ثقافة

الحرب العالمية الثانية بعيون جورج أورويل

في الثامن عشر من أغسطس  عام «1941م» تم تعيين جورج أورويل صاحب روايتي «مزرعة الحيوانات» و«1984» مساعدا للحوارات في الخدمة الخارجية التابعة لإذاعة «بي بي سي»، بعد حضوره لدورة تعريفية مدتها خمسة أيام ونصف على مدى أسبوعين، أقيمت بكلية بيدفورد بجامعة لندن، وأطلق الشاعر والناقد «وليم إمبسون» الذي رافق أورويل العمل، على تلك الدورة عنوانا تهكميا هو «مدرسة الكذابين»، ومن ثم انضم أورويل للخدمة الخارجية الشرقية وعمل في قسم الهند وماليزيا وإندونسيا حتى «24 نوفمبر 1943». 

وقد عاصر «جورج أوريل» خلال فترة عمله بإذاعة «بي بي سي» أحداث الحرب العالمية الثانية، وفي مذكراته التي حررها «بيتر دافيسون» وترجمتها إلى العربية «مريم عيسى» خصص جزءا كبيرا من تلك المذكرات للحديث عن الحرب تحت عنوان: «يوميات زمن الحرب الثانية»، روى فيها أورويل يومياته بروح ساخرة، تحمل الكثير من الوقائع والكثير من التهكم والسخرية.

من غرفة 101 إلى حديقة الحيوانات 

بدأ أورويل عمله في إذاعة «بي بي سي» في مبنى 55 بورتلاند بليس، بغرفة 101، كانت تلك الغرفة التي كابد فيها أورويل إجتماعات لجنة الخدمات الشرقية، بمثابة مكان للتعذيب الجسدي كما أوردها بروايته «1984» أما أوبرين رفيق أورويل في العمل فكان يرى أن الغرفة 101 تختلف من شخص لآخر فهى: «قد تكون مكانا للدفن حيا، أو الموت غرقا، أو بالخازوق، أو خمسين موتة أخرى، وثمة حالات تكون فيها أمرا تافها للغاية وليس قاتلا».

انتقل قسم الخدمات الشرقية من غرفة 101 إلى 200 شارع أكسفورد، فأصبح المكان معروفا باسم «zoo» «حديقة الحيوانات» وحيث كتب أورويل روايته التي تحمل ذات العنوان خلال فترة عمله بذلك المكان. كتب وأعد أورويل خلال عمله بإذاعة «بي بي سي» كما هائلا من البرامج الموجهة للهند تحديدا، وكانت فكرته عن الدعاية منحازة جدا للآدب والثقافة، ورغم أهمية ما قدم من أعمال بتلك الفترة، إلا أنه وكعادته في التقليل من شأن إنجازه يراه «سنتان من الوقت الضائع». وفي موضع آخر يصف عمله بكونه «الجو منتصف بين مدرسة للبنات ومستشفى مجانين، وكل ما نفعله في الوقت الحالي عديم الجدوى، أو أسوأ قليلا من عديم الجدوى، فاستراتجيتنا الإذاعية بائسة أكثر من استراتجيتنا العسكرية».

شارع أكسفورد

يوميات الحرب العالمية الثانية

يبدأ جورج أورويل يومياته عن أحداث الحرب العالمية الثانية وكيف تعاملت الإذاعات المختلفة آنذاك مع تلك الأحداث العاصفة بالإشارة إلى تلك الزيارة التي قام بها «سير ستافورد كريبس» للهند في 22 مارس عام 1942م، في محاولة لإعداد تسوية توافقية مع حزب المؤتمر الهندي، وكان يأمل من خلالها كسب التعاون الهندي أثناء الحرب وذلك عبر الإتفاق على الإنتقال التدريجي للإستقلال عند إنتهاء الحرب، غير أن «جواهر لال نهرو» وحزب المؤتمر الهندي لم يقبلوا بما هو أقل من الاستقلال الكامل ومن ثم توقفت المباحثات في 10 أبريل من ذات العام. 

سير ستافورد كريبس

انتقد أورويل «المهاتما غاندي» مشيرا إلى أنه من أكثر الشخصيات إثارة للمتاعب، ذلك أنه قد حرص على إرسال برقيات تعزية إلى عائلة «سويهاس تشاندرا بوس» حين علم بخبر وفاته، ثم تبعها ببرقيات تهنئة عندما تبين أن الخبر غير صحيح، وكان «بوس» قائدا هنديا قوميا وعضوا يساريا بحزب المؤتمر الوطني الهندي، إلى جانب كونه معارضا شرسا لبريطانيا، وقد نظم «الجيش الوطني الهندي» لمساعدة اليابانيين، غير أنه قد فشل في قيادته ضد البريطانيين، حيث كان يعتقد أن القوات الهندية التي يقودها البريطانيون سوف ترفض محاربة «الجيش الوطني الهندي».

مهاتما غاندي

كما انتقد أورويل «غاندي» لدعوته الشعب الهندي إلى عدم تبني سياسة الأرض المحروقة في حال تم غزو الهند، مشيرا إلى أن غاندي وإن كانت حركته السلمية قد تكون صادقة، إلا أنه يُخفي وراء دعوته تلك «أسوأ المصالح الراسمالية الهندية»!. وفي موضع آخر يسخر أورويل من خطاب «نهرو» الذي تضمن عبارة: «من يموت إذا عاشت الهند». 

جواهر لال نهرو

رغم إنتقاد أورويل لكل من «نهرو» و«غاندي» إلا أن هذا لم يمنعه من التعبير عن شعوره بالعجز والضيق جراء أحداث العنف التى تعرضت لها الهند في وقت لاحق ونجم عنها خسارة العديد من الأرواح، وإعتقال «نهرو وغاندي وأبو كلام آزاد» إثر تلك الإحتجاجات التي اجتاحت البلاد للمطالبة بالاستقلال. 

أبو كلام آزاد

صاحب زيارة «كريبس» للهند رأى عام متشائم ساد لدى الشعب الإنجليزي مصحوبا بتعليق متكرر «فعلوا هذا من أجل إزاحته من الطريق» وهو ذات التعليق الذي تبنته الإذاعات الألمانية، كما واكب الزيارة العديد من الشائعات التي علق عليها أورويل مشيرا إلى أنه كانت هناك شائعات من جميع الأشكال، بعضها يشير إلى أن روسيا وألمانيا ستوقعان على إتفاقية سلام منفصلة هذا العام يقصد عام «1942» وأنه من خلال دراسته لتقارير الإذاعات الألمانية والروسية قد توصل إلى أن معظم تقارير الإنتصارات الروسية زائفة إلى حد كبير، وأنه لا يمكن عقد اتفاقية سلام منفصل، بين ألمانيا وروسيا، ما لم تُهزم روسيا تماما. 

 في ذلك الجو المحموم بالشائعات لم يتوان أورويل ذاته عن إطلاق الشائعات فهو كثيرا ما كان يدعي في رسائله الإخبارية أن اليابانيين يخططون للهجوم على روسيا، وهو ما لم يكن يؤمن به، إلا أنه كان يبرر ذلك بتقديم ثلاثة احتمالات، يشير فيها إلى أنه إذا هاجم اليابانيون روسيا بالفعل فسيمكنه القول: «لقد قلنا لكم ذلك» وإذا هاجم الروس أولا، يمكنه الإدعاء بعد أن اختلق فكرة وجود خطة يابانية مسبقة بأن «اليابانيين هم من بدأ في ذلك»، أما إذا لم يحدث أي هجوم فيمكنه أن يقول إن السبب يتمثل في «خوف اليابانيين الشديد من روسيا».

الدعاية الألمانية – وفقا لأورويل – كانت مشوشة على نحو مختلف حيث تبنت استراتيجية تقوم على استغلال الجهل السياسي لدى أغلبية الناس وذلك عبر تقديم محتوى متناقض تحرص فيه على الحديث عن الحرية عند مخاطبة الهند، والإمبراطورية الاستعمارية عند التوجه لأسبانيا، والحرية «للكفريين» وهو اسم عنصري يطلق على أصحاب البشرة السوداء بجنوب إفريقيا، وفرض قوانيين عرقية صارمة على البوريين وهم سكان جنوب إفريقيا من أصول هندية. 

العنف.. وإعلام الدعايات الكاذبة

كان أورويل عضوا نشيطا في الحرس الوطني لوقت طويل خلال الحرب العالمية الثانية، كان رقيبا مسئولا عن إحدى الشُعَب التي كان من بين أعضائها «فيردريك واربرغ» ناشر أعماله، وحين كان يتم إستدعاء السرية كان الأمر يستغرق من أورويل ما يزيد عن أربع ساعات لجمع أفراد السرية وتوزيع الذخيرة عليهم، والتوجه لأخذ أماكنهم بالمعركة، وكانت تلك العرقلة تعود إلى رفض توزيع العتاد الحربي على أعضاء السرية، ومن ثم بات على كل رجل أن يأتي إلى المقر الرئيسي كي يتسلم عتاده.

جورج أورويل

كان أكثر ما أزعج أورويل خلال نشاطه مع الحرس الوطني، أنه وبعد مرور عامين من إلتحاقه به، لم يتم إجراء أي تدريب حقيقي لرجال سريته، إضافة للتغيير اللانهائي للخطط والغموض الكامل بما يفترض أن يقوم به فريق العمل في سريته.  

رصد أورويل عبر يومياته الكثير من أعمال العنف والمذابح التي وصلت حد الإبادة التي جرت منذ بداية عام «1918» وحتى «1942» كان منها: «الجرائم الوحشية للألمان في بلجيكا، جرائم البلاشفة والأتراك، الفظائع البريطانية في الهند، والأمريكية في نيكارغوا، والأعمال الوحشية للنازيين، وللإيطاليين في الحبشة والبرقة، جرائم الحمر والبيض في إسبانيا، وجرائم اليابانيين في الصين»، مشيرا إلى أن جميع الأحداث كان يتم تصديقها أو إنكارها وفقا للميل السياسي للشخص أو الجهة، مع لامبالاة تامة بالحقائق واستعداد كامل لتغيير قناعات المرء بتغير المشهد السياسي.

يروي أورويل في يومياته عن المعاناة الحادة التي تكبدها الإعلاميون في تعاملهم مع أحداث الحرب نتيجة غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع الأحداث، فعلى سبيل المثال إذا ما أراد المرء إجراء سلسلة من الحوارات مع بعض الدعاية المحددة بصورة أو بأخرى، فإنه يأخذ في البداية موافقة على القيام بعمله، ومن ثم تبدأ التعليقات «هذا سابق لأوانه.. هذا غير موفق.. هذا يجب تعديله» حتى يفقد العمل الغرض الأصلي منه.  

يلفت أورويل النظر إلى حالات الحظر التي تعرضت لها العديد من الصحف والإذاعات تحت دعوى عدم الولاء، إلى جانب أعمال الرقابة التي كانت تحد من قدرة تلك الوسائل الإعلامية، الأمر الذي كان ينجم عنه تفشي العديد من الشائعات المتبادلة والتي تصل حد التعامل بسخرية مع بعض الأخبار حتى تلك الأخبار التي تحمل إعتراف جهة ما بإرتكابها عملا عنيفا يصل حد الإبادة. 

يختتم: أورويل يومياته عن الحرب العالمية الثانية بالإشارة إلى «معركة العلمين الثانية» في مصر، التي جرت في 11 نوفمبر 1942، وتمكن فيها البريطانيون من هزيمة الألمان والإيطاليين، وهى المعركة التي غيرت مجرى الحرب العالمية الثانية. 

غير أن أورويل لم يفته أن يشير إلى دور وسائل الإعلام في الحرب: «الدعاية كلها كذب، حتى عندما تقول الحقيقة، ولا أعتقد أن هذا مهم طالما أنك تعرف ما الذي تفعله ولماذا».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق