منوعات

كورونا يتوج «نتفليكس» علي عرش الترفيه في العالم

مع الأزمات، نُدرِكُ – ولو في وقتٍ متأخِّر – حجمَ الأوقاتِ الرهيبة التي نعيشها، ولعلّ الأوقاتِ الحاليةَ التي يحياها العالَمُ كلُّه لا يُضاهيها في الرهبة أي وقتٍ مرَّ في تاريخ البشرية منذ أكثر من مئة عام، إبان انتشار جائحة الأنفلونزا الإسبانية التي ضربت العالمَ كلَّه في العام 1917، التي قضَى بسببها ما يزيد على 50 مليون شخص، إذ تعيش البشرية، الآن، في هلعٍ متجدِّد، يجعل الإنسان متوحِّدا مع نفسه، يفكِّر في مصيره المجهول، يترقَّبُ بين حينٍ وآخَرَ خبرًا هنا أو هناك، يُبدِّدُ به هذا الهلَعَ المُضنيَ، الذي يُرهِق تفكيره، ويستبدُّ بعقله، فلا يجدُ سوى أخبار الإصابات المتزايدة بفيروس كورونا المُستجدّ، والوفيات المستمرّة جرّاء تمكُّن هذا الفيروس من رئة الإنسان، فيما تصدمه أخبار تدهور الاقتصاد العالمي، وتدنّي مؤشرات البورصات العالمية، وقصص انتحار أشخاص فقدوا ذويهم وأقاربهم بسبب فيروس لمّا تزل مراكز الأبحاث العالمية عاجزة عن اكتشاف علاج له أو فاكسين (مصل) يعصم الإنسان منه.

 أمام ذلك كله يجد إنسان هذا الزمان نفسه محاصَرًا بين ذلك الهلَع، وبين دعوات، بل إلزامات قانونية باعتزال العالم الخارجي، وتنفيذ حظرٍ منزلي كوسيلة سهلة متاحة تمنع هذا الفيروس من الانتشار، الأمر الذي يجعل هذا الإنسانَ يقف مفكِّرا – ربما للمرة الأولى في حياته – ليكتشفَ أنَّ رغباتِ وشهواتِ الماضي مثيرةٌ للسخرية، بل مثيرةٌ للشفقة، كما يكتشف أن لا شيء في هذا الوجود يستحق أكثر من الوقت الذي نقضيه مع أولئك الذين نحبهم ونسعد بوجودهم إلى جوارنا، والمعنى الذي نعطيه لحياتنا معهم!

المستفيد الأول

 لكن الإنسان في عُزلته التي فرضها عليه هذا الفيروس سيبحث حتمًا عن الترفيه، سيبحث حتما عمّا ينتشِله من هذا البؤس والهلَع ولو لساعات معدودات في يوم طويل، لتظهر الحاجة إلى مُعادِل موضوعي للسينما والمسرح اللذيْن حُرِم منهما إما بسبب العُزلة والحظر، وإما بسبب تدنّي الإقبال على شبابيك تذاكرهما من الأساس، وبالطبع لن يجد في التليفزيون وقنواته المتخَمة بالإعلانات المكرورة المملّة، التي تقطع حبل مشاهداته، مبتغاه، وفي هذا التوقيت الصعب تنتصر الشبكة الرقمية الإلكترونية التي تقدِّم محتوى ممتعًا ومسلّيًا يتيح المشاهَدة في المنزل حتى أثناء تناول الوجبات الخفيفة، بل تتيح تلك الشبكات لمستخدميها إيقاف البثّ مؤقتا إلى حين أن يتفرّغوا من كل ما يعطّلهم، ولو كان أمرًا تافهًا، أي أنّ هذه الشبكات الإلكترونية أتاحت للمشاهِد وهو في بيته قيادة محتوى ما يشاهده، والتحكّم فيه، وهو الأمر الذي جعل من عدّة منصات وشبكات تلفزيونية رقمية، وعلى رأسها شبكة «Netflix»، هي الملاذ الأول للترفيه والعروض السينمائية والتليفزيونية في أوقات الحظر المنزلي المفروض بسبب كورونا، وهي – وَفقًا لتعريف الموقع الرسمي لها – خدمة بث تتيح من خلالها لعملائها مشاهدة مجموعة متنوعة من العروض التلفزيونية والأفلام والوثائقيات وغيرها من الأعمال الحائزة على جوائز من خلال الآلاف من الأجهزة المتصلة بالإنترنت، وقد تأسّست على يد «بريد هاستنغر» عام 1997، وفي البداية كانت متخصصة في تأجير وبيع الأقراص المدمجة للأفلام والمسلسلات، ولكن في عام 2007 قرر رئيسها إيقاف العمل في بيع الأقراص المدمجة والتوجه للبث الحي عبر الإنترنت، فأصبحت Netflix رائدة في خدمات البث الحي، خصوصا أنها تبعد عن المشاهد إزعاج الإعلانات التجارية، بالإضافة إلى أسعار خدماتها الجيدة، ثم في العام 2013 دخلت كمنتِجة وصانعة لأعمال سينمائية وتلفزيونية وكان باكورة إنتاجها  هو مسلسل «House of cards» في موسمه الأول.

 

انطلاقة في السوق المصري

ومع اندلاع جائحة كورونا، واضطرار ملايين حول العالم إلى المكوث في منازلهم تنفيذا للحظر الجزئي أو الكلي بحسب كل بلد، ارتفعت أسهُم شبكة Netflix بشكل مثير للدهشة، خصوصا في المنطقة العربية ومصر تحديدا؛ وسبب ذلك زيادة نسب مشاهدتها وزيادة عدد المشتركين الجدد فيها أيضا، حتى إن شبكة «دويتشه فيله» الإخبارية الألمانية ذكرت أن أبرز مستفيد ماليًّا في ألمانيا من الذعر بسبب كورونا هي شركات الخدمات المقدمة للمنازل، وفي مقدمتها Netflix، ولم يجد الاتحاد الأوروبي مفرًّا من دعوتها هي وغيرها من منصات البث الرقمي إلى التوقف عن عرض موادّها التلفزيونية بدقة عالية HD، لمنع الإنترنت من الانهيار تحت ضغط الاستخدام غير المسبوق بسبب جائحة فيروس كورونا، وهو ما نفّذته الشبكة بالفعل لا لتنفيذ ما طالب به مسؤولو الاتحاد الأوروبي فقط، بل كنوع من المرونة في التعامل في أثناء الأزمات و في ظل الضغط المتواصل على استخدام شبكة الإنترنت حول العالم في مثل هذه الظروف القسرية، وهو الأمر نفسه الذي راعته الشركة العالمية حينما نظرت إلى السوق المصري نظرة موضوعية ذات نسق تقييمي ممتاز، فأعلنت عن توفير خاصية الدفع بالجنيه المصري لأعضائها في مصر بدلا من الدولار؛ حتى تحقق أكبر نسبة من الاشتراكات داخل مصر في هذه الفترة، وهو ما قد تحقق بالفعل ولا سيما مع تواضُع قيمة الاشتراك الشهري في أعلى خطة مميزة للمنصة الرقمية، التي ستُطلِق عملين مصريين من إنتاجها، وهما «ما وراء الطبيعة» و«أبلة فاهيتا»، وهذه النظرة التسويقية الرائعة ليست غريبة على تلك المنصة الرقمية العالمية التي ترفع شعارا ممتازا هو «إننا نعطي الجميع مساحة لتوسيع أذواقهم».

عصر المنصات الرقمية

لقد عوّل كثيرون، فيما مضى، على أنّ تطوير Netflix يتوقف على استراتيجياتها وتقنياتها الرائعة، لكن جاءت جائحة كورونا لتجعل من تلك الشبكة العملاقة مركز الصدارة في الترفيه حول العالم، فمن ذا الذي كان يتوقع أن يكون لتلك الشركة سوقٌ هائل في مصرَ في يوم ما؟! لكن مع بقاء الملايين من البشر في منازلهم لساعات طويلة، إذا بتلك المنصة الترفيهية تحقق نجاحات وأسهُمًا في البورصات العالمية لم تحققها أي شركة أو مؤسسة في ظل هذه الظروف القاسية التي يعيشها العالم، وكأن هذه الشبكة رفيقة العُزلة الاجتماعية للناس في هذه الأيام، انتظارا لبزوغ فجر جديد بعد انقشاع عاصفة كورونا، فجر المنصات الرقمية التي ستقضي، لا محالة، على عصر (الريسيفر)، الذي قضى بدوره هو الآخر منذ أكثر من عقدين على عصر الإرسال التلفزيوني التقليدي!

    وأخيرا، فإن الصدفة وحدها – ربما – قادَت تلك المنصة الرقمية العالمية إلى أن تكون في بؤرة أحداث كورونا؛ ذلك أنه مع بداية الجائحة تزامن عرض سلسلة وثائقية تحت عنوان «الوباء» Netflix ، والتي تحدثت بحرفية عالية عن وباء الإنفلونزا الإسبانية الذي هاجم العالم منذ أكثر من مئة عام، وأصاب مئات الملايين من البشر حول العالم، لترتفع تبعا لذلك نسب مشاهدة تلك المنصة، وهو ما يؤكد أن إستراتيجية الشبكة عنصرا فاعلا في نجاحها وانتشارها، خصوصا مع قوة ورصانة أكثر من عمل تعرضه شاشات الشبكة، التي لا تراعي قوة ورصانة المحتوى فقط، بل إنها تربط بين طبيعة كل تركيبة سكانية حول العالم وبين تنوع الأذواق!

الوسوم

أحمد رمضان الديباوي

مدرس العقيدة والمنطق بالأزهر

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: