رؤى

«جعفر آدم».. شيخ نيجيري تفرقت دماؤه بين قبائل التطرف

جاكوب زين – زميل في قسم الشئون الأفريقية في «مؤسسة جيمستاون» وأستاذ مساعد في «جامعة جورجتاون». يُنشر كتابه Unmasking Boko Haram: Exploring Global Jihad in Nigeria «كشف أقنعة بوكو حرام: استكشاف الجهاد العالمي في نيجيريا» في أبريل 2020.

عرض وترجمة: أحمد بركات

بينما كان يؤدي الصلاة في 13 أبريل 2007 – أي قبل 13 عاما من الآن – تم اغتيال العالم السلفي البارز «الشيخ جعفر محمود آدم» في مسجده في مدينة كانو بنيجيريا. في ذلك الوقت، تركت هذه الجريمة أثرا غائرا في التيار الرئيسي في المجتمع الإسلامي في نيجيريا، الذي كان الشيخ يحظى بتقدير غالبيته الغالبة. وقعت الجريمة في الأيام الأخيرة قبيل انطلاق الانتخابات الرئاسية في عام 2007، واعتقد العديد من المراقبين، بمن فيهم المراقبون بالسفارة الأمريكية، أن ثمة علاقة بين هذه الجريمة وذلك الحدث السياسي المهم. لكن، يبدو الآن على الأرجح أن آدم قد اغتيل على سبيل الانتقام على يد عضو سابق في «حركة طالبان نيجيريا»، وأن هذه الجريمة كانت بمثابة إعلان مبكر عن اندلاع شرارة معارك دامية بين الفصائل المتناحرة داخل جماعة «بوكو حرام»، والتي لا تزال تدور رحاها حتى يومنا هذا.

الشيخ جعفر محمود آدم

مشتبه بهم

عندما أغتيل آدم، كانت الشبهات تدور حول ثلاثة عناصر، وهم الصوفيون الذين استاءوا من خطابه المناهض للصوفية، وسياسيو مدينة كانو الذين استاءوا أيضا من نفوذه، وجماعة بوكو حرام. ولم يكن هناك سابقة مشاركة للصوفيين النيجيريين في أعمال عنف من هذا النوع، ناهيك عن قدرتهم على تنفيذ عمليات اغتيالات موجهة، ولم تظهر أي أدلة منذ ذلك الحين تثبت تورطهم.

يضع هذا الاحتمال السياسيين في مدينة كانو وجماعة بوكو حرام فقط في دائرة الاشتباه. بالنسبة إلى بوكو حرام، كان واضحا منذ فترة طويلة أن الجماعة لم تكن أبدا كيانا واحدا؛ فقد كانت الفصائل المتعددة والمتناحرة موجودة قبل أن يعلن «أبو بكر شيكاو» الجهاد في عام 2010 بوقت طويل. وفي الوقت الذي تم فيه اغتيال آدم، كانت «بوكو حرام» تتألف من مجموعة أساسية يقودها الداعية الكاريزمي «محمد يوسف» وكان شيكاو آنذاك هو الرجل الثاني في التنظيم، ومجموعة فرعية تضم الأعضاء السابقين في حركة طالبان نيجيريا، التي كان يقودها في الأصل «محمد علي» حتى وفاته في عام 2004. أما الفصائل الأخرى مثل «جماعة أنصار الإسلام» وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا، فلم تكن ظهرت على الأرض حتى عامي 2012 و2015 على التوالي

جماعة بوكو حرام

دفع التهمة

في كتابه Slicing off the Tumor «خذع الورم» الذي نشر في عام 2018، أكد «أبو مصعب البرناوي»، نجل محمد يوسف، أن الذي اغتال آدم ليس يوسف، وإنما «كاناما طالبان» «اسم آخر لحركة طالبان نيجيريا». كان «محمد علي»، القائد الأصلي لهذه الحركة، زعيما طلابيا في إحدى الجامعات النيجيرية، وسافر إلى السودان في منتصف التسعينات ثم عاد إلى نيجيريا ليؤسس ويقود هذه الجماعة. ونظرا  لأن الجماعة اتخذت من مدينة كاناما، بولاية يوبي، مقرا لها في عام 2003، فقد ضمت ضمن صفوفها عددا من طلاب آدم السابقين، والذين تتلمذوا في ذلك الوقت تحديدا على يد يوسف.

«أبو مصعب البرناوي» وكتابه «خذع الورم ببيعة أهل الكرم»

علاوة على ذلك، بصفته المتحدث الرسمي باسم جماعة بوكو حرام، واتصاله بتنظيم الدولة الإسلامية – لكن قبل أن يعزل شيكاو ليصبح زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا في عام 2016 – نفى البرناوي جملة وتفصيلا المزاعم القائلة بأن والده كان وراء مقتل آدم. على سبيل المثال، في بيانات رسمية أرسل بها إلى أحد النشطاء الإعلاميين التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كتب البرناوي «أو زملاؤه في الفريق الإعلامي» أن بوكو حرام تحت قيادة والده نددت بـ «دين الديمقراطية» الذي تحدث عنه آدم، لكنها قالت أن الزعم بأن أتباع يوسف قاموا باغتيال آدم «محض افتراء».

لكن.. هل يمكن الثقة في مزاعم البرناوي؟ إذا أخذنا في الاعتبار الشعبية الطاغية التي كان يحظى بها الشيخ آدم، وأن قتل العلماء المسلمين لم يكن ضمن أجندة تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا بعد أن تولى البرناوي قيادته، ربما يكون ذلك من قبيل تثمين مقاربة التمرد، التي تحمل اسم «القلوب والعقول»، التي انتهجها البرناوي حتى يجنب جماعته مغبة اللوم على الاغتيالات التي أدينت على نطاق واسع. وبرغم ذلك، إذا أخذنا في الاعتبار أن يوسف كان ينظر إليه في بعض الأحيان باعتباره «الخليفة المحتمل» لآدم في عقد التسعينات قبل الانفصال عنه بعد استعادة الحكم المدني في نيجيريا في عام 1999، فإن مساحة من الغموض كانت بلا شك تكتنف علاقتهما. كان يوسف يعتقد أن آدم سقط في دائرة الشرك بقبوله الديمقراطية النيجيرية، لكنه – برغم ذلك – شارك في تشييع جنازته كعلامة على تقديره له. ورغم أن أتباع آدم انتقدوا موقف يوسف، وتشككوا في تآمره على اغتيال شيخهم، إلا أن يوسف كان يمتلك قدرة فائقة على التظاهر والخداع. وعلاوة على ذلك، حتى ذلك الوقت في عام 2007، لم يكن يوسف يمتلك سجلا بإصدار أوامر بشن هجمات عنيفة أو تنفيذ اغتيالات، على الرغم من أن فصائل أخرى من أتباعه، وبخاصة من الأتباع السابقين للراحل محمد علي من طالبان نيجيريا، كانوا يميلون إلى استخدام العنف.

كان لدى طالبان نيجيريا أسباب وجيهة تجعلها أكثر رغبة في موت آدم، الذي لم يخف تأييده لحملة القمع التي شنتها الحكومة ضد الحركة في كاناما في ديسمبر 2003، وهو ما أدى في النهاية إلى موت «علي» على يد عناصر موالية للحكومة في ولاية بورنو بعد أسابيع. كان يوسف- الذي فر إلى المملكة العربية السعودية قبيل انطلاق الحملة الحكومية – قد رُمي بالكفر من قبل «علي»، بسبب دعوة الأول إلى مقاربة جهادية تتمسك بالصبر في مواجهة البطش الحكومي. بل وحاول أتباع علي قتل يوسف، وهو – إضافة إلى الحج – ما عجل بمغادرته إلى السعودية. وبحسب مقابلة مع صديق قديم لعلي في عام 2019، كان طلاب علي قد أعلنوا أيضا أن آدم مرتد لتغاضيه عن القمع، ولتنصله من طلابه السابقين. في هذه الأثناء، عاد يوسف إلى نيجيريا في عام 2004، ونجح في إعادة دمج أنصار علي في زمرة أتباعه.

أحد المطلعين الموثوقين من داخل بوكو حرام، والذي كشف الكثير من أسرار الجماعة ونشر صور العديد من قادتها المتوفين، ذهب إلى حد كشف الاسم المستعار للشخص الذي اغتال آدم، وهو «إبراهيم عقبة المهاجر». فبعد الحملة التي شنتها الحكومة في كاناما، والتي تركت طالبان نيجيريا في حالة من الفوضى، كان المهاجر واحدا من أعضاء كثر فروا للانضمام إلى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي في منطقة الساحل الأفريقي. وبحسب هذا المصدر، عاد المهاجر إلى نيجيريا لاغتيال آدم في 13 أبريل 2007. واستفاد من حالة الارتباك التي خلفتها الانتخابات التيجيرية آنذاك والتي أُجريت في 14 أبريل، والهجومان المباغتان لحركة طالبان نيجيريا في مدينة كانو في نفس الأسبوع، واللذان ادعى تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا مسئوليته عن أحدهما بأثر رجعي في عام 2015. وقتل المهاجر بعد ذلك بسنوات في هجوم شنته جماعة بوكو حرام في مدينة باما قبل أن تقوم الجماعة بتأبينه في فيديو في عام 2019.

إبراهيم عقبة المهاجر

لا يزال هناك العديد من الأسرار التي تحيط باغتيال آدم. على سبيل المثال، ما أشار إليه آدم نفسه في خطبته الأخيرة قبيل اغتياله عندما ذكر أن يوسف عاد من المملكة العربية السعودية إلى نيجيريا قبل ثلاث سنوات دون أن تخضع حقيبة واحدة من حقائبه للتفتيش في المطار. هل كانت هناك – على سبيل المثال – صفقة سرية ما بين المتصلين بيوسف في السعودية والمسئولين النيجيريين ويوسف نفسه عندما قام العديد من المسئولين النيجيريين بزيارته في السعودية وسهلوا عودته؟ كان آدم قد وعد «بفضح هذه الأمور… عندما يحين الوقت المناسب». لكن مَن وما أراد آدم «فضحه» سيظل سرا مقبورا معه، لكنه ربما كان متعلقا بالفترة التي أمضاها يوسف في السعودية في عام 2004، حيث قابل آدم أيضا يوسف وحثه على العودة إلى نيجيريا. لكن يوسف لم يثق في آدم، ولم يعد إلا بعد أن حصل على ضمانة بما يمكن وصفه «ممر عودة آمن إلى نيجيريا».

إضافة إلى ذلك، ما الذي يعنيه أحد علماء السلفية البارزين في نيجيريا، وهو «محمد أوال»، عندما أكد أن آدم قتل لأن «عددا قليلا من المنظمات الدولية لبناء المساجد والمدارس وعددا قليلا من السياسيين… جلبوا له بعض المشكلات»، وأشار إلى أن «مجموعة جزائرية» أدخلت السلاح إلى نيجيريا وأن أتباع يوسف كانوا «مشتبهين رئيسيين»؟ هل يمكن أن تكون أي منظمة إسلامية، أو أن يكون أحد من السياسيين في كانو ممن كانوا قريبين من أعضاء طالبان النيجيرية قد تعاون، أو أمر المهاجر باغتيال آدم؟

لم يعد باستطاعة «أوال» أن يُفصِّل نظريته لأنه اغتيل أيضا على يد جماعة بوكو حرام في عام 2014. وقد أشاد شيكاو بموته في مقطع مصور، ووفقا للمصدر المطلع في بوكو حرام، قام شيكاو بعد ذلك بقتل مغتال الشيخ أوال، والذي كان أحد طلاب الأخير. لا بد أن شيكاو يعرف أسرار الجماعة المتعلقة باغتيال آدم. ورغم أن شيكاو لم يشر إلى هذه الجريمة إلا شذرا، إلا أنه حذر العالم السلفي ووزير الاتصالات في نيجيريا، «عيسى علي»، في فبراير 2020، من انه سيلقى مصير آدم.

بوكو حرام لم تكن يوما كيانا واحدا

إن قصة اغتيال آدم تعيد مجددا إلى مركز التفكير نقطة أن بوكو حرام لم تكن يوما كيانا مترابطا أو جماعة من مكون واحد. لقد كانت الفصائل المتناحرة والاقتتال الداخلي موجودين قبل بدء الجهاد في عام 2010 بفترة طويلة. وربما الأهم من ذلك هو أن القصة تؤكد بما لا يدع مجالا لشك أن الانتقام كان دائما أحد دوافع بوكو حرام. إن اغتيال آدم لم يتسبب فقط في حالة حزن عميق في نيجيريا، وإنما أيضا في قتل حليف سابق ليوسف وأحد السلفيين المعتدلين نسبيا، كما كان أيضا مؤشرا على اندلاع مزيد من العنف، خاصة ضد السلفيين الذين كانت بوكو حرام تنظر إليهم باعتبارهم خونة لهدف إقامة دولة إسلامية في نيجيريا.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: