منوعات

تفادي اكتئاب كورونا: بجعل التباعد مع الآخرين فيزيائيًا وليس اجتماعيًا

استيقظ العالم أجمع منذ عدة أسابيع على كابوس إعلان منظمة الصحة العالمية اعتبار فيروس كورونا جائحة، ففقد الكثيرون وظائفهم، وحُبس الناس في البيوت، وصرنا معرضين لفقدان حياتنا أو حياة المقربين منا في أي لحظة، وهو ما كشف حقيقة ضعفنا الإنساني أمام فيروس لا يُرى إلا تحت المجهر، بالطبع لهذا الفيروس تأثير كبير على الاقتصاد والصحة وشتى جوانب الحياة في العالم كله، ولكن السؤال الأهم هو: كيف يمكننا التعايش – دون أن نفقد سواءنا النفسي – في عالم يبدو فيه كل شىء على حافة الانهيار؟ وما هو التأثير النفسي لهذا المرض  علينا على المدى القريب والبعيد؟

ثقة أقل.. اضطرابات نفسية أكثر

يواجه البشر أزمات على مدار حياتهم بطبيعة الحال، ولكن حالة الخوف وعدم التأكد من أي شىء الموجودة حاليًا بشكل جمعي، تجعل الأطباء النفسيين يتنبأون بقفزة في الاضطرابات النفسية، ليس فقط خلال الأزمة، وإنما أيضًا بعدها بمدة طويلة، تمامًا كما يحدث – على نطاق أضيق بكثير– لمن يشاركون في حروب أو تتعرض مدنهم لكوارث طبيعية أو حتى عمليات إرهابية، فمع تحول أسابيع الحظر إلى شهور، وعدم معرفة الناس متى وكيف ستنتهي الأزمة، إضافة إلى المخاوف الاقتصادية والصحية والاجتماعية اللانهائية، صار العالم تربة خصبة لنمو الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة.

ورغم أن الجميع معرضون الآن للدخول في أزمات نفسية، إلا أن هناك مجموعات بعينها سوف تكون الأكثر حساسية، على رأسهم العاملون بالقطاع الطبي، حيث كشفت دراسة حديثة أجريت على الأطباء الصينيين، الذين تعاملوا مع مرضى فيروس كورونا، عن ارتفاع معدلات القلق والأرق والأعراض الاكتئابية بينهم بشكل كبير حيث يتعامل الأطباء وطواقم التمريض بشكل يومي مع المرضى، ويضطرون إلى تقبل احتمالية فقدان الأرواح، كما يبلغون ذوي المتوفين بالخبر، ويعرضون أنفسهم لخطر التقاط العدوى، وبعد انتهاء يومهم يفضل بعضهم عدم الاختلاط بأفراد الأسرة كاجراء احترازي، وربما أيضًا يتعرضون للإساءة بسبب عملهم، وهو ما سيجعل بعض العاملين في القطاع الطبي يعيدون التفكير مرة أخرى فيما إذا كانوا يرغبون في الاستمرار في هذا المجال، وفقًا لما صرح به بعض الأطباء.

مخاطر الوحدة والإكتئاب

بالطبع سوف تكون التجربة أقسى بمراحل على مرضى فيروس كورونا أنفسهم، فعلى الرغم من معدلات الشفاء التي تصل إلى 79% من الحالات، إلا أن تزايد أعداد المصابين والضغط الكبير على المستشفيات ومراكز الرعاية، مع نقص الموارد الطبية وحتى البشرية، يؤدي إلى إهمال المرضى في كثير من البلدان حول العالم، كما يرى المصابون زملاءهم يموتون بمفردهم دون وجود أفراد عائلاتهم، وحتى من يموت يتعرض جثمانه للمنع من الدفن في بعض الأحيان خوفًا من انتشار المرض، وكأن هذا المرض وصمة لمن يصاب به حيًا كان أو ميتًا.

بشكل عام نحتاج جميعًا –تحديدًا في أوقات الأزمات- إلى الدعم النفسي من دوائرنا الاجتماعية المقربة أو حتى من المتخصصين، ولكن بسبب طبيعة المرض لم يعد هذا ممكنًا، فسواء كان الفرد مريضًا أو يمر بأزمة اقتصادية أو حتى يعاني من بعض الاضطرابات النفسية، فعليه أن يتعامل مع  الأمربمفرده، تلك الوحدة المستمرة لوقت طويل، حتى في الأوقات الطبيعية، يمكن أن تساهم في الإصابة بالاكتئاب والقلق، أو حتى بعض الأمراض العضوية، فوفقًا لدراسة أجريت عام 2016، تزيد الوحدة من مخاطر التعرض إلى السكتات الدماغية، ومع الضغوطات العالمية الآن تصبح تلك المخاطر مضاعفة.

تباعد فيزيائي وليس اجتماعيا !

يقترح «آراش جافانباخت»، أستاذ مساعد في الطب النفسي بجامعة واين ستيت، ومتخصص في الصدمات، أن يستخدم الناس الإنترنت للبقاء على تواصل مع من حولهم، فبدلًا من مصطلح «التباعد الاجتماعي» يستخدم هو مصطلح «التباعد الفيزيائي» حيث يمكن للناس الحفاظ على علاقاتهم الاجتماعية رغم المسافات، ولأن الناس حاليًا يشعرون بالإحباط وقلة الإنتاجية، يجب تشجيع أولئك الذين اتخذوا من هواياتهم ملجأ لهم، حيث يمكن استغلال تلك الفترة في اكتشاف جوانب فينا لم ننتبه لها بسبب زحام تفاصيل حياتنا سابقًا، وهو ما يعني أن صنع الحلويات، وتجربة الوصفات الجديدة، والعزف في الشرفات، أو حتى الغناء والتقليد، تعتبر وسائل للناس لتفريغ طاقاتهم، والشعور بأنهم منتجون، وقادرون على مواصلة الحياة رغم التغيرات المفاجئة.

«آراش جافانباخت»، أستاذ مساعد في الطب النفسي بجامعة واين ستيت

ترتيب الذات في ظل فوضى العالم

قبل سيطرة وباء كورونا على المشهد، اعتقد الإنسان أن كل شىء تحت سيطرته، لم يكن أحد مستعدًا لانقلاب حياته رأسًا على عقب بين ليلة وضحاها، ولكن الجميع مضطرون الآن للتكيف على سلسلة من التغيرات الهائلة في نمط حياتهم وخططهم المستقبلية وعلاقاتهم بمن حولهم، لذا – على المستوى الجمعي – يحتاج الناس الآن إلى قادة قادرين على أن يتواصلوا معهم بقدر كاف من الشفافية والتعاطف، ليعلم الجميع طبيعة المخاطر المصاحبة للفيروس وكيف يمكن تقليلها قدر الإمكان، لتجنب تفاقم الوضع كما حدث في أمريكا وأوروبا، أما على المستوى الفردي فينبغي أن يدرك الإنسان أن عجلة الحياة لن تتوقف على أي حال، وبالتالي سيخرج من هذه الأزمة أناس محطمون نفسيًا وغير قادرين على العودة إلى حياتهم الطبيعية، بينما سيخرج آخرون أقوى من ذي قبل!

 

مراجع إضافية للقراءة على هذا الموضوع:
1. فيروس كورونا قد يتسبب في أزمة نفسية.. إليك كيفية محاربتها – آنا نورث – فوكس.

2. فيروس كورونا.. وباء من الصدمات في طور التكوين – مايكل ج. سالاس – سايك سنترال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق