منوعات

أنماط العمل المرنة.. نقطة ضوء وُلدت في نفق كورونا

ليست كل تداعيات «كورونا» سلبية، فمن رحم الأزمات يمكن أن تولد أفكار مهمة ومفيدة، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الجهات الدولية المعنية بدراسات سوق العمل عن زيادة معدلات البطالة، وتسريح الكثير من العمالة، تُفتَح أفاق جديدة لمجالات وأنماط عمل مرنة يمكن أن تسهم في تخفيف وطأة تداعيات أزمة البطالة، وثمة دول تطبق هذه الأنماط من العمل، لكنه ليس هو النظام السائد في مصر غير أن الحكومة أقدمت على تطبيق أحد أشكاله وهى أيام العمل التبادلية، والإجازات الاستثنائية والسماح بالعمل من المنزل، من أجل تطبيق سياسة التباعد الاجتماعي للحد من التزاحم ومنع العدوى من فيروس كورونا. 

استطلاع رأي

 في هذا السياق أجرى «أصوت أونلاين» هذا التحقيق حول أنماط العمل المرن، وحصلنا على نتائج أولية للاستمارة التي نشرتها مؤسسة المرأة الجديدة على صفحتها الرسمية على «فيس بوك» حول أنماط العمل المرن واجاب على هذه الاستمارة حتى كتابة هذه السطور 65 منهم «10» رجال و«55» نساء يعملون في مجالات عمل مختلفة منها التعليم والجمعيات الاهلية والبريد والقطاع الطبي والسياحة والقطاع الصناعي وقطاع الأعمال العام، وجاءت الاجابات على النحو التالي: 

  • يفضل 7.8% العمل بعض الوقت 
  • يفضل 25% نظام ساعات العمل عن بعد 
  • يفضل 67.2% أيام العمل التبادلية 

و بالنسبة لمن سوف يستفيد أكثر من تطبيق أنماط العمل المرن الرجال أم النساء فجاءت الاجابات على النحو التالي: 

  • يري 18.8% أن الرجال سوف يستفيدون أكثر من النساء 
  • يرى 81.3% أن النساء سوف تستفدن أكثر من الرجال 

   يرجع ارتفاع نسبة استفادة النساء أكثر من الرجال إلى أنهن سوف تستطعن القيام بالأعباء الأسرية، بينما ورد بعض الاجابات التي تشير إلى تشارك الرجال والنساء في الأعباء المنزلية ورعاية الأطفال نظرا لبقاء الاثنين فترات أطول في المنزل. 

«مديرة نفسي»

من خلال المقابلات التي أجراها «أصوات أونلاين» للتعرف على تجارب في محافظات مختلفة تبين أن هناك نساء تطبقن بالفعل نظام ساعات العمل المرنة  الذي ساعد على اتاحة فرص كثيرة للنساء للالتحاق بالعمل. 

    تروى «منى صلاح» من بنى سويف تجربتها: أنا مديرة نفسي، وأرتب جدول عملي حسب ظروفي بما يتوافق مع رعايتي لأولادي ومسئولياتي داخل البيت، ولم استطع أن احقق ذلك إلا من خلال تغيير مساري الوظيفي، كنت أعمل في جمعية أهلية، ومن خلالها أتيحت لي فرصة حضور تدريب على التسويق وإدارة المشروعات تنظمه هيئة الأمم المتحدة للمرأة – مكتب مصر، وكان هذا التدريب محفزا لي وقررت أن أخوض التجربة وأعمل في مجال التوريد، واتفقت مع اثنين آخرين ممن كانوا معي في التدريب وقررنا العمل في النطاق الجغرافي الذي نعيش فيه وننسق العمل بيننا، ونجحنا في زيادة أعداد المنتجات التي نقوم بتوريدها وتسويقها وأيضا مساعدة بنات أخريات على العمل و الاستفادة من تجربتنا، وتضيف «منى» ما وصلت له  لم يكن ممكنا أن أحققه في حاله استمراري في وظيفة تقليدية، فأنا الأن استطيع أن ادير عملي من البيت فاستقبل العملاء والموردين في منزلي، وأحدد ساعات عملي.

منى صلاح

«جدول زمنى»

     أما «هالة جلال» 33سنة – ماجستير محاسبة، من قرية «الدولطة» ببنى سويف وتدير عددا من المشروعات منها إدارة مشغل وكذلك توريد وتسويق منتجات غذائية ومستحضرات تجميل، ويعمل لديها عشرات من النساء، وتطبق نظام ساعات العمل المرنة فتسمح للنساء بالعمل من المنزل والمشغل وتطبيق ورديات وبسؤالها عن تطبيق هذا النظام أجابت: تحتاج نساء كثيرة للعمل لكن بسبب مسئولياتهن الأسرية، أو عدم قدرتهن على الخروج فترات طويلة خارج المنزل بسبب العادات والتقاليد، فتطبيق ساعات العمل المرنة واتاحة الفرصة لهن للعمل من المنزل مع الحضور للمشغل بنظام الورادي شجع النساء على العمل، وهذا النظام يجعل النساء توفق بين العمل والتزامات الأسرة، ويعطى مساحة للقيام بمهام وأدوار متعددة منها أنشطة اجتماعية، والمهم أعداد جدول زمنى وتقسيم جيد للوقت. 

    ومن اللافت حصول هالة على درجة علمية تؤهلها للعمل في وظيفة حكومية أو خاصة مرموقة، إلا أنها اتجهت إلى تأسيس جمعية أهلية وإدارة عدد من المشروعات التجارية وبسؤالها حول ذلك أجابت: أن العمل في وظيفة لن يحقق لي الخبرات والتطوير والمهارات التي اكتسبتها، أصبح لدى قدرة على الإدارة والتفاوض، واستخدمت هذه المهارات في عملي ومع أسرتي و جيراني، وتغيرت شخصيتي إلى الأفضل، واستطعت مساعدة نساء أخريات على العمل، وأوضحت «هالة» أنها اتيح لها فرصة تدريب مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة وسّعت من مداركها واكسبتها معارف طبقتها في مجال عملها.  

هالة جلال

«القطاع الحكومي»

  للتعرف على أراء بعض موظفي الحكومة في القرارات التي اتخذتها الحكومة بعد أزمة كورونا من تطبيق الإجازات الاستثنائية والعمل من المنزل وأيام العمل التبادلية، تقول «ا. م» من أحدى الجهات الحكومية: هناك توفير مالي في تكلفة المواصلات وعدم الزحام يجعلني أصل إلى العمل في مدة زمنية أقل مما سبق، وذكرت مبتسمة و«استهلاك أقل للملابس»، كما قل اعتمادي على الوجبات الجاهزة من الخارج، وأصبحت أدير شئون المنزل بطريقة أفضل، كما أضافت «د. ع» من أحدى الجهات الحكومية: نعمل حاليا بنظام الأيام التبادلية، وبالتالي يحضر للعمل نصف الإدارة وفي اليوم التالي يحضر النصف الآخر، فيخف التزاحم في المكاتب، وتقل المشاحنات، ويصبح مكان العمل هادئا ويساعد على التركيز، وتحسين الأداء.

   ويرى أكمل نجاتي عضو لجنة إنهاء المنازعات بمصلحة الضرائب: أن تطبيق أنماط العمل المرن يعد تطورا طبيعيا مع تطور التكنولوجيا، والحكومة الإلكترونية، وأصبحت جميع الوزارات متصلة بشبكة إلكترونية، وتم اعتماد التوقيع الإلكتروني داخل العديد من الوزارات، وأشار «نجاتي» أن تطبيق هذا النظام سوف ينعكس بالإيجاب على بيئة العمل، وخفض النزاعات داخل أماكن العمل، وسوف يعتاد الموظفون والموظفات على ثقافة جديدة أكثر التزاما وجدية، وسوف تتحسن الإنتاجية.  

«تشريعات»

     ويقول الدكتور نيازي مصطفى أستاذ التشريعات الاجتماعية بكلية الحقوق جامعة القاهرة أنه تُطبق في مصر عقود عمل متعددة منها عقود العمل غير محددة المدة وعقود عمل على مشروعات وعقود عمل محددة المدة، وينظم قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 الحقوق والواجبات بين طرفي العقد، وينص أيضا قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016على العمل الجزئي فتنص المادة 147 من اللائحة التنفيذية للقانون على أنه يحق للسلطة المختصة ان تسمح للموظف بالعمل ثلاثة أيام عمل في الأسبوع ويحصل على 65% من أجره ويكون ذلك بناء على طلب الموظف، ويتم دراسة هذا الطلب وابداء الرأي فيه.   

د. نيازي مصطفى

 وأوضح الدكتور «نيازي مصطفى» أنه في حالة تطبيق أشكال أخرى من أنماط العمل المرنة سوف يستوجب ذلك تعديلات في التشريعات بما يتناسب مع أنماط العمل الجديدة وأوضح د.نيازي أن الإجازات مثل العارضة والاعتيادي والأجور والتأمينات سوف تختلف حسب نمط العمل، كما يجب أن يُنص على أجازة الوضع ورعاية الطفل في قوانين العمل فهي مرتبطة بمصلحة الطفل الفضلى وصحة الأم، لكن توفير دور الحضانة يحتاج إلى حوار اجتماعي بين الحكومة وأصحاب الأعمال والنقابات العمالية من أجل وضع تصور غير تقليدي، لان قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 يلزم جهة العمل بتوفير دور الحضانة داخل مكان العمل وهذا الالتزام سوف يحتاج تعديلا مع تطبيق أنماط العمل المرنة.  

    وأضاف عبد المنعم الجمل رئيس النقابة العامة للبناء والاخشاب ومسئول العلاقات الدولية وعضو مجلس إدارة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر: يتابع الاتحاد هذه المستجدات في سوق العمل، وسوف نعمل على دراسة تجارب الدول الأخرى سواء على مستوى التشريعات التي تنظم أنماط العمل المرن والايجابيات والسلبيات في التطبيق من أجل الاستفادة من تجارب هذه الدول، كما أن الأمر يتطلب النظر إلى شروط العضوية في التنظيمات النقابية لأنه في حالة تطبيق هذا النظام فسوف نصبح أمام علاقات عمل غير تقليدية، كما أنه من الضروري أيضا بحث الجانب المتعلق بالجدوى الاقتصادية، وأثر ذلك على خلق فرص عمل جديدة. 

عبد المنعم الجمل رئيس النقابة العامة للبناء والاخشاب

الوسوم

منى عزت

باحثة مهتمة بقضايا العمل والمرأة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: