منوعات

كيف تحرك قطيع «شبرا البهو»؟

مع تمدد رقعة انتشار فيروس كورونا في مصر، وارتفاع أعداد المصابين والوفيات، تصاعدت مشاعر الخوف لدى الناس، واتسعت معها ظاهرة «الوصم الاجتماعي» و«التنمر» ضد مصابي الفيروس، ووصل الأمر إلى محاولة أهالي قرية بالوجه البحري منع دفن جثمان طبيبة أصابها الفيروس خوفا من انتقال العدوى.

حين يقود «اللاوعي»

ما جرى من بعض أهالي قرية «شبرا البهو» في مركز أجا بمحافظة الدقهلية قبل أيام، حين رفضوا دفن جثمان الطبيبة سونيا عبد العظيم التي ماتت إثر إصابتها بـ«كوفيد 19»، حولهم إلى هدف لرواد مواقع التواصل الاجتماعي، فلاحقتهم اتهامات «الخسة» و«الندالة»، ودُشنت حملات ترفض التنمر والوصم الاجتماعي، وتحول هاشتاج «الإصابة بكورونا مش جريمة #أوقفوا_التنمر»، إلى حملة شارك فيها عشرات الآلاف.

لمعرفة ماذا جرى لهؤلاء في تلك اللحظة وكيف تصل مشاعر الجماهير بصفة عامة إلى حالة الهياج في لحظة بعينها، ولماذا تتعطل العقول، وتذوب إرادة الأفراد تحت تأثير توجهات المجموع، نعود إلى ما ذكره الطبيب والمؤرخ وعالم النفس الاجتماعي الفرنسي جوستاف لوبون قبل مائة عام في كتابه المرجع «سيكولوجية الجماهير»، الذي لا يزال يحتل موقع الصدارة في دراسة سلوك الجماهير.

يلخص لوبون نظريته حول الجمهور بجملة مسائل تتناوله بصفته ظاهرة اجتماعية، ويفسر عملية التحريض التي يخضع لها بأنها عملية ينحل معها الفرد في الجمهور و يذوب فيه دون وعي فيقول: «أثبتت معاينة الحركات الجماهيرية وقائع عدة في مقدمتها أن هذا الجمهور يمتلك وحدة ذهنية، ويتحرك بشكل لا واع»، مضيفا: «الكفاءات العقلية للبشر وبالتالي فرادتهم الذاتية تُمحَى وتذوب في الروح الجماعية وهكذا يذوب المختلف في المؤتلف وتسيطر الصفات اللاواعية».

ويرى لوبون أن للجماهير خصائص تميزها عن الأفراد، فالشخصية الواعية للأفراد تذوب في المجموع ومن هنا تتوجه المشاعر والأفكار في اتجاه واحد، «أيا تكن نوعية الأفراد الذين يشكلون الجمهور، وأيا يكن نمط حياتهم متشابها أو مختلفا، وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاؤهم، فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يضيف إليهم نوعا من الروح الجماعية، هذه الروح تجعلهم يحسون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر كل فرد منهم لو كان معزولا».

وفي حالة الجمهور أيضا تتلاشى الشخصية الواعية للفرد، وتصبح شخصيته اللاواعية في حالة من الهياج، ويخضع الجميع لقوة التحريض وتصيبهم عدوى انفلات العواطف، بحيث تُلْغَى شخصية الفرد المستقل ويصبح عبارة عن إنسان آلي ابتعدت إرادته عن القدرة على قيادته.

وهو ما يفسر الحالة التي انتابت من شاركوا في واقعة «شبرا البهو»، فبعد عودة هؤلاء إلى منازلهم واستردادهم ذواتهم الفردية بدأ كل منهم في استعادة وعيه، ونشر العديد منهم عبارات الاعتذار والندم على ما ارتكبوه في حق الطبيبة المتوفية وأهلها.

أهالي قرية شبرا البهو فريك مركز اجا يرفضون استقبال الطبيبة المتوفاه بكورونا

لم يكن هذا الاعتذار أو الندم هروبا من المسئولية الجنائية بعد أن أمرت سلطات التحقيق بالقبض على من شارك في الواقعة، كما ردد البعض، بقدر ما كان استردادا من قبل هؤلاء الأفراد لعقولهم وذواتهم الفردية بعد تخلصهم من حالة الانفلات واللاوعي الجمعي.

من خصائص سلوك الجماهير أو المجموع أيضا بحسب ما أورد لوبون في كتابه، سرعة انفعال الجماهير وخفتها، فالجمهور يقوده اللاوعي كليا تقريبا، فهو عبد للتحريضات التي يتلقاها، «الجمهور كالإنسان الهمجي لا يعبأ بأي عقبة تقف بين رغبته وتحقيق هذه الرغبة، فضلا عن كونه سريع التأثر وساذج في الوقت نفسه وقابل لتصديق كل شيء، فهو يشرد باستمرار على حدود اللاشعور ويتلقى بطيبة خاطر كل الاقتراحات والأوامر».

«كما يمتلئ الجمهور بنوع من المشاعر الخاصة بكائنات لا تستطيع الاحتكام إلى العقل أو القدرة على اتباع روح نقدية، والعواطف التي يعبر عنها الجمهور سواء أكانت طيبة أم شريرة، تحوي تناقضا لجهة التضخيم أو لجهة التبسيط، حيث يتحرر البلهاء والجاهلون من الإحساس بدونيتهم وعدم كفاءتهم وعجزهم، ويصبحون مجيشين بقوة عنيفة وعابرة، ولكن هائلة».

واقعة شبرا البهو.. والجمهور النفسي

بحسب تحقيقات النيابة وروايات شهود واقعة «شبرا البهو»، بدأ الأمر بتذمر بعض شباب القرية الأقل تعليما، وحال بعضهم دون وصول سيارة الإسعاف التي كانت تحمل جثمان الطبيبة المتوفاة إلى مقابر زوجها الطبيب أحمد الهنداوي الذي عرف عنه مشاركته في العديد من أعمال الخير في القرية.

«تجمهر الأهالي وقطعوا الطريق المؤدي للمقابر ومنعوا سيارة الإسعاف من مواصلة طريقها إلى المدافن، واعتدوا علينا وعلى الفريق الطبي المرافق مما جعلنا ننتظر وصول الشرطة، يقول الهنداوي في روايته، مشيرا إلى أنهم استمروا في مفاوضات مع الأهالي من أجل دفن زوجته لمدة 5 ساعات كاملة وحاولوا التفاهم معهم لكن دون جدوى.

تصاعدت الأمور مرة أخرى بعد وصول الشرطة وقيام الجمهور بحرق قش غلال الأراضي الزراعية المجاورة وإطارات السيارات ليقطعوا مرور سيارات الشرطة، وبدأ بعضهم في إلقاء الحجارة على قوات الأمن، وساد التحريض فخرج إلى محل الواقعة عدد آخر من الشباب مدفوعا بمعلومات مغلوطة ومشاعر المجموع، ما اضطر الشرطة إلى التعامل بقنابل الغاز، بعد أن فشلت المفاوضات».

نعود إلى لوبون الذي يقول إن الجماهير تتميز أيضا بالتعصب والاستبدادية والنزعة المحافظة، وهو أمر ناجم عن كونها لا تعرف سوى العواطف البسيطة والمتطرفة، ما يجعلها تقبل الأفكار والعقائد أو ترفضها دفعة واحدة، «الجماهير غير مهيأة لاحترام النزعات الاخلاقية لكونها صاحبة نزوات وغرائز شديدة الهيجان، لكن هذا الجمهور القادر على القتل والتدمير في ظروف معينة وحالات محددة، هو نفسه الجمهور القادر على القيام بأفعال تتسم بالتضحية والنزاهة والبطولة في سبيل قضايا اجتماعية ووطنية، فتعاطف الجماهير مع حدث ما قد يتحول إلى نوع من العبادة، كما أن النفور من شيء قد يتحول مباشرة إلى حقد». 

ويصف لوبون الجماهير في حالة احتشادها وانفعالها واندفاعها وغضبها بأنها «أبعد ما تكون عن التفكير العقلاني المنطقي، وكما أن روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسي الذي يجعل شخصا ما يغطس في النوم، فإن روح الجماهير تخضع لتحريضات وإيعازات أحد المحركين أو القادة الذي يعرفون كيف يفرضون إرادتهم عليها، وفى مثل هذه الحالة من الارتعاد والذعر فإن كل شخص منخرط في الجمهور يبتدئ بتنفيذ الأعمال الاستثنائية التي ما كان مستعدا إطلاقا لتنفيذها لو كان في حالته الفردية الواعية والمتعقلة».

ويضيف لوبون إن «الجمهور النفسي هو عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة ولكنهم متراصو الصفوف للحظة من الزمن، إنهم يشبهون بالضبط خلايا الجسد الحي التي تشكل عن طريق تجمعها وتوحدها كائنا جديدا يتحلى بخصائص جديدة مختلفة جدا عن الخصائص التي تملكها كل خلية».

لذلك يرى لوبون أن «الجمهور دائما أدنى مرتبة من الإنسان الفرد، فيما يخص الناحية العقلية الفكرية، ولكن من وجهة نظر العواطف والأعمال التي تثيرها هذه العواطف فإنه يمكن لهذا الجمهور أن يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ – وكل شيء يعتمد على الطريقة التي يتم تحريضه أو تحريكه بها».

وفي وسط الحشد يشعر الفرد بالأمان لأنه الآن جزء من كيان ضخم يصعب عقابه أو مساءلته، ويتمركز الشخص حول هذا الكيان الضخم أكثر من تمركزه حول ذاته، ويضعف التزامه بالقيود السياسية أو الاجتماعية أو الأمنية أو الأخلاقية، ويتوحد مع الجموع الهائجة في حركة أقرب ما تكون إلى حركة القطيع، وتصبح العواطف الملتهبة هنا هي سيدة الموقف فتتحرك الجموع بمشاعر الحرمان أو الرغبة أو الظلم أو القمع أو الإحباط أو الغضب.

فسلوك الحشد من الناحية النفسية وفقا لما فسره لوبون، أشبه ما يكون بالهستيريا الجماعية حيث يبدأ الحشد بفرد أو مجموعة من الأفراد يُظهرون حماسا معينا بشكل مؤثر تجاه فكرة ما أو قضية ما أو موقف ما، ينتقل هذا الحماس بما يشبه العدوى إلى الأفراد المحيطين بهم ثم تتسع دائرة العدوى بسرعة تتوقف على قدرة المحركين للحماس وعلى الحالة الانفعالية لبقية الجموع وكل هذا يحدث بشكل غير واع.

حدث ذلك تقريبا في الواقعة المشار إليها، فبحسب الروايات المتاحة، أصيب الحضور بحالة أقرب إلى الهستيريا، ولم يتقبلوا محاولات الأطباء ورجال الأمن لإقناعهم بأن جثمان الطبيبة المتوفاة لن ينقل العدوى لأهالي القرية، وان الفريق الطبي المعاون اتخذ كل إجراءات الحماية.

خصائص الجماعات

وفي كتاب آخر وهو «روح الاجتماع» أسهب لوبون في توصيف خصائص الجماعات وتفسير أفعالها الطيبة والشريرة على حد سواء «تأثير المجموع العصبي في أفعال الجماعات أكبر جدًّا من تأثير المخ، وهي بذلك تشبه كثيرًا الرجل الفطري، وقد تكون الأفعال التي تصدر عنها كاملة من حيث التنفيذ، إلا أن العقل لم يكن رائدها، بل إن الفرد في الجماعة يعمل طوعًا للمؤثرات التي تدفعه إلى الفعل، فالجماعة ألعوبة في يد المهيجات الخارجية، وهي تمثل تقلباتها المستمرة وحينئذ هي مسخرة للمؤثرات التي تقع عليها».

ويفسر لوبون دوافع حركة الفرد داخل الجماعات الكبيرة فيقول: «أن الدوافع المختلفة التي تبعث الجماعة إلى الفعل هي طبيعة وشدة المؤثرات التي ترجع إليها، فتكون رحيمة أو قاسية عليها مسحة الإقدام أو الخمول، لكنها تكون على الدوام شديدة فلا تثنيها المنافع الذاتية حتى منفعة حفظ الذات نفسها».

ولما كانت أنواع المؤثرات في الجماعة مختلفة جدًّا، وكانت الجماعة تخضع لها دائمًا لزم أن تكون الجماعة متقلبة كذلك، «هذا هو السبب في أنها تنتقل فجأة من أفظع الأعمال إلى أكبرها رحمة وكرمًا، فما أسهل ما تصير الجماعة جلادة، ولكن ما أيسر ما تكون ضحية أيضًا».

«وعلى ذلك لا يوجد من أفعال الجماعة ما هو صادر عن قصد ورويَّة، فهي تنتقل من شعور إلى شعور، وهي على الدوام خاضعة لتأثير الشعور المستحوذ عليها وقت الفعل مثلها في ذلك مثل أوراق الشجر تحملها العاصفة وتبددها ثم تسكن فتهبط»، يضيف عالم النفس الاجتماعي الذي يعتبره العلماء والمتخصصون رائدا في مجاله.

من هنا يمكن القول أن ما جرى في «شبرا البهو»، هو اندفاع لاواعي لمجموعة من الجماهير، دون إدراك لتوابع تحركهم الذي أدى بالعشرات منهم في النهاية إلى الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيقات في قضية الاعتداء على ذوي الطبيبة المتوفاة ورجال الأمن، ولو حدث وتكرر الموقف واختلفت المؤثرات فمن الوارد أن يندفع نفس الأشخاص في اتجاه آخر، فتسيطر عليهم مشاعر الرحمة والتقارب، وهو ما جرى في قرية أخرى بمحافظة كفر الشيخ.

محافظة الدقهلية تطلق اسم الدكتورة المتوفاه بكورونا على المدرسة الابتدائية بالقرية

فبعد ساعات من واقعة «شبرا البهو»، استقبل أهالي قرية «شباس عمير» بمركز قلين في كفر الشيخ جثمان سيدة ماتت بعد إصابتها بكورونا، وشارك عدد كبير منهم في تشييع المتوفاة التي وصفوها بالشهيدة، بعد أن تداول بعضهم على صفحاتهم بموقع «فيس بوك» قبل وصول الجنازة عبارة «ما حدث في شبرا البهو لا يمكن أن يحدث في بلدتنا».

تحكم المنطق في مشاعر أهالي «شباس عمير»، وفرضت مشاعر الهدوء والسكينة والتعامل العاقل نفسها على المجموع، بعد ارتدادات واقعة «شبرا البهو»، فخرج مشهد تشييع فقيدتهم على خير ما يكون.

لوبون قال في كتابه «روح الاجتماع»: كيفما ظهرت على الجماعات شارات الهدوء والسكون، فإنها على الدوام في حالة انتظار واستعداد يجعل التأثير فيها سهلًا، فالمؤثر الأول تنتقل عدواه إلى الكل، وفي الحال يبدأ اتجاه الجميع نحو الغرض المقصود، وسواء كان ذلك الغرض إحراق قصر أو إتيان عمل كريم، فإنها تندفع نحوه بشكل فوري، والأمر إنما يتوقف على طبيعة المحرك والحالة النفسية للجماعة، لا على ما يرجحه العقل من وجوب إمضاء الفعل أو الإحجام عنه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: