رؤى

عالم مابعد كورونا: لا تقل شيوعي أو رأسمالي.. قل لي هل بنيت نظاما كفؤا أم فاشلا؟

مقال وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر في صحيفة الوول ستريت جورنال حول عالم ما بعد كورونا الذي تعرض فيه لجانب من التحولات المتوقعة في النظام العالمي وفي أمريكا نتيجة انتشار الفيروس، فتح نقاشا عالميا كبيرا مع كتابات أخري حول حدود التغيير الذي يمكن أن يصيب المنظومة العالمية بعد انقشاع جائحة كورونا.

هنري كيسنجر

أمريكا ترامب فشلت.. ولكن؟ 

  جملة كيسنجر التي ذكر فيها: «عند انتهاء جائحة كوفيد -19؛ سيُنظر إلى مؤسسات العديد من البلدان على أنها فشلت، لا يهم ما إذا كان هذا الحكم عادلاً بشكل موضوعي، فالحقيقة هي أن العالم لن يكون كما كان بعد كورونا»، تطرح سؤال ما الذي يجب أن يطرح وماهي الدول التي سيحكم عليها أنها فشلت أو بالأحرى الدول التي يمكن أن تفشل؟ وهل أمريكا واحدة منها؟ وهل ستعتبر الصين رابحة من هذا الصراع؟.

والحقيقة أن أمريكا التي وصفها كيسنجر أنها أصبحت أقل تحملا من قبل «سيتضرر موقعها وستعيد النظر في جوانب «نيوليبرالية» كثيرة في نظامها الاقتصادي، كما أن تخبط ترامب وسوء أدائه في التعامل مع هذه الأزمة (أشاد به كيسنجر!!!) سيعمل على خسارته في الانتخابات القادمة في شهر نوفمبر وربما سيضعف من فرص تكرار «نموذج ترامب» في المستقبل المنظور. 

الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»

نموذج ترامب مشكلته الرئيسية ليست في توجهاته العنصرية التي هي في الحقيقة على هوى البعض في أمريكا أو في توجهاته الاقتصادية التي يدعمها الكثيرون، إنما في إدارته المتخبطة لجائحة كورونا وبطريقة ستؤثر على ما يصفه البعض بنجاحاته الاقتصادية، حيث ارتفعت معدلات البطالة بصورة كبيرة وهوت أسعار النفط بصورة أثرت بشكل مباشر على منتجي النفط الأمريكيين الموجودين في ولايات متأرجحة كان يعتمد على أصواتهم لحسم الفوز في انتخابات الرئاسة، كما أن تكرار مداخلاته المعادية للعلم والمتناقضة مع كلام الأطباء والعلماء جعلته في صورة الرئيس الذي في خصومة مع أحد الأعمدة الرئيسية لتقدم أمريكا وهي البحث العلمي وقوة العلماء.

يقينا خسرت أميركا نقاطا كثيرة في معركة كورونا في مباراة نتائجها بالنقاط وليست بالضربة القاضية. ولكن صحيح أيضا أنهامازالت لديها لها الغلبة، وإن فرصها في استعادة قيادة العالم قائمة ولكن هذه الفرص ستكون مرتهنة بدرجة كبيرة بخسارة ترامب (الراجحة) في انتخابات الرئاسة.

إنجاز صيني منقوص

نجحت الصين في السيطرة على انتشار وباء كورونا بالعلم وصرامة تطبيق قواعد العزل والحجر الصحي، حتى لو أخفقت في اختبار الشفافية حين أخفت في البداية حقيقية انتشار الفيروس.

ولعل إعلان الصين مؤخرا إضافة حوالي 1300 شخص إلى أرقام المتوفين من فيروس كورونا ليصل إجمالي عددهم إلى حوالي 4700 شخص، أعادت مرة أخري فتح ملف مصداقية أرقام الصين وحقيقية الأوضاع الصحية هناك.

يقينا النظام السياسي الصيني ليس نظاما ديمقراطيا شفافا يحترم حقوق الإنسان بمعناها الليبرالي، ولكنه في نفس الوقت ثاني أقوي اقتصاد في العالم ويعد من بين الدول الصناعية العشرة الأكثر تقدما في العالم، ومثَّل أداؤه في أزمة كورونا خليطا من غياب الشفافية والكذب التي هي من سمات الأنظمة المستبدة، وبين العلم والإنجاز التي هي من سمات الدول المتقدمة.

الرئيس الصيني «شي جين بينغ»

والمؤكد أن النظام السياسي الصيني ليس نظاما أمنيا حتى لو حضر الأمن بقوة، ولا نظام شعارات حتى لو رفع كثيرا منها، إنما هو نظام سياسي له توجه محدد يقوده الحزب الشيوعي الصيني منذ ثورته الكبرى في عام 1949 بقيادة الزعيم المؤسس ماوتسي تونج، حيث نقل البلاد من البؤس والتخلف والحروب الأهلية إلى واحدة من أقوي دول العالم اقتصاديا وعسكريا وسياسيا.

واللافت أن الحزب الشيوعي الصيني يضم حوالي 90 مليون عضو، أي أكثر من 5% من عدد السكان، وهو بذلك يعد أكبر حزب سياسي في العالم، ويدير البلاد بشكل مركزي صارم، وهو ماسهل من مهمة الدولة في اتخاذ إجراءات يتبعها المواطنون عقب ظهور الوباء، عززتها الثقافة السياسية السائدة في المجتمع المتعايشة مع هيمنة أجهزة الدولة والإدارة المركزية.

وسواء تقبل البعض الخبرة الصينية أو رفضها إلا إنه من المؤكد أنها نجحت في السيطرة على فيروس كورونا بعد أن أدارت معركة علمية وطبية على درجة كبيرة من الكفاءة والمهنية، وصححت جانبا من أخطائها الجسيمة، حين ألقت الشرطة القبض على الطبيب الصيني العبقري الذي اكتشف حقيقة الفيروس منذ بدايته ووبخته، ولكنها رجعت وأعادت الاعتبار للطبيب (ولو بعد وفاته) واعتبرته بطلا قوميا شجاعا ثم أعلنت أرقاما جديدة لضحايا الفيروس، وإن كان لا توجد ثقة في صحتها.

ربحت الصين نقاطا في معركة السيطرة على الفيروس بالعلم والكفاءة والجدية حتى لو كانت رسبت في اختبار الشفافية، وهو ما سيعزز من قوتها على الساحة الدولية في مرحلة مابعد كورونا حتى لو كانت حتى اللحظة غير مهيأة لقيادة العالم.

الماكينات الألمانية و١١٪ صحة

مثّل نجاح الخبرة الألمانية في السيطرة على فيروس كورونا أول نجاح أوربي في الحد من انتشار الجائحة، وهو نجاح لبلد ليبرالي غربي يختلف نظامه السياسي عن النظام المركزي الصيني.

وجاء النجاح الألماني في وقت وصل فيه عدد المصابين بفيروس كورونا حول العالم إلى ما يقرب من ثلاثة ونصف مليون شخص، توفي منهم حوالي ربع مليون شخص وتعافي منهم حوالي مليون شخص.

ورغم أن ألمانيا شهدت عددا كبيرا من الإصابات بالفيروس بلغت حوالي مائة وسبعين ألف شخص، إلا أن عدد الوفيات ظل منخفضا مقارنة بدول أوربية أخري، حيث بلغ حوالي 6300 شخص (في إيطاليا 205 ألف مصاب وحوالي 28 ألف وفاة).

المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»

والحقيقة أن عمل المنظومة الصحية الألمانية قام على فحص واسع للمواطنين وتحديد أماكن سكنهم (Testing and Tracking) فاقترب من ثلاثة مليون فحص وهو أعلى رقم في أوروبا والثاني في العالم بعد أمريكا (في فرنسا بلغ حوالي 470 ألف فحص فقط)، كما جهزت 40 ألف سرير بأجهزة تنفس صناعي وهو يتجاوز بأكثر من الضعف البلد الثاني في أوروبا من حيث التجهيزات أي فرنسا، ويدعمها نظام صحي هو بين الأقوى عالميا سواء من حيث الإنفاق الذي يبلغ حوالي 11% من الناتج الإجمالي المحلي أو من حيث نسبة الأطباء التي تبلغ 3.3 طبيب لكل ألف شخص. وهو ما جعل قرارات الحكومة الألمانية مبنية على معلومات دقيقة يدعمها نظام صحي بين الأقوى في العالم.

والمعروف أن ألمانيا لم تشهد نظام حجر منزلي كامل كما جري في بلاد أوروبية أخري وتنوي إعادة الحياة إلى طبيعتها الشهر القادم مع تطبيق صارم لإجراءات الوقاية والمسافة الاجتماعية.

لامركزية ولا ليبرالية

لا نستطيع القول إن النظم المركزية قد انتصرت على النظم الديمقراطية الليبرالية في معركة كورونا أول العكس، إنما يمكن القول إن النظم الكفؤة التي ترفع راية العلم والإنجاز وتطبق القواعد الصحية المطلوبة بصرامة هي التي انتصرت، ولذا لا يمكن القول إن كورونا جعلت النظام السياسي الصيني منتصرا وستروج افكار حزبه الشيوعي حول العالم، إنما يمكن القول أن عالم ما بعد كورونا سيروج لكفاءة ومهنية النظام السياسي والتي نجحت فيهما ألمانيا الليبرالية ورسبت فيهما أمريكا الليبرالية أيضا بسبب سوء أداء ترامب وتخبطه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: