منوعات

أذان الصلاة.. فن تألق ثم خبا (1)

لم يبق لنا إلا الذاكرة، وأرشيف التسجيلات، لنستعيد به ما بلغه فن الأذان من رقي وجمال وطرب وأخذ للقلوب.. لاسيما بعد حالة التراجع الشديد التي تعانيها مدرسة التلاوة المصرية، وما حل بدولة الإنشاد الديني من وهن وضعف، إلى حد الجهر بالشكوى من «الإزعاج» الذي يسببه أكثر المؤذنين، حين يفرضون أصواتهم الخشنة على الجماهير عبر مكبرات الصوت في كل شارع وحارة وزقاق. وكان مشروع الأذان الموحد الذي حاولت وزارة الأوقاف تفعيله أكثر من مرة إقرارا بما أصاب فن الأذان من تدهور، واعترافا بافتقاد الأصوات الجيدة المدربة، وبأن أكثر المساجد والزوايا حاليا تخالف التوجيه النبوي باختيار الأصوات الندية لمهمة نداء الصلاة.

في تراثنا المسجل، محطات لفن الأذان بالغة الأهمية، متفجرة بالجمال والروحانية، شديدة التنوع والثراء، جديرة بالاستماع والتأمل، هي الأحق بالتمثل والاقتداء، وقد شاعت وذاعت، وانتشر أريجها وعبقها مع البدايات الأولى لانطلاق أثير الإذاعة، وبقيت مسيطرة حاضرة حتى أواخر السبعينات، عندما اخترعت لنا جماعات الغلو الديني بدعة ما يسمى بـ«الأذان الشرعي»، وهي صفة أضفتها تلك الجماعات على كل أذان خال من التنغيم والجماليات الفنية، ثم لم تكتف هذه التيارات بذلك، بل أهدرت شرط الصوت الحسن، بسبب احتياجها لعدد كبير من المؤذنين، ليغطوا آلاف المساجد والزوايا التي سيطر عليها أصحاب اللحى والجلابيب.

أذان الشيخ علي محمود

يجمع الموسيقيون والنقاد والمهتمون بتاريخ التلاوة والإنشاد الديني في مصر، على أن أذان الشيخ علي محمود هو الأجمل والأخطر والأصعب بين ما وصلنا من تسجيلات أذان الصلاة لكبار القراء والمنشدين.. والشيخ علي محمود، (1878- 1946) المقرئ، المنشد، المؤذن، الموسيقي، الملحن، أستاذ أعلام الطرب، وإمام دولة الإنشاد الديني في مصر والعالم الإسلامي، كان بذاته مدرسة لتخريج الأعلام، وكان الالتحاق ببطانته شهادة ميلاد واعتماد، لا تمنح إلا للعباقرة، من أصحاب المواهب الفذة، والإمكانات الفنية الكبيرة.

وبالرغم من أدائه للأذان مرات لا تنحصر، وبمقامات مختلفة، فلم يصلنا للشيخ علي إلا تسجيل وحيد وفريد للأذان، سجله الشيخ في أواخر حياته، وهو من مقام البياتي، ويكاد يتفجر بالشجن والحنان والطرب والرقة، ويرى كثير من المتخصصين أنه أذان صعب جدا، يعسر تقليده، وهو مشبع للغاية، لأن الشيخ مر فيه صعودا وهبوطا على كل درجات المقام، بنبرات سريعة جدا، وقفلات غاية في الإحكام.

الأذان بصوت الشيخ علي محمود

في روايته «خان الخليلي» كتب نجيب محفوظ: «اسمعوا القول الفصل: «أجمل ما تسمع الأذن سي عبده إذا غنى يا ليل، وعليّ محمود إذا أذّن الفجر، وأم كلثوم في إمتى الهوى، وما عدا هؤلاء فحشيش مغشوش بتراب».

أما الكاتب الأديب عبد العزيز البشري، فكان صاحب ألطف وصف لفن المنشد الكبير إذ قال: «إن صوت الشيخ علي محمود من أسباب تعطيل حركة المرور في الفضاء، لأن الطير السارح في سماء الله لا يستطيع أن يتحرك إذا استمع إلى صوت الشيخ».

محمد رفعت

ومن أهم تسجيلات الأذان ما تركه لنا أمير القراء الشيخ محمد رفعت، (1882 – 1950)، فقد وصلنا بصوته تسجيلين للأذان، أولهما بمقام السيكاه، والثاني بمقام الراست، وكلاهما بديع أخاذ.

أذان الشيخ رفعت بمقام السيكاة

وقد ظل التليفزيون المصري لعقود يبث أذان السيكاة وقت صلاة المغرب، بينما كانت بعض الإذاعات تقتصر في بثها للأذان على تسجيل مقام الراست، مما وضع الصيغتين في مكانة كبيرة عند الجمهور، حيث يشكل الأذان بصوت رفعت جزءا هاما من وجدان الشعوب العربية، باعتباره أحد المعالم الكبرى لشهر رمضان.

أذان رفعت من مقام الراست

يصف الأديب الكبير محمد المويلحي، صوت رفعت بأنه «يهيئ للأذهان جوا غير الجو الذي تعيش فيه، جوا تسبح فيه أطياف الملائكة، وتغرد فيه بلابل الجنان… صوت لم يخلق الله مثله في لونه ونوعه».. وكتب نجيب الريحاني يصف صوت رفعت قائلا: «إن صوته هو الخلود بعينه، صوت له نبرات احتار في فهمها العلماء، ولما سألت عبد الوهاب يوما عن سر حلاوة هذا الصوت قال لي إنها منحة إلهية وعبقرية لن تتكرر».

وترك زعيم دولة التلاوة المصرية الشيخ مصطفى إسماعيل عدة صيغ بديعة للأذان، اتسمت كلها بالقوة والجمال والتأنق الفني، رغم تباعد وقت تسجيلها، واختلاف أماكن انطلاقها، ما بين استديوهات الإذاعة، أو المساجد، داخل مصر وخارجها.

ومن هذه الصيغ البديعة تستذكر أذان الشيخ الذي تبثه إذاعة القرآن الكريم من سنوات طويلة، وهو من مقام الحجاز، ويوظف فيه إسماعيل ذبذبات صوته السريعة، في إضافة حليات وعُرب جميلة جدا، لا سيما في الحيعلتين.

الأذان من مقام الحجاز بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل

ومن أعظم تسجيلات الأذان وأجلها على الإطلاق، أذان مقام الراست للشيخ مصطفى، والذي كان التليفزيون المصري يبثه يوميا وقت المغرب، منذ أواخر السبعينات، وحتى أوائل التسعينات.. وقد بلغ الشيخ في هذا الأذان ذروة عليا، سواء في التنغيم الطربي أو في طول النفس، أو في حلاوة الصوت وعذوبته.

أدى الشيخ العبارات الأولى من الأذان أداء هادئا، لا ينبئ بمفاجأته الكبرى التي ادخرها للحيعلتين، حيث ذلك الثراء الباذخ المهيب، إذ بلغت «حي على الصلاة» 36 ثانية، وهو زمن طويل جدا، لاسيما مع ما يفعله الشيخ من تصعيد وتنقل وتغيير لطبقات صوته.. أما «حي على الفلاح» فقد حشد لها الشيخ مصطفى قدرا كبيرا من العُرب والتلوين، لتكون مختلفة تماما عن عبارة «حي على الصلاة» رغم أن كليهما من مقام الراست.. هذا أذان جدير بأن يوضع ضمن أعلى مراتب هذا الفن، بل ضمن أجمل ما سمعته الأن من مقام الراست.

أذان التليفزيون المصري بصوت الشيخ مصطفى- مقام راست

رفع الشيخ مصطفى إسماعيل الأذان خارج مصر، في كبرى المساجد بالعواصم العربية والإسلامية، وفي مقدمة هذه المساجد يأتي الجامع الأموي بدمشق، حيث كان للشيخ صولات تاريخية من التلاوة الفنية الموسيقية الأخاذة، كما كان له حظ وافر من صيغ الآذان، الذي كان يؤديه بناء على رغبة الجماهير المحتشدة لسماعه، ومن هذه الصيغ نستمع إلى أدائه للأذان، الذي رفعه بالمسجد الأموي، خلال إحدى زياراته لسوريا عام 1959.

وبالرغم من كون الأذان من مقام الحجاز، إلا أنه يختلف كثيرا عن أذانه الشهير من نفس المقام، والذي تبثه إذاعة القرآن المصرية دائما.. ونلاحظ شحنة الشجن والطرب في عبارة حي على الصلاة.

الشيخ يرفع الأذان في المسجد الأموي بدمشق

وفي تركيا، وخلال زيارة رمضانية لمدينة اسطنبول، عام 1969، رفع الشيخ مصطفى إسماعيل أذانا جميلا ، ومن مقام الراست أيضا، وكعادته أدى الحيعلتين أداء طربيا شجيا، لكن الشيخ فاجأ جمهوره بطريقته في أداء عبارة «الله أكبر الله أكبر» الأخيرة، ومن طبقة عالية وقفلة محكمة، إلى درجة أن جمهور المسجد ضج بصيحة استحسان قوية، كتلك التي نسمعها من جمهور الشيخ أثناء تألقه في التلاوة القرآنية، وهو أمر نادر جدا، وربما غير مسبوق من جمهور يستمع إلى أذان الصلاة.

أذان الشيخ في تركيا.. ورد فعل الجمهور

يصف الكاتب الراحل محمود السعدني، صوت الشيخ مصطفى إسماعيل قائلا: «هو أجمل صوت بين المقرئين، بل هو أجمل صوت بين المطربين أيضا، إن صوته أجمل من صوت عبد الوهاب وفريد الأطرش ومحمد قنديل، وعبد الحليم، ولولا أن صوته «يضيع» في طبقة القرار لكان أجمل وأحلى وأقوى صوت في الوجود، فليس لصوته نظير في الطبقات العليا، وهو صاحب طريقة فذة فرضت نفسها على العصر كله، وهو إمام المقرئين باعترافهم جميعا، وشهرته تدوي كالطبل في جميع أنحاء العالم العربي من المحيط إلى الخليج».

أما الموسيقار محمد عبد الوهاب، فيقول عن مصطفى إسماعيل: «يفاجئنا دائما بمسارات موسيقية وقفلات غير متوقعة، وهو كبير جدا في موهبته، وكبير في إدارة صوته، وله جرأة في الارتجال الموسيقي والصعود بصوته إلى جواب الجواب بشكل لم نعرفه في أي صوت حتى الآن».

الوسوم

هيثم أبو زيد

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق