فن

كوميديا «الإيفيهات».. إسفاف أم لغة جيل لا يفهمها الكبار؟

في كتابه الأشهر «المضحكون» يؤكد الكاتب الساخر الكبير محمود السعدني «أننا  أكثر الشعوب حظا في إنتاج المضحكين، و في كل جيل استطاع بعضهم أن يخلِّد اسمه، فيما لمع بعضهم حينا، ثم فرقع كبالون منتفخة بالهواء، عشرات من المضحكين في كل جيل بعضهم أصيل، وبعضهم فالصو، بعضهم مثل الذهب البندقي، وبعضهم مثل الذهب القشرة».

الكاتب محمود السعدني وكتابه «المضحكون»

فهل يمكن اعتبار العرض «الرمضاني» بوصفه موسم الدراما الأشهر والذي ترتفع فيه نسب المشاهدة معيارا حقيقيا للفرز بين ألوان «الكوميديا» المختلفة و بالتبعية النجوم الذين يقدمونها؟ وهل اختلفت الكوميديا التي نراها الآن عن تلك التي قدمتها أجيال «الرواد»، أم أن المسألة تتعلق بتغير الكوميديا من جيل لآخرـ، أم أنها مجرد «اختلاف» في الأذواق ما يضمن لكل سلعة «زبونها» الخاص؟، وهل التقييم والفرز يتم وفقا لمعايير علمية منصفة، أم أن «نسب المشاهدة» تضرب بأي معايير أو منطق عرض الحائط عملا بالمقولة الشهيرة «الجمهور عاوز كده»؟ 

جيل كوميدي جديد

المؤكد أن هناك بالفعل تغيرا ملحوظا في نوعية الكوميديا التي نشاهدها، أفرزها جيل جديد من «المضحكين» الذين تمكنوا من فرض وجودهم على الساحة بالفعل، و بعيدا عن التقييم الفني لهذه «الكوميديا» ومدي اختلافنا أو اتفاقنا حولها، فهل يمكن اعتبار استمرار وجودهم موسما تلو الآخر تأكيدا لقدرتهم على تغيير «بوصلة» الجمهور تجاههم؟ بمعنى أدق هل حقا لدى هذا الجيل من نجوم الكوميديا «بصمتهم الخاصة» التي يمكن تلمسها بوضوح، مثل أجيال أخري سبقتهم للأفيش واعتبر فنهم وقتها نوعا من الإسفاف بل والتدهور الأخلاقي، كمسرحية «مدرسة المشاغبين» لعادل إمام وجيله، الذين فرضوا أنفسهم مع الوقت ولازال بعضهم قادرا علي العطاء بل و المنافسة حتى الآن؟

الكوميديا ليست فنا تافها

الملاحظ  أن هناك تفاوتا كبيرا بين قوة الضحك و مساحته و عمقه و طبيعته فيما كان يقدم سلفا وما نراه الآن، و أن الضحك الذي دفع كاتبا في حجم المفكر و الأديب الراحل عباس محمود العقاد لأن يكتب عنه بل و «يفلسفه» ويبحث في دلالاته كما جاء بإحدى مقالاته عن «فلسفة الضحك» أنه ليس فعلا تافها أو مخالفا للياقة بل علم وفلسفة، مؤكدا أن المنطق هو الذي يجعلنا نضحك، وأن كل عمل مضحك هو في حقيقته منطق ناقص أو قضية يختل فيها القياس و الترتيب.

الأديب الراحل عباس محمود العقاد

هذا الكلام وغيره عن ماهية «الكوميديا» والدور الذي يمكن أن تلعبه و بالأخص أهميتها للصحة النفسية، أو.. أو..، ربما لا محل له من الإعراب الآن، حيث بات هذا اللون من الدراما تلاحقه الكثير من الاتهامات بـ الإسفاف و الخروج عن النص اجتماعيا و أخلاقيا كما شاهدنا في أحيان كثيرة، ليبقي السؤال الحائر لماذا وكيف تستمر هذه الكوميديا المحاطة بالكثير من الاتهامات؟وهل المسألة تتعلق بتغير الذوق العام ما يعني أنها مجرد مرآة للواقع خصوصا و أن الألوان الأخرى من الدراما لا يختلف مستواها كثيرا.

مؤشرات الحلقات الأولى

يتنافس هذا العام 6 أعمال كوميدية هي «اتنين في الصندوق» إخراج محمد مصطفي و أحمد عز ومن تأليف لؤي السيد و بطولة حمدي الميرغني و محمد أسامة، «رجالة البيت» اخراج احمد الجندي وبطولة أحمد فهمي و أكرم حسني واخراج أحمد الجندى،«عمر و دياب» بطولة علي ربيع ومصطفي خاطر وإخراج معتز التوني الذي أخرج أيضا مسلسل «اللعبة» بطولة الثنائي هشام ماجد و شيكو، ومسلسل «ونسني» الذي يجمع نجوم برنامج SNL بالعربى ومن إخراج رامي رزق الله، وأخيرا «فلانتينو» بطولة عادل إمام ومن إخراج ابنه رامي إمام ومن تأليف أيمن بهجت قمر.

وفقا للمؤشرات الأولي من تقييمات الجمهور لهذه الأعمال علي الكثير من مواقع التواصل الإجتماعي، فإن معظمها للأسف دون المستوى، باختصار ليست إلا مجموعة من «الاسكتشات» و «الإفيهات» التي لا تثير الضحك لأنها ببساطة لا تعتمد على نص جيد و لا يتوافر فيه الحد الأدني من شروط الجودة و المنطق، وأن «التهريج» و«الإسفاف» هما السمة الغالبة على هذه الأعمال والتي لم يهتم صناعها بطرح أي قيم إنسانية أو مناقشة أي قضايا اجتماعية بشكل مبسط أسوة بأعمال أخرى كانت تعتمد على نصوص راقية تثير الضحك من دون اسفاف

علي الجانب الأخر أنصف البعض بعض هذه الأعمال مثل مسلسل «فلانتينو»، «اللعبة»، و«اتنين في الصندوق» حيث لم تخل هذه المسلسلات من لمحة هنا أو هناك، أو موقف يثير الضحك، لكنها في المطلق لم تختلف كثيرا عن السائد والمتداول هذا الموسم.

أهل الإختصاص لم يختلف رأيهم كثيرا عن أراء الجماهير  فضعف النصوص هوالمتهم الأول وراء هذا الانحدار الفني لأغلب هذه الأعمال كما أكد الناقد الفني رامي عبد الرازق والذي أرجع تدهور مستوى الكوميديا عموما في السنوات الأخيرة  لتردي الذوق العام وانخفاض مستويات الوعي و التعليم وغياب الثقافة وانتشار الجهل بين شرائح عديدة من الجماهير ، مشيرا إلى أن  روافد الكوميديا تتراجع للأسف جيلا بعد جيل و لأسباب كثيرة اجتماعية و سياسية أفرزت فنونا بلا عمق أو قضايا يتم مناقشتها بما ينعكس ايجابا على المتلقي.

الناقد رامي عبد الرازق

فتش عن التسويق

على عكس الشائع، ينفي عبد الرازق فكرة اختلاف الأجيال في التعاطي مع هذه الكوميديا، بمعنى أنها ليست محل انتقاد فقط من قبل الكبار مقابل الترحيب بها وسط الشباب و الأطفال و لكنه يرى أن تلقي هذه الأعمال مرتبط فقط بمستوى الوعي والثقافة والتي تختلف من شخص لأخر و بعيدا عن مستوى الأعمار أو حتي المستوي الإجتماعي، مؤكدا أن استمرار تواجدها على الساحة يرجع لأسباب تسويقية ومدى قدرة صناعها علي تحقيق نسب مشاهدة معقولة و أن تتحول «إفيهاتها» «لتريند» يصلح للإستخدام لاحقا، إذ أصبح «الترافيك» و «التريند» من أهم المعايير التسويقية الآن، مشيرا إلى أن معظم هذه الأعمال التي تصدرت المشهد خلال السنوات السابقة للأسف لم تناقش أي قضايا اجتماعية أو تؤكد على أي قيم إنسانية  بأسلوب مبسط ساخر يحقق الهدف من الفنون بشكل عام بوصفها وسيلة وليست غاية.

مرة أخري إذا كانت هذه الأعمال تتعرض سنويا لهذا الكم من الانتقادات فما الذي يُحمِّس جهات الإنتاج لتقديم أبطالها في أعمال جديدة؟ و هل «الفرجة» دليل علي النجاح؟ خصوصا في موسم رمضان حيث معظم الأعمال الدرامية تحقق نسب مشاهدة مرتفعة بغض النظر عن مستواها؟

الكثير من الآراء النقدية يفصل دوما بين ارتفاع نسب المشاهدة لبعض الأعمال الفنية و بين التقييم النقدي لها، حيث تصطدم عاده بتقييم المشاهد العادي بإقباله علي أعمال متواضعة فنيا أو عليها الكثير من المآخذ و الملحوظات مقابل عزوفه عن أعمال راقية شكلا و مضمونا نتيجة لإختلاف الأذواق والذي يسمح بتنوع السلع ومن ثم تتشجع جهات الإنتاج لتكرار التعاون مع تلك الأسماء طالما تحقق اقبالا بغض النظر عن ماهية الطرح و تقييم النقاد له، بدليل العديد من الأفلام التي أُنتجت للفنان محمد سعد رغم كل الانتقادات التي صاحبت عرضها، وفقط توقفت بعدما فشل سعد في تحقيق نفس النجاح وتكراره.

الكوميديا كانت و ستظل أصعب ألوان الفنون لأنها قائمة بالأساس على إعمال العقل لفهم المفارقات، بينما التراجيديا تعتمد علي التأثير في المشاعر، إلا أن البعض للأسف اختزل الضحك في السخرية من بعض العاهات أو تكسير الثوابت و المعتقدات  وغيرها من السلبيات، ما يجعلنا نسأل هل ستُلقى هذه الكوميديا بآثارها النفسية علينا خصوصا مع تكرار تواجدها موسما تلو الآخر؟

د. طه أبو الحسين أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة القاهرة يري أن تكسير ثوابت المجتمع و السخرية منها عبر تلك الأعمال المصنفة «تجاوزا» بالفنون بإدخال القيم الهزلية على قيمنا المجتمعية التي تربينا عليها من خلال الإفيهات و «الكلمات» وما تحمله من إيحاءات مخلة لا تؤثر بالسلب فقط على صحتنا النفسية و لكنها حتما تُفقد المجتمع هويته وهو ما نعيش فيه للأسف منذ فترة طويلة، حيث الذوق العام للأسف في ترد و انحدار وهناك إنهيار ملحوظ في القيم و الأخلاق و تراجع في الثقافة و تصدر الجهل للمشهد بشكل عام وكلها للأسف انعكست على الفنون والتي هي ترجمة لهذا الواقع.

د. طه أبو الحسين

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق