منوعات

قصة آية (5) أبو ذر الغفاري… أمير الزُّهاد ومحامي الفقراء

كان بعض صحابة رسول الله قد طمحت نفوسهم إلى الترفع عن  التعلق بلذائذ العيش اقتداء بصاحبهم سيد الزاهدين، وتنافس بعضهم في الزهد، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأصوم النهار، وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساء، فبلغ خبرهم رسول الله فبعث إليهم، فقال: «لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».

وتحمل إلينا المرويات خبر ناسٍ منهم «أبو ذر الغفاري» اتفقوا على أن يرفضوا أشغال الدنيا، ويتركوا النساء ويترهبوا، فغلَّظ رسول الله فيهم المقالة، ثم قال: «إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع»، فنزلت هذه الآية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ».

وأبو ذر الغفاري واحد من كبار الصحابة، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، وكان خامساً، يقال هو أول من حيا رسول الله بتحية الإسلام، وكان يُضرب به المثل في الصدق، قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ». 

في الجاهلية كان أبو ذر يؤمن أن للكون إلهاً واحداً، وكان يأنف أن يعبد الأصنام، إلى أن سمع بخبر بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر بالقدوم عليه ليسمع منه، وما أن التقاه حتى آمن به وصدقه وبايعه من فوره.

ورجع أبو ذر إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فأسلم على يديه نصف قبيلة غفار ونصف قبيلة أسلم، وهاجر إلى المدينة في السنة الخامسة الهجرية بعد معركة الخندق، ولازم النبي، وجاهد معه، وشهد المواقف كلها من بعد الخندق، ولم يمنعه إبطاء بعيره به أن يتركه، ويحمل متاعه على كاهله، ويلحق برسول الله في آخر غزواته، غزوة تبوك، وكان يقول أبطأت في غزوة تبوك من عجف بعيري.

ويروي ابن مسعود قال: لما سار رسول الله إلى تبوك، جعل لا يزال يتخلف الرجل، فيقولون يا رسول الله تخلف فلان، فيقول: دعوه إن يك فيه خير فسيلحقكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، ونزل رسول الله بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل ماشٍ على الطريق، فقال النبي : كن أبا ذر، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال رسول الله: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده. 

وكان رضي الله عنه زاهدًا في الدنيا غير متعلق بها، لا يأخذ منها إلا كما يأخذ المسافر من الزاد، وكان يقول: قُوتي على عهد رسول الله صاع من تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله تعالى، وقد انتقل بعد وفاة النبي إلى بادية الشام، فأقام إلى أن توفي أبو بكر وعمر، وولي عثمان، فسكن دمشق، وكان يحارب اكتناز المال، ويقول: بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاوٍ من نار تُكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة، وكان يدافع عن الفقراء، ويطلب من الأغنياء أن يعطوهم حقهم من الزكاة، فسُمي محامي الفقراء، وجعل ديدنه تحريض الفقراء على مشاركة الأغنياء في أموالهم، فاضطرب هؤلاء، فشكاه معاوية «وكان والياً على الشام» إلى الخليفة عثمان.

استقدمه عثمان إلى المدينة فقدمها، واستأنف نشر رأيه في تقبيح منع الأغنياء أموالهم عن الفقراء، ويروي الأحنف بن قيس قال: كنت بالمدينة، فإذا أنا برجل يفر الناس منه حين يرونه، قلت: من أنت؟، قال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله، قلت: ما يفر الناس؟، قال: إني أنهاهم عن الكنوز بالذي كان ينهاهم عنه رسول الله  وهكذا كثرت الشكوى منه، وعرض عليه عثمان بن عفان أن يبقى معه ويعطيه ما يريد، قال له: لا حاجة لي في دنياكم، فأمره عثمان بالرحلة إلى الربذة «من قرى المدينة» فسكنها إلى أن مات.

ولما حضرته الوفاة أوصى أبو ذرٍ امرأته وغلامه فقال: إذا متُ فاغسلاني وكفناني وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولا هذا أبو ذر، فلما مات فعلا به ذلك، فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ سريره، فإذا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال: ما هذا؟، قيل: جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي، وقال: صدق رسول الله  يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، ونزل فوليه بنفسه حتى دفنه، وكان ذلك سنة «32 هـ».

مقام «أبو ذر الغفاري»

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: