ثقافة

الأحد الدامي.. عندما ضج المصريون بالدعاء: يا خفي الألطاف!

«في يوم 21 أكتوبر، وعند طلوع النهار، ظهر أن هناك بعض التجمعات في القاهرة. وعند الساعة السابعة صباحا تجمع جمهور كبير عند باب القاضي، بغرض أن يتوجه الجميع إلى منزلي لتقديم عريضة شكوى، وفى هذه الأثناء وصل الجنرال «ديبوى»، وعندما رأى الفوضى واستحالة إيقافها بالروية أطلق طلقة من طبنجته ما أصاب الرعاع بحالة من الغضب العارم. وقد اندفع الجنرال «ديبوي» للهجوم مع حراسته ليفسح الطريق أمامه مسقطا أرضا كل من كان واقفا أمامه، وعندها تلقى ضربة رمح تحت إبطه قطعت شريانه ولم يعش إلا 8 دقائق بعد ذلك. وقد اندلعت معارك بالبنادق في كل الشوارع، وراح الرعاع ينهبون منازل الأغنياء.»

من خطاب نابليون لحكومته بعد إخماد ثورة القاهرة الأولى 

يا سلام من هذه الآلام 

دخل نابليون القاهرة يوم 25 يوليو 1798، وقبل انقضاء ثلاثة أشهر اندلعت ثورة القاهرة الأولى. فبعد أن وصلت الحملة الفرنسية إلى القاهرة، واستقرت الأوضاع فيها، قام بونابرت بتشكيل ما يسمى بـ«الديوان»، وكان يتكون من تسعة أعضاء من كبار شيوخ الأزهر والعلماء، وعلى رأسهم شيخ الجامع الأزهر الشيخ عبد الله الشرقاوي. كان الديوان يمثل همزة وصل بين شعب مصر وجيش الاحتلال، وكانت سلطة هذا الديوان استشارية ومقيدة بتعهد الأعضاء بعدم القيام بأيّ عمل يكون موجها ضد مصلحة الجيش الفرنسي. وعلى الفور بدأ جيش الاحتلال الفرنسي في ممارسة النهب والقتل وكبس البيوت وتفتيشها، والاستيلاء على المنازل بحجة الاحتياج لها لإدارة شئون البلاد. بدأ التذمر بين أهل مصر يتزايد يوما بعد يوم وما زاد الطين بلة، ما فُرض عليهم من ضرائب وغرامات مغالى فيها، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير. يذكر الشيخ عبد الله الشرقاوي، في تحفة الناظرين: «وقامت عليهم «أي على الفرنسيين» أهل مصر بسبب طلبهم فرض غرامة على البيوت». وإلى جانب تذمر الأهالي واستيائهم من كل ما دار منذ دخول الفرنسيين مصر، كانت الدعاية للثورة والتحريض عليها، من جانب صغار المشايخ، لا تنقطع منذ ظهرت مظالم الفرنسيين.

الشيخ عبد الله الشرقاوي

وفي صباح يوم الأحد 21 أكتوبر، يقول الجبرتي: اجتمع جمع غفير من «حشرات الحسينية، وزعر «جمع أزعر» الحارات البرانية» ــ بحسب تعبيره ــ ولهم صياح عظيم ويقولون بصياح في الكلام: نصر لله دين الإسلام، وانضم إليهم خلق كثيرون على شاكلتهم، حتى بلغوا نحو الألف عدًا وقصد هذا الجمع بيت القاضي الكبير بقصد أن يطلبوا منه التوسط لدى الفرنساويين في محو تلك الضرائب والغرامات التي فرضها….. ووافقهم على ذلك بعض المتعممين الذي لم ينظر في عاقبة الأمور، ولم يتفكر أنه في القبضة مأسور. ــ أيضا حسب تعبير الجبرتي، ولم نصحح الأخطاء الإملائية.

خرج المصريون بكل ما لديهم من سلاح و شوم وحراب علي الجنود الفرنسيين يقتلوهم. و تحصنوا بأسوار الحارات والأزقة، ونصبوا المتاريس علي مداخلها. فسارع نابليون باحتلال الأماكن المرتفعة ونصب مدافعه فوق مآذن جامع السلطان حسن، وانهالت القنابل منه ومن القلعة علي الجامع الأزهر، مبعث الثورة، وكل ما يحيطه من بيوت وحوانيت… يقول الجبرتي: فضربوا بالمدافع والبنبات، على البيوت والحارات، وتعمدوا بالخصوص الجامع الأزهر، وجردوا عليه المدافع والقنبر، وكذلك ما جاوره من أماكن المحاربين، كسوق الغورية والفحامين، فلما سقط عليهم ذلك ورأوه، ولم يكونوا في عمرهم عاينوه، نادوا: يا سلام من هذه الآلام، يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف، و«هربوا من كل سوق، ودخلوا في الشقوق» ــ حسب تعبير الجبرتي.

الجبرتي

موقف كبار المشايخ والعلماء من الثورة

نبدأ بموقف الجبرتي، وهو بالتأكيد من علية القوم ومثقفي عصره، فنشير إلى أن العبارات التي استخدمها الجبرتي حال سرده الأحداث ووصفه الثوار، تفضح بصورة جلية إنحيازاته، وإلى أي الأطراف يميل، فهو يصف الثوار بــ«حشرات الحسينية، وزعر الحارات البرانية». ثم يعرّض بالمعممين «الذين كونوا قيادة الثورة» حين يصفهم بالغفلة والرعونة وعدم تقدير العواقب، فيقول «لم ينظر في عاقبة الأمور، ولم يتفكر أنه في القبضة مأسور». وأخيرا، يقول إن الثوار هربوا «ودخلوا في الشقوق»، ولا يخفى عن كل ذي بصيرة دلالة هذا التعبير.

 
أما أعضاء الديوان وكبار المشايخ فقد كان موقفهم لا يتعدى المقاومة السلبية في أحسن الأحوال، والوساطة والتوسل حال وقوع ظلم على احد المشايخ أو مساتير الناس، ولا أكثر من ذلك. ولنر، على سبيل المثال، كيف يبرر الشيخ عبد الله الشرقاوي موقفه وموقف زملائه من أعضاء الديوان، حيث يقول في تحفة الناظرين: «والسبب الذي أوجب لأهل مصر وقراها بعض الانقياد إليهم عجزهم عن مقاومتهم بسبب هروب المماليك الذين معهم آلات القتال، وإنهم عند قدومهم ذكروا أنهم ليسوا نصارى لأنهم يقولون إن الله واحد والنصارى تقول بالتثليث، وإنهم يعظمون محمدا ويحترمون القرآن»…. إلى أخر هذا الهراء الذي لم يقنع أهل مصر ولم يمنعهم من الثورة. 

قد يكون الشيخ الشرقاوي محقا فيما ساقه حول العجز بسبب قلة آلات القتال، لكن في الجهة المقابلة هناك من صغار المشايخ، والمجاورين، وغيرهم من العوام، من كونوا تنظيما «سريا» «سنأتي إلى هذا فيما بعد» لقيادة الثورة.

أما مسألة أن بونابرت ورجاله يعظمون النبي محمد ويحترمون القرآن، فلنرجع إلى رواية الجبرتي عما فعلوه بالجامع الأزهر: «ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول، وبينهم المشاة كالوعول، وتفرقوا بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزاين الطلبة والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع والودايع والمخبآت بالدواليب والخزانات، ودشتوا الكتب والمصاحف على الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها، وأحدثوا فيه وتغوطوا، وبالوا وتمخطوا، وشربوا الشراب وكسروا أوانيه، وألقوها بصحنه ونواحيه، وكل من صادفوه به عروه، ومن ثيابه أخرجوه».

فتبرير الشيخ الشرقاوي بأن الفرنسيين يعظمون محمدا ويحترمون القرآن، سقط مع أول طلقة مدفع باتجاه الأزهر الشريف، ومع دخول الجند إلى صحنه ومقصورته، وربط خيولهم بقبلته، وما فعلوه بالمصحف.

المجلس الذي قاد الثوار

يؤكد عبد الرحمن الرافعي أن «دعاة الحركة تعاهدوا على الاجتماع ليلة الأحد 21 أكتوبر 1798، لرسم الخطة الواجب إتباعها، فاجتمعوا وكان عددهم في ذلك الاجتماع ثلاثين، فاتفقوا رأيا على البدء بالعمل في اليوم التالي، وأزمعوا إقفال الدكاكين، ودعوة أكبر عدد من التجار والصناع للذهاب بجمع كبير من الشاكين إلى مركز القيادة العامة لرفع الصوت احتجاجا على الضرائب الجديدة..» وبذلك تحدث في المدينة حركة يكون منها الشغب والهياج فتكون مقدمة للثورة.

هنا نجد أن الرافعي يقرر بوضوح أن ثورة القاهرة الأولى كان لها قيادة منظمة، وبلغة عصرنا هذا، نستطيع أن نقول إن هذه القيادة عقدت اجتماعا في الليلة السابقة لاندلاع الثورة، رتبت في هذا الاجتماع: ساعة الصفر، وكيفية التحرك، والى أين تتجه الجماهير، وماهية المطالب، ونوعية الشعارات المرفوعة. 

عبد الرحمن الرافعي

ولنعد إلى خطاب نابليون لحكومته بباريس: «… وفى المساء كانت المدينة هادئة عدا الحي الذي به الجامع الكبير الجامع الأزهر، حيث كان المجلس الذي يقود الثوار، الذين وضعوا المتاريس في الشوارع…..»يقر نابليون بوجود مجلس يقود الثوار. لكن ما جاء بخطابه هذا بعد أسطر قليلة يحدد بشكل قاطع من هم الثوار، وكيف يفكرون، وممن يتخوفون ……«وعندما تقدم أعضاء الديوان والشيوخ الرئيسيون ورجال الدين أمام المتاريس بحي الجامع الكبير، رفض الثوار السماح لهم بالدخول، واستقبلوهم بطلقات البنادق.» لم يكن الثوار يأمنون جانب أعضاء الديوان وكبار المشايخ، ولم يطلعوهم بالتأكيد على ما يخططون له، فالذي لا يمكن إنكاره أن هذا التنظيم أو المجلس كان سريا، فلم يستطع جواسيس بونابرت ــ وهم كثر ــ أن يعلموا بشأنه، وإلا ما كان لبونابرت وجنرالاته أن يُؤخَذوا على حين غرة، ولكانوا استعدوا لإجهاض الثورة قبل أن تفاجئهم.

يقول الرافعي إن «قادة الثورة نظموا حملة دعائية ناجحة ضد أعضاء الديوان من كبار المشايخ، حيث يتهمونهم بممالأة الفرنسيين، حتى لا يستمع الجمهور لنصائحهم في الإخلاد إلى السكينة، وقد افلحوا في إحراج مركز أعضاء الديوان فأخذت منزلتهم تتضعضع في نفوس الشعب.»… إذن لم يكن هذا المجلس أو التنظيم الذي يقود الثوار يتكون من كبار المشايخ وأعضاء ديوان بونابرت، بل من مجموعة من صغار المشايخ والمجاورين بالأزهر وبعض التجار والعوام.

ثوار بلا شواهد قبور

حتى لا تصبح قبورهم مزارات لأهل مصر، وحتى لا يكونوا مثالا يحتذيه من يأتون بعدهم ضد أي قوة احتلال، حرص بونابرت وجنرالاته على ألا يكون لمن اُعدموا في هذه الثورة شواهد قبور…    

فبعد إخماد الثورة بدأ البحث عن قياداتها وأعضاء المجلس أو التنظيم، ورغم سرية عمل المجلس وإخفاء نشاطه قبل قيام الثورة، إلا أنه سرعان ما انكشفت هوية الثوار، فلا يمكن إخفاء نشاطهم أثناء الحدث والفعل. بدأ البحث عن الشيخ سليمان الجوسقي، شيخ طائفة العميان، الذين قاموا بدور فعال وقتلوا الكثير من الجنود الفرنسيين عن طريق اصطيادهم من داخل الأزقة والحواري «لست ادري كيف فعلوها!»… إلى جانب القبض على ستة مشايخ «ليسوا من كبار المشايخ أو المشهورين»، وأمر بونابرت بوضعهم في القلعة، وفي المساء أمر بقطع رؤوسهم وإلقاء جثثهم في النيل…. وما حدث مع هؤلاء السبعة تكرر أيضا مع غيرهم. والشواهد على ذلك كثيرة…. فمن مذكرات المسيو بوريين، سكرتير نابليون الخاص: «سيق المسجونون إلى القلعة، وكنت أتولى في مساء كل يوم كتابة الأوامر القاضية بإعدام اثني عشر سجينا كل ليلة، وكانت جثث القتلى توضع في زكائب وتغرق في النيل، واستمر ذلك ليال عديدة، وكان كثير من النساء ممن نفذ فيهن أحكام الإعدام الليلية». ومن مذكرات المسيو بوريين أيضا: «بعد إخماد الثورة ببضعة أيام بعث نابليون بالضابط كروازيه، أحد أركان حربه، وأمره أن يهاجم قبيلة من البدو كانت اعتدت على شرذمة من جنودنا، وكان الأمر يقضي بأن يجمع رءوس القتلى في أكياس ليعرضها على سكان القاهرة، فعاد في اليوم التالي ومعه عدد عديد من الحمير محملة بأكياس ملأى بالرؤوس البشرية، وفتحت هاتيك الأكياس، وأفرغ ما فيها أمام أعين الناس المجتمعين، وأني لا أستطيع أن أصف بشاعة ذلك المنظر، ولا القشعريرة التي أحسست بها عند رؤيته.» وغريب أن الجبرتي لم يذكر شيئا عن هذه الحادثة، وما أظنها خفيت عليه. 

ومن خطاب نابليون لرينيه «أحد جنرالاته»: «في كل ليلة نقطع نحو ثلاثين رأسا أكثرها لزعماء الثورة، وفي اعتقادي أن هذا سيعلمهم درسا نافعا.»…. لكن المصريين لم يتعلموا الدرس الذي أراد بونابرت تعليمه لهم، فبعد أقل من عام ونصف العام اندلعت ثورة القاهرة الثانية، التي استمرت 33 يوما وكانت  المسمار القوي في نعش الحملة الفرنسية التي خرجت من مصر خائبة بعد أن لقنها المصريون دروسا لا ينساها التاريخ.

ثورة القاهرة الثانية

المصادر:

الشيخ عبد الله الشرقاوي، تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الملوك والسلاطين، مكتبة مدبولي، من الدراسات التاريخية، 1996.

عبد الرحمن الجبرتي، عجايب الآثار في التراجم والأخبار، الجزء الرابع، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012.

عبد الرحمن الرافعي، تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر، الجزء الاول، مكتبة المعارف المصرية.

محمد جلال كشك، ودخلت الخيل الازهر، الزهراء للإعلام العربي، الطبعة الثالثة، 1990.

احمد حافظ عوض، نابليون بونابرت في مصر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: