رؤى

من العائلة إلى «الجماعة».. لماذا تتفشى ثقافة الاستعلاء كالوباء؟

تكمن أهمية كتاب «تراث الاستعلاء بين الفولكلور والمجال الديني» للدكتور سعيد المصري والصادر حديثا عن دار بتانة للنشر بالقاهرة، في جرأته، لجهة تسمية الأشياء بأسمائها، دون مراوغة، ودون اللجوء إلى لغة مقعَّرة، يصعب على القارئ العام استيعابها والتفاعل معها.

 توقيت صدور الكتاب لا يقل أهمية، فهو يتضمن أبحاثا عميقة بلغة سلسة، في شأن يؤرق الجميع، من حيث انطوائه على مكامن الخطر في أفكار الإسلام السياسي. إن غياب النزوع الإنساني في تلك الأفكار التي لا غرض لها إلا الوصول إلى السلطة بأي ثمن، قد تجلى في العملية التي كانت تُعد لها الخلية الإرهابية التي تمت تصفيتها قبل أيام في منطقة الأميرية بالقاهرة، والتي يمكن اعتبارها مثالا صارخا على «الاستعلاء الديني» الذي يقدم الدكتور سعيد المصري تحليلا وافيا له في أحدث كتبه والذي نحن هنا بصدد تسليط الضوء على أبرز ما احتواه.        

والدكتور سعيد المصري، هو أستاذ علم الاجتماع في جامعة القاهرة ومستشار وزير الثقافة لتطوير المنظومة الثقافيّة، وسبق له أن تولى منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في مصر.

د. سعيد المصري وكتابه «تراث الاستعلاء بين الفولكلور والمجال الديني»

آفة المجتمع المتخيَّل

كتاب (تراث الاستعلاء بين الفولكلور والمجال الديني) الذي جاء في 356 صفحة من القطع الوسط متضمنا سبعة فصول وعددا من الملاحق، يؤكد إجمالا  أن ملامح الاستعلاء داخل التراث الشعبي الشفهي تبدأ بصور التمييز الثقافي بين البشر بحسب خصائصهم وإنتماءاتهم، والتعالي على الآخرين بمقتضى اختلافهم، مشيرا إلى أنه مع ظهور التمايزات الاقتصادية الحادة تنشأ صور من الاستعلاء تميز بين الناس على أساس المكانة والحظوة الاقتصادية، ويصل التمييز الثقافي إلى أقصاه في حالة الاستعلاء الديني، حين تتولى حركات دينية تأصيله من قلب التراث الديني، وتفعيله في الواقع بالقوة والوصاية الدينية؛ أملا في استعادة مجتمع متخيل، ليس له حدود.

وتنبئنا مقدمة الكتاب بأن تراث الاستعلاء يتضمن جميع عناصر التراث اللامادي المعزِّزة للتمييز بين البشر بحسب خصائصهم وانتماءاتهم، ومن ثم فإنه يكرس مبدأ التعالي على الآخرين بمقتضى اختلافهم ويمثل أكثر جوانب اللامادي تأثيرا في تفاقم الصراعات الاجتماعية القائمة على روح التعصب والتطرف والكراهية، وإذا تأملنا جيدا- يقول سعيد المصري – جوهر الانقسامات السائدة والصراعات الإثنية والطائفية التي تتفشى كالأوبئة في كثير من المجتمعات العربية، سنلاحظ أنها تستمد قوتها وعنفها من وجود مجموعة من القيم والمعتقدات والأعراف السائدة التي تشكل جانبا، ليس بالقليل، من تراث ثقافي حول الاستعلاء، ومتخم بالتعصب والكراهية والعنصرية.

ويصل التمييز الثقافي، بحسب ما ورد في مقدمة الكتاب، إلى أقصاه في حالة الاستعلاء الديني المرتبط بالاختلافات الدينية، حيث يصبح الانتماء لدين معين مبررا للتمييز في الحقوق والواجبات، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يعطي هذا الانتماء الديني الحق، للفئة المؤمنة بدين معين، في الهيمنة على الآخرين وإرغامهم على الدخول في هذا الدين بالقوة.  

تبدأ ملامح تراث الاستعلاء داخل التراث الشعبي بصور التمييز الثقافي بين البشر بحسب خصائصهم وانتماءاتهم، وتصل إلى أقصاها في حالة الاستعلاء الديني، حين تتولى حركات دينية تأصيله من قلب التراث الديني، وتفعيله في الواقع بالقوة والوصاية الدينية؛ أملا في استعادة لمجتمع متخيل، ليس له حدود.

الخطاب الديني.. والجدل المحتدم

وفي ما يتعلق بما أسماه الدكتور سعيد المصري «حلقة مفرغة»، يلاحظ أن هناك دعاوى متكررة على مدى العقود الثلاثة الماضية حول ما يعرف بتجديد الخطاب الديني، وكأننا بصدد خطاب ديني واحد محدد المعالم يتعين تغيير محتواه، بينما يشير الواقع إلى وجود خطابات متعددة بحسب اختلاف مضامينها الفكرية ومرجعياتها الفقهية واختلاف الجماعات والمؤسسات التي تساهم في إنتاجها وتداولها. أما التجديد فيتضمن إدخال تعديلات على مضامين بعينها في الخطابات الدينية السائدة؛ فكل دعوة إلى التجديد، أيا كان مصدرها أو الهدف منها تسعى إلى إزاحة مضامين فكرية ودينية بعينها عن موقع الصدارة وإحلال مضامين أخرى محلها.  

 في الفصل الرابع من الكتاب وعنوانه: «تراث المجتمع الإسلامي المتخيل واستعادة الماضي»، يرصد الدكتور سعيد المصري تلك الرؤية التي تعتقد بأن بلوغ «المجتمع الإسلامي المبتغى» يعتبر «مهمة مقدسة»، ولهذا طرح سيد قطب مثلاً مفهوم «الاستعلاء بالإيمان»، ويعني به الحالة الشعورية التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون نحو أنفسهم، وفي نظرتهم للآخرين، والتي تتسم بالعلو واليقين الذاتي وعدم الشعور بالضعف والخزي والحزن؛ لأنهم الأعلى، وعلى حق، وغيرهم باطل!

ويأخنا ذلك بحسب استطراد المؤلف إلى شروط التمكين في التفكير الراديكالي، وفي مقدمتها الحرص الشديد على اكتساب القوة المسلحة والقيام بالفتوحات، وهناك قاعدة في فقه الجهاد تقول: «لا عبودية بغير تمكين، ولا مغفرة بغير فتح، ولا فتح بلا شهادة». وهكذا تضع الجماعات الجهادية أولوياتها القصوى في عملية التمكين، على بناء المجتمع الإسلامي الجديد بوجود قوة كبيرة تحميه ممثلة في الدولة الإسلامية، القوية سياسيا وعسكريا، والقابلة للتوسع والتمدد عبر بقاع الأرض. هم إذن لا يبغون استعادة الحالة الأولى لما كان عليه الإسلام في مهده فحسب، بل استعادة حقبة بأكملها من الانتصارات في التاريخ الإسلامي، تبدأ من تأسيس كيان سياسي على غرار دولة المدينة المنورة على يد الرسول وأصحابه وأتباعه، وصولا إلى تأسيس حلم أكبر بعودة الخلافة الإسلامية.

تباين المسارات وحدود الإلتقاء

ويرى سعيد المصري أن أطراف الحركة الإسلامية تتحرك على مسار متصل يبدأ من أقصى درجات السلمية في الدعوة والنصح، مرورا بالإصلاح عبر الاندماج الاجتماعي، وصولا إلى أقصى درجات العنف والصدام والثورية في هدم النظم الاجتماعية القائمة. ويضيف المؤلف أن ما يخلق التباين في مسارات العمل تلك، ليس فقط التباين في القناعات والقدرات والإمكانيات المتوفرة لدى كل طرف، بل أيضا مدى قوة الأبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية على الوقوف في وجه تلك الحركة الإسلامية. ولهذا حين تصبح المجتمعات الراهنة هشة، تتجمع كل القوى الدينية بتياراتها وأطرافها المختلفة وتتكاتف معا لإحداث التغيير وخلخلة الأبنية الاجتماعية والسياسية من جذورها، وبقدر ما تتباين المواقف في دائرة الصراع، تتوافق الغايات في ما بين كل أطياف الحركة الإسلامية، وفي الجهاد المقدس ليتنافس المتنافسون.

وحين تكون بنية المجتمعات الراهنة، بثقافتها ونظمها السياسية، قوية وقادرة على مقاومة التغيرات الجذرية، ينفرط عقد الحركة الإسلامية إلى جماعات ومسارات متباعدة ومختلفة: دعوية، وإصلاحية، وعنيفة، وتبدو خريطتها متباينة أشد التباين، كما لو كانت أطرافا متنافرة ومتعادية، وقد يصل الأمر إلى أن يكفر بعضهم بعضا.

في المقابل، وخلال أحداث الربيع العربي، مثلا، وبحسب ما ورد في هذا الكتاب المهم، وجدنا تلك الجماعات في غمرة الصراع على السلطة تتقارب حول قضية واحدة وهي تطبيق الشريعة الإسلامية، واتخذوا من التسلط والعنف سبيلا أوحد للوصول إلى غايتهم وذابت الحدود التي كانت تفصل بين السلفي والإخواني والجهادي. وهكذا ذابت حدود الخطابات الدينية التي كنا نتصورها مختلفة: الدعوي في المنابر، والخطاب الإصلاحي على شاشات الفضائيات، والخطاب الجهادي في شعارات مسيرات الاحتجاج وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. ولهذا لا ندهش – يقول المصري- حين يعود كل طرف إلى موقعه بعد سقوط «الإخوان» من فوق عرش مصر؛ يعود السلفيون إلى دائرة الدعوة، بحثا عن موطئ قدم في المساجد والمنابر، ويقف الجهاديون على الحدود موجهين عنفهم ضد جنود الجيش والشرطة، ويبقى الإخوان في ساحة الانتظار مع الزمن، بين الفرار والمحاكم والمعتقلات والسجون، أملا في صفحة جديدة من المساومة مع السلطة باسم الإصلاح.

المحاكم الشرعية

أما الفصل الخامس وعنوانه «الشرع يحكم البادية: دراسة لعملية أسلمة المجتمع البدوي»، فخلاصته تؤكد تغير الأحوال بصعود الحركة الإسلامية إلى مسرح الحياة العامة خلال العقدين الماضيين، مما أفضى إلى تغيرات في العُرف لصالح تعزيز الشرع، وتحييد الدولة في فض المنازعات (قبيلة أولاد علي في مرسى مطروح نموذجا) واستطاع الإسلاميون السيطرة على جانب لا بأس به من مؤسسة القضاء البدوي.

وجاء الفصل السادس من الكتاب تحت عنوان «معضلة المجال الديني في مصر»، وفيه قام المصري بتحليل الوضع الراهن للمؤسسات الدينية والتحديات التي تواجه الدولة في علاقتها بالشأن الديني.

ختام الكتاب تمثل في فصله السابع وعنوانه «عودة الدين إلى المجتمع»، ويخلص إلى أن إعادة النظر في الفكر الديني لها أربع زوايا أساسية يمكن العمل بمقتضاها جميعا أو أي منها، وهي: التأويل، والتوافق، والتفرد، والتحرر، ويشدد الدكتور سعيد المصري في هذا الصدد على أن جميع أطياف الخطابات الدينية السائدة تجمع بينها بنية قائمة على التسلط، تتمثل في جناحين؛ الأول صورة المجتمع الإسلامي المتخيل، والثاني الأصولية الدينية والعلمية، ومن ثم يعاد إنتاج الماضي، فيما ينبغي أن يقوم التجديد على التخلص من أوهام العلاقة بالآخر، وأن يتفاعل كل الناس بروح إنسانية خالصة.

فهل يمكن لهذا التصور المستند إلى دراسات نظرية وميدانية، وليس إلى نزوع  طوباوي، أن يجد سبيلا للتحقق، في ظل ما نحن فيه ومعنا العالم من جائحة يتوقع أن تفرض تغييرات جذرية، خصوصا على الصعيد الاجتماعي، انطلاقا من أن الوباء، سواء بمعناه البيولوجي، أو بتجلياته الفكرية المضادة لإنسانية الإنسان، يهدد الجميع، على حد سواء؟      

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق