله عن الخلق حتى يثوب إلى رشد، كان البيمارستان المنصوري يقيم عنابر معزولة مبطنة بجلد الماعز وموادَ لعزل الصوت عن المريض مخصصة لمن يعانون حالات اضطراب وصعوبة في النوم، إضافة إلى وجود «القصاصين» الذين يسردون على المرضى الحكايات لمساعدتهم على النوم بهدوء. ومن أساليب العلاج المتقدمة التي كانت موجودة في مستشفى المنصور قلاوون، العلاج بالموسيقى، حيث كانت توجد فرقة من الموسيقيين المحترفين يقومون بعزف مقطوعات موسيقية تهدئ الأعصاب، حيث كان «يصرف من الوقف على بعض الأجواق التي تأتي كل يوم إلى البيمارستان لتسلية المرضى بالغناء أو بالعزف على الآلات الموسيقية. ولتخفيف ألم الانتظار وطول الوقت على المرضى كان المؤذنون في المسجد يؤذنون في السحر وفي الفجر ساعتين قبل الميعاد حتى يخفف قلق المرضى الذين أضجرهم السهر وطول الوقت».

ولم تكن الأقسام الأخرى أقل قدراً أو كفاءة خاصة إذا علمنا أن عدد من كانوا يدخلون إلى البيمارستان والناقهون فيه بشكل يومي كان يبلغ حوالي ٤٠٠٠ شخص ولا يغادرونها حتى يبرأ المريض منهم بشكل تام، بل امتدت العناية بالمريض الي ما بعد العلاج أي إلى مرحلة النقاهة حيث كان يعطى لكل مريض حين خروجه من البيمارستان خمس قطع من الذهب، حتى لا يضطر إلى العودة إلى العمل الشاق في الحال.

أما على مستوى النظافة العامة والعناية بها في البيمارستان فيؤكد أحمد الشافعي في دراسته عن البيمارستانات في الإسلام أن المشفى كان قد أُوقف له خدم مختصون بتنظيف الأرضيات وتجهيز أسرة المرضي، وكانت قاعات المرضى تدفأ بإحراق البخور و تبرد بالمراوح الكبيرة الممتدة من طرف القاعة إلى الطرف الثاني، وكانت أرض القاعات تغطى بأغصان شجر الحناء أو شجر الرمان أو غيرها من الأشجار ذات الروائح العطرية التي من شأنها التأثير الإيجابي في نفسية المريض.

أحمد الشافعي

وامتدت العناية بالمرضى إلى تقديم الطعام والشراب والأدوية والمراهم لهم دون مقابل مادي وتخصيص شخصين على الأقل للعناية بكل مريض، كما جعلت إدارة البيمارستان لكل مريض نفقة يومية قدرها دينار واحد.

ابن النفيس ومدرسة الطب

وإدراكا من السلطان المنصور لأهمية إيجاد أطباء متخصصين ومدربين للعمل في البيمارستان أنشا المدرستين المنصورية والناصرية حيث كان التعليم العملي يتم في البيمارستان المنصوري، أما النظري منه فكان يتم في المدرستين وكان من أبرز المدرسين فيهما العالِم العربي الشهير ابن النفيس.

ابن النفيس

ورغم تقلب الأزمنة والأحوال وانتقال السلطة من المماليك البحرية الي المماليك البرجية ثم الى دولة بني عثمان إلا أن البيمارستان ظل يمارس دوره كمؤسسة طبية حتي القرن الثامن عشر الميلادي ويدل على ذلك ورود ذكر البيمارستان في كتابات علماء الحملة الفرنسية عن مصر.

ففي خطط مصر التي وضعتها الحملة الفرنسية على مصر من سنة 1798 إلى سنة 1801 قال المسيو جومار أحد العلماء الذين استقدمهم نابليون مع الحملة: أنشئ في القاهرة منذ خمسة قرون أو ستة، عدة مارستانات تضم الأعلَّاء والمرضى والمجانين، ولم يبق منها سوى مارستان واحد هو مارستان قلاوون.

ورغم تراجع دور البيمارستان المنصوري في العصر الحديث، حيث حلت محله مؤسسات طبية أخرى أكثر تزامناً مع روح العصر مثل القصر العيني مثلاً إلا أن بقاياه التي لا تزال قائمة في قلب القاهرة المملوكية تقف شاهدة على أن ذلك العصر لم يكن «عصر ظلام» معتم كما يحاول البعض أن يصوره بل كانت فيه إضاءات حضارية إنسانية عدة لعل أبرزها هو هذا الصرح الطبي المعروف.

مستشفى القصر العيني

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق