ثقافة

أماكن لها تاريخ.. جامع الخربكيَّة الذي لا يصلى به أحد 

في منطقة الدرب الأحمر التي تزدحم بكنوز عدة من العمارة المملوكية الجركسية، وعلى مقربة من مسجد «آق سنقر» في الشارع الشهير «باب الوزير» يقع «جامع الخربكيَّة» كما يسميه العامة، وهو المسجد الذي بناه «خاير بك» أحد أمراء المماليك الجراكسة، سنة 908هـ «1502م»، وألحق به ضريحاً وكُتَّاباً، وسبيل ماء للمارة عقب ابتلائه بداء احتار فيه أطباء عصره، ولم يجدوا له دواءً، فأراد أن يتحبب إلى الناس، وأن يكفر عن خيانته لسلطانه قنصوه الغوري آخر سلاطين الدولة المملوكية في مصر.

جامع الخربكيَّة

مجموعة «خاير بك» الأثرية متميزة للغاية، ولكن عار الخيانة ظل يلاحق الأمير «خاير بك» حتى سُمي على المستوى الشعبي «خاين بك»، وبقي مسجده قائماً ليشهد على عزوف المصريين عن الصلاة فيه، منذ وفاة مؤسسه بعد اكتشاف خطأ في زاوية القبلة، وكأنه عقاب إلهي وشعبي على خيانته.

خاير بك

كما بقي ضريحه عبرة على حسب قول الشيخ «ابن زنبل الرمَّال» الذي عمل في جيش المماليك في الأيام الأخيرة لدولتهم قارئاً للطالع عن طريق قراءة الرمل، وكان شاهداً على هزيمة السلطان المملوكي قنصوه الغوري في موقعة «مرج دابق» بالقرب من مدينة حلب بشمال سوريا، ثم على هزيمة خلفه السلطان «الأشرف طومان باي» في موقعة «الريدانية»، وذكر «ابن زنبل» أن «الباشوات والصناجق والأغوات كانوا يمرون على ضريح «خاير بك» عند ذهابهم وإياهم، فلا يلتفت إليه منهم أحد، ولا يترحم عليه أحد، ولا يقرأ له الفاتحة، مع أنها تربة مليحة المنظر، ومع ذلك صدَّ الله عنه قلوب الخلق، لأنه كان سبباً في هلاك ألوف مؤلفة من الجراكسة والأروام والعرب وغيرهم وكان موته عبرة لمن اعتبر».

السلطان «الأشرف طومان باي»

من هو خاير بك؟

المؤرخ المصري «ابن اياس» الذي عاش نهاية العصر المملوكي وبداية العصر العثماني، وأرخ لهما، وصار على رأس المدرسة التاريخية المصرية في نهاية القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري «توفي سنة 930 هـ»، وترك لنا موسوعته التاريخية الضخمة «بدائع الزهور في وقائع الدهور» التي قدم فيها شهادته على الأحداث التي عاصرها ومنها شهادته المهمة على فظائع العثمانيين الأتراك في مصر، وكذلك قدم في روايته لتلك الأحداث عريضة اتهام تتضمن كل جرائم الأمير «خاير بك» يرسم صورة عامة للأمير فيقول: كان أبيض اللون، مستدير اللحية، وقد دخلها الشيب، طويل القامة، نحيف الجسم، فصيح اللسان بالعربية، حسن الشكل، عربي الوجه، رقيق الطباع، منهمكاً على شرب الخمر وسماع الآلات. 

وذكر أنه جركسي الجنس، وكان أبوه اسمه ملباي الجركسي، ولهذا كان يدعى «خاير بك بن ملباي»، ولد بقرية اسمها «صمصوم» وهي بالقرب من بلاد الكرج، ولم يولد ببلاد جركس، فلما كبر قدَّمه أبوه إلى «الأشرف قايتباي»، ولم يدخل تحت رقٍ قط، ولما تسلطن «الأشرف الغوري» جعله حاجب الحجاب «كبير الحجاب»، واستمر على ذلك حتى جعله السلطان قنصوه الغوري نائباً على حلب وذلك في سنة 910 هجرية.

الأشرف سيف الدين قايتباي

رمز الخيانة

 استمر الأمير «خاير بك» على نيابته عن السلطان قنصوه الغوري في حلب حتى تحرك «الخوندكار سليم شاه بن عثمان» على السلطان الغوري، الذي انكسر، ويؤكد «ابن اياس» على أن «خاير بك» نائب حلب كان سبباً لما سماه «كسرة» الغوري.

سليم شاه بن عثمان

تسببت خيانة «خاير بك» في التسريع بسقوط دولة المماليك وهو ما ذكره «ابن اياس» مؤكداً على أن «خاير بك» تعمد خيانة سلطانه، وأنه كان على صلة بالسلطان العثماني سليم الأول لذا سمته العامة «خاين بك» الذي تمادى في خيانته، وحرض الغازي العثماني على إعدام «طومان باي» الذي خلف الغوري عقب وفاته، فبعد هزيمة طومان باي في معركة الريدانية، سلمه أحد شيوخ العربان إلى السلطان العثماني، سليم الأول بعد استيلائه على القاهرة 1517، فأعدمه وأعدم عدداً كبيراً من المماليك الجراكسة وذلك كله بتحريض وتخطيط من خاير بك.

معركة الريدانية

لما ملك «سليم الأول» الديار المصرية وجرى منه ما جرى، قرر أن يكافئ «خاير بك» على خيانته فجعله على نيابة مصر، يوم الثلاثاء 13 شعبان سنة 923 ه واستمر على نيابة مصر إلى أن مات في يوم الأحد الرابع عشر من ذي القعدة سنة 928 ه، وكانت مدة نيابته على مصر خمس سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً. وحسب شهادة «ابن اياس» فقد كانت أيامه كلها ظلم، وجور، وعاش من العمر نحو ستين سنة، وكان  كفؤاً للسلطنة، عارفاً بأحوال المملكة، ولولا ما حصل في أيامه من المظالم والحوادث لكان من خيار من ولي على مصر.

ابن اياس

وبعد أن قرر «ابن اياس» أن الأمير «خاير بك» كان مهيئاً للقيام بدور مهم في تاريخ مصر لولا خيانته شرع في وضع « عريضة الاتهام » التي تحتوي جرائم ملك الأمراء كما كان يسمى فقال: أما ما عُد من مساوئه فإنه كان جباراً، عنيداً، عسوفاً، سفاكاً للدماء قتل في مدة ولايته على مصر ما لا يحصى من الخلايق، وشنق رجلاً على عود خيار شنبر أخذه من جنينته، فضلاً عن أنه شنق، ووسَّط ، وخوزق، من الناس جماعة كثيرة، واقترح لهم أشياء في عذابهم، وكان يخوزقهم من أضلاعهم، ويسميه «شك الباذنجان»، فقتل في مصر وحلب فوق العشر آلاف انسان، وغالبهم راح ظلماً.

اشتهر حكم «خاير بك» بالشدة وكثرة المظالم وكرهه العامة واحتقروه، ويسند «ابن اياس» إليه أنه «أتلف معاملة الديار المصرية من الذهب ولفضة والفلوس الجدد، وسلط إبراهيم اليهودي معلم دار الضرب على أخذ أموال المسلمين»، ومن جملة مساوئ «خاير بك» التي عددها «ابن اياس» أنه كان يكره الفقهاء وطلاب العلم بالطبع وعزل القضاء الأربعة ونوابهم قاطبة،  ومنها أنه يكره المماليك الجراكسة ويعوق جوامكهم ستة أشهر ثم يصرف لهم شهرين بألف جهد.

وأسوأ مساوئ «خاير بك»، كما جاء في عريضة «ابن اياس» أنه كان سبباً لخراب الديار المصرية، ودخول «سليم شاه بن عثمان» إلى مصر، وحسن له عبارة بأخذ مصر، وضمن له أخذها من غير مانع، وعرَّفه كيف يصنع حتى ملكها، وجرى منه ما جرى من قتل الأمراء والمماليك الجراكسة، وشنق السلطان «طومان باي» على باب «زويلة»، وكان ذلك كله بترتيب «خاير بك»،  ودولبته، ويختتم «ابن اياس» شهادته عن الأمير «خاير بك» فيصفه بأنه «كان كثير الحيل والخداع والمكر، وكان من دهاة العالم لا يعلم له حال»، ثم يقول: «لو ذكرت مساوئه كلها، لطال الشرح في ذلك».

باب «زويلة»

نهاية مفجعة

في الخميس حادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 928 ه أشيع أن ملك الأمراء «خاير بك» بطلت شقته، وعجز عن القيام، وتزايد به ألم تلك الفرخة الجمرة، واشتد عليه مخرج البول والغائط، من الورم من تلك الجمرة، وهذا العارض بعينه وقع للخوندكار سليم شاه بن عثمان ومات به. ثم إن قضاة القضاة ركبوا وطلعوا الى ملك الأمراء وعادوه وسلموا عليه فلم يعِ لهم، ولم يلتفت إليهم، فقرأوا له الفاتحة، ونزلوا إلى دورهم.

لما تزايد الأمر على «خاير بك» بادر إلى فعل الخيرات لعلها تنجيه فأعتق جميع جواريه، ومماليكه، وعبيده، ثم إنه دفع للقاضي بركات بن موسى المحتسب ألف دينار فضة، ورسم بإخراج عشرة آلاف أردب قمح من الشونة، ورسم للمحتسب بأن يفرق ذلك على مجاورين جامع الأزهر، والمزارات، والزوايا، التي بالقرافتين قاطبة، ومجاورين مقامي الإمامين الشافعي، والليث رضي الله عنهما، وأن يفرق باقي ذلك على الفقراء والمساكين، ومن عليه دين.

ثم رسم «خاير بك» بإخراج مراسيم الى القاضي «فخر الدين بن عوض» بأن يفرج لأصحاب الرزق الأحابيس التي كان أدخلها الديوان السلطاني، وكان قدرها نحو ألف وثمانمائة رزقة، فأفرج عنها لأصحابها، وأعاد مكاتب الرزق الحبشية التي كان أخرجها المفتش يوسف بن الجاكية فأعادها الى أصحابها، ثم صار يقول للمباشرين الذين شوش عليهم حاللوني وأبروا ذمتي فحاللوه غصباً.

ثم في يوم الجمعة ثاني عشر من الشهر نفسه رسم بإطلاق المحابيس من رجال ونساء فتوجه القاضي «شرف الدين الصغير»، والقاضي المحتسب إلى بيت الوالي، وعرضوا من في سجني «الديلم» و«الرحبة»، فطلعوا المحابيس في زناجير مشاة، وتوجهوا بهم إلى بيت الوالي، فلما عرضوهم هناك صار القاضي شرف الدين الصغير والقاضي المحتسب يصالحون أصحاب الديون، الذي عليه من أربعين اشرفياً فنازل، يقولون لأصحاب الديون اتركوا لأجل ملك الامراء الباقي، فصالحوا أرباب الديون بقدر يسير، فعلوا مثل ذلك بجماعة كثيرة من المديونين. وفيهم جماعة من أعيان الناس، وأطلقوا جماعة كثيرة من الضُمان، وجماعة من الفلاحين، فقيل أطلقوا من سجن الرحبة أربعين انساناً، وأطلقوا من سجن الديلم دون ذلك.

ولكن المصريين لم يغفروا

حسب رواية «ابن اياس» لم يترك «خاير بك» بالسجن غير الحرامية ومن عليه دم، ولم ير الناس في أيام ملك الامراء «خاير بك» أحسن من هذه الأيام، فإنه جاد مع الناس، وبر الفقراء والمساكين، ولم يعرف الله إلا وهو تحت الحمل، فلم يفده من ذلك كله شيء، ويأبى الله إلا ما أراد.

ولم يغفر المصريون للأمير «خاير بك» خيانته لسلطانه ولبلده، وانحيازه إلى الغزاة العثمانيين، ولم ينسوا مظالمه، وراجت رواياتهم عن أنهم كانوا يسمعون تألمه في قبره بصوت ترتجف له الأبدان، كما تناقل الناس روايات عن بعض المتصوفة الذين أنزلوا في مدرسة «خاير بك»، أنهم سمعوه وهو يتأوه من العذاب الذي حل به في قبره، وأنهم كانوا يتناوبون مع قراء القرآن الكريم حسب وقفيته على قراءة آيات الله طيلة الليل والنهار ترحماً على «خاير بك»، ولكنهم اضطروا جميعاً بعد وقت قصير إلى هجر المدرسة والتخلي عن رواتبهم لفزعهم من صرخاته، ولم تلبث المدرسة بعد ذلك أن أهملت وأغلقت ثم تداعت قمة مئذنتها في القرن التاسع عشر، وكان «خاير بك»، قد رحل غير مأسوف عليه، ودفن تحت قبته التي ألحقها بمدرسته ومسجده الكائن بالدرب الأحمر بشارع باب الوزير.

قبة مدفن خاير بك داخل جامع الخربكيَّة

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: