منوعات

قصة آية (3) المسجد الذي أمر النبي بإحراقه!

القصة تبدأ من وقت دخول النبي المدينة، حين قرر بعض المشركين الخروج منها، وعلى رأسهم أبو عامر الراهب أحد كبراء قبيلة الخزرج، وكان قد تنصر وقرأ علم أهل الكتاب، وعندما قدم الرسول للمدينة مهاجراً واجتمع المسلمون حوله ذهب إليه أبو عامر، يسأله: ما هذا الدين الذي جئت به؟، قال : «جئت بالحنيفية دين إبراهيم»، قال أبو عامر: فأنا عليها، فقال: «إنك لست عليها»، قال أبو عامر: بلى عليها، إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها، فقال: «ما فعلت، ولكني جئتُ بها بيضاء نقية»، قال أبو عامر: الكاذب أماته الله طريداً وحيداً غريباً، قال: «أجل، من كذب فعل الله تعالى به ذلك».

لم يستطع أبو عامر أن يمكث في المدينة بعد أن انتشر بها الإسلام، ودانت القيادة فيها لرسول الله فخرج منها في جماعة من المنافقين، هاجروا هجرة عكسية من المدينة إلى مكة، وهناك حرضوا أحزاب المشركين على غزو المدينة، فلما ردهم الله بغيظهم أقام أبو عامر بمكة مُظهراً لعداوته، إلى أن تم فتح مكة سنة ثمانية هجرية، فهرب منها إلى الطائف، ثم لما أسلمت الطائف في سنة تسع من الهجرة، خرج هارباً إلى الشام يريد قيصر الروم مستنصراً به على المسلمين.

صنيع المنافقين

وكان رسول الله حين قدم المدينة قد بنى مسجداً في بني عمرو بن عوف، وهو مسجد قِباء، وتشرف القوم بذلك، فحسدهم حينئذ رجال من أولاد عمومتهم من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف، وكان موضع مسجد قِباء مربطاً لحمار امرأة من الأنصار اسمها «لية»، فكان المنافقون يقولون: والله لا نصبر على الصلاة في مربط حمار «لية».

 ولما ذهب أبو عامر إلى هرقل ملك الروم ليستعين به على قتال المسلمين، كتب إلى المنافقين من قومه أن ابنوا مسجداً مقاومة لمسجد قباء وتحقيراً له، فإني سآتي بجيش من الروم أخرج به محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوه، وقالوا سيأتي أبو عامر ويصلي فيه ويتخذه متعبداً ويُسر به.

كانت الفكرة التي تبناها أبو عامر الفاسق ودعا إليها المنافقين من قومه هي بناء مسجد آخر إلى جوار قباء، يجذب إليه مجموعة من المسلمين، فلا يذهبون للصلاة في المسجد النبوي، ولا في مسجد قباء، وبذلك تتشتت قوة المسلمين: (ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين) كما يكون وكراً للمنافقين: (وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل) يبثون منه الأفكار الهدامة التي من الممكن أن تفت في عضد المسلمين ودولتهم الناشئة.

وباشر المنافقون في بناء المسجد حسب الخطة التي اقترحها عليهم الفاسق أبو عامر، وحاولوا أن يضفوا على مسجدهم هذا شرعية، ففكروا في دعوة الرسول للصلاة فيه، فأتوه وهو يتجهز إلى غزوة تبوك، فقال النبي: «إني على سفر، وحال شغل، فلو قدمنا لأتيناكم، وصلينا معكم فيه».

تحذير إلهي

في طريق عودة النبي من غزوة تبوك، جاء إليه بعض المنافقين، وكانوا قد فرغوا من بناء مسجدهم وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فقالوا: إنا قد ابتنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه، فدعا بقميصه ليلبسه، ويأتيهم فنزل عليه القرآن وأخبره الله خبرهم، ونزل جبريل عليه السلام بالتحذير الإلهي: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ». فلما نزلت هذه الآيات دعا رسول الله مجموعة من الصحابة وأمرهم أن: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وأحرقوه». وأمر به أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف.

قبل هذه الواقعة أقدم المنافقون على افتعال الكثير من الفتن في المدينة المنورة، وقد تسامح معها النبي إلا هذه المرة، هي الأولى والأخيرة التي يكون فيها التعامل من رسول الله بهذه الشدة، فقد كان من عادته مع المنافقين أن يتسامح ويعفو، ويعذر ويسكت، مع علمه بنفاقهم، إلا أن خطورة هذا «المسجد الضرار» كانت أكبر من خطورة أفعالهم السابقة، لأنها خطورة تأخذ شكل الدين، وسيقع عوام المسلمين في حبائل المنافقين، لأن اللافتة المعلنة هي المسجد، والإسلام، ورأي الدين، وتلك ـ والله ـ هي أشد الفتن وأخطرها على الإسلام والمسلمين.  

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: