منوعات

قصة آية (1) كعب بن مالك.. الشاعر الذي أنقذه صدقه مع النبي

في الجاهلية كان كعب بن مالك شاعراً معروفاً، حتى أن رسول الله عرفه بهذه الصفة حين قدمه إليه عمه العباس قبل بيعة العقبة. يقول كعب: دخلنا أنا والبراء بن معرور على رسول الله في مجلسه في الكعبة، ولم نكن نعرفه، ولا رأيناه من قبل، وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجراً، فدخلنا فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا فضل؟ قال نعم: هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، يقول كعب: فوالله ما أنسى قول رسول الله: الشاعر؟ قال العباس: نعم.

وفي الإسلام أصبح كعب بن مالك أحد الشعراء الثلاثة الكبار (معه حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة) الذين جاهدوا في سبيل الدعوة الإسلامية، وعندما نزلت آية: (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)، قال كعب للنبي: قد أنزل الله في الشعراء ما أنزل، فقال له: (إن المجاهد مجاهدٌ بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأنما ترمونهم به نضح النبل).

وكما نافح عن رسول الله وعن الإسلام بالكلمة فقد دافع عنهما بالسلاح، فشهد المواقف كلها، ولم يتخلف عن غزوة مع النبي ولا مع خلفائه الراشدين، إلا مرة واحدة تخلف فيها كعب بن مالك بغير عذر، وكان ذلك في آخر غزوات رسول الله، فكان أحد الثلاثة الذين خلفوا في تبوك، ولهم في ذلك قصة مشهورة، عاش خلالها كعب تجربة مريرة قاسية على النفس.

إقرار بالذنب

حين عاد المسلمون إلى المدينة دخل النبي إلى المسجد أولاً، وصلَّى فيه ركعتين، فدخل عليه المنافقون، وتعلل كل منهم بعذر، فقبل منهم رسول الله علانيتهم واستغفر لهم وأوكل سرائرهم إلى الله تبارك وتعالى، لكن كعباً اعترف وأقر بذنبه وتقصيره في حق الله، وتقاعسه عن الجهاد، قال: يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطته بعذر، لقد أُعطيتُ جدلاً، ولقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به، ليوشكن الله تعالى يسخطك عليّ، ولئن حدثتك اليوم بصدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو قرة عيني عفواً من الله تبارك وتعالى، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله تعالى فيك.

وكان الصحابيان هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قد فعلا مثل ما فعل كعب، وأمر النبي المسلمين أن يقاطعوه وصاحبيه، فلم يكلمهم أحد، فجلس الاثنان كلٌ منهما في بيته يبكيان، أما كعب فلم يحبس نفسه مثلهما، يقول: كنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأُسلم عليه، فأقول في نفسي حرك شفتيه برد السلام أم لا؟، ثم أصلي قريباً منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، فإذا التفتُ نحوه أعرض، حتى إذا طال عليَّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ، فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟، فسكت، فعدت فنشدته فسكت، فعدت فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي.

محنة وفتنة

وفوجئ كعب يوماً أن رجلاً نصرانياً من الشام يسأل عنه، وعندما قابله أعطاه رسالة من ملك غسان، وحين قرأها وجد فيها: (أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك محمدًا جفاك، ولم يجعلك الله بدار مذلة أو هوان، فالحق بنا نواسك)، وعلم كعب أنها فتنة أخرى، وبلاء جديد، وقال في نفسه: والله إن هذه أيضاً من الفتنة والابتلاء، فألقى بالرسالة في النار.

وبقي كعب وصاحباه أربعون يوماً، وهم على تلك الحالة من الندم والبكاء والمقاطعة الكاملة من كل المسلمين، ثم جاء أمر رسول الله ﷺ أن يعتزلوا زوجاتهم، فقال لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.

وبعد عشرة أيام أخرى، وبعد ما اكتملت الخمسون يوماً على تلك المحنة الكبيرة جاء الفرج، وأنزل الله تبارك وتعالى فيهم آية قبول توبتهم: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).

وجاءت البشرى

يقول كعب: بينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تبارك وتعالى منا قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج، انطلق كعب إلى المسجد النبوي يلقاه الناس فيهنؤنه بتوبة الله عليه، حتى دخل المسجد، يقول: فلما سلمت على رسول الله قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله: إنما الله تعالى نجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق