رؤى

الاتفاق التاريخي لخفض إنتاج النفط.. غير كاف لمنع الانهيار

كيث جونسون – كاتب في مجلة Foreign Policy الأمريكية

ريد ستانديش – مراسل خاص لمجلة foreign Policy لتغطية شئون روسيا وأوراسيا

عرض وترجمة: أحمد بركات

 اتفق أعضاء مجموعة «أوبك بلس» مؤخرا على خفض إنتاجهم من النفط بمقدار 9.7 مليون برميل يوميا على مدى شهرين قادمين، ثم بمقدار 7.7 مليون برميل يوميا حتى نهاية العام، وبكميات أقل في عامي 2021 و2022. وفيما سُمي بالإثنين الأسود انهارت أسعار النفط الأمريكي انهيارا دراماتيكيا غير مسبوق إلى ما دون الصفر، حيث دفعت شركات النفط لعملائها كي ينقلوا النفط خوفا من تخزينه ووصل البرميل إلى سالب 63،37 بالمئة دولارا، وبرغم أن معدل تخفيض الإنتاج لا يزال أقل من معدل انهيار الطلب، إلا أنه لا يزال أفضل بكثير من عدم وجود صفقة من الأساس.

دونالد ترامب، محمد بن سلمان، فلاديمير بوتين

أزمة التخزين

بغض النظر عن المعدل النهائي المعلن لخفض إنتاج النفط ومدته، يتضح هنا أمران أساسيان. أولا، بينما أدارت كل من المملكة العربية السعودية وروسيا في السنوات الأخيرة إمدادات النفط العالمية بطريقة احترازية للحفاظ على الأسعار عند مستوى معتدل، فقد باتت كلتا الدولتان الآن رهينة للسوق، حيث لم يعد حتى بإمكان «أوبك» وسائر الدول الكبرى المنتجة للنفط أن يتظاهروا بأنهم متمترسون على مقعد القيادة.  

«لجأت هذه الدول إلى خفض الإنتاج لأن السوق أجبرهم على القيام بذلك؛ فلن يكون هناك مكان يضعون فيه براميل النفط»، لأن مستودعات التخزين العالمية ممتلئة عن آخرها، كما قال أمريتا سين، كبير محللي النفط في شركة «إنرجي أسبكتس» الاستشارية في لندن. 

كانت روسيا قد أكدت على مدى الأسبوع الأول من أبريل إنها لن تُقدم على خفض إنتاجها إلا إذا خفضت الولايات المتحدة من إنتاجها أيضا، على ألا يمثل خفض إنتاج النفط الأمريكي غير الطوعي الناجم عن انخفاض الأسعار- والذي يجعل العديد من الآبار غير اقتصادية – جزءا من هذا الشرط. لكن، حتى روسيا نفسها كانت مجبرة أيضا على ذلك، بسبب هبوط الأسعار وامتلاء مخازن النفط، ومن ثم فقد وافقت على المشاركة بخفض منتوجها بدرجة كبيرة حتى قبل أن تقدم الولايات المتحدة أي شيء ملموس.

«ستوقف روسيا الكثير من إنتاجها هذا الصيف، سواء كانت هناك صفقة أم لا»، حسبما أفاد بوب ماكنالي، رئيس «مجموعة رابيدان إنرجي» الاستشارية. وأضاف: «إنهم يمارسون الفضيلة مضطرين».

بوب ماكنالي

ويمثل قرار الموافقة على خفض الإنتاج تحولا مفاجئا في موقف موسكو بعد انسحابها من اتفاق مع الرياض في شهر مارس. كانت روسيا قد راهنت على أن احتياطياتها الضخمة من العملات وصندوق الثروة سيمكنانها من الخروج من العاصفة واستعادة حصتها في السوق. لكن وباء كورونا، وما لحقه من انخفاض في الطلب على النفط جعل الكرملين يعيد النظر في حساباته السابقة.

«المشكلة هي أن روسيا تعاني من حالة من الارتباك الشديد»، كما أوضحت إلينا ريباكوفا، نائب رئيس الاقتصاديين في «معهد التمويل الدولي». وأضافت: «الجميع أخطأ في حساباته بدرجة أو بأخرى، لكن روسيا توقعت انكماشا طفيفا ولا تزال تعتقد أنها قادرة على استعادة حصتها في السوق».

إلينا ريباكوفا

سوف يؤدي المعدل المتواضع نسبيا المتفق عليه لخفض الإنتاج إلى تباطؤ وتيرة ملء المخازن العالمية، وهو ما سيترتب عليه تأخير محاسبة الجميع. وبالنسبة إلى موسكو، يمثل الاتفاق على صفقة الآن وسيلة لكسب الوقت لتقييم التأثير الكامل على سوق الطاقة، وعلى أموال روسيا الخاصة، بسبب كورونا. في غضون ذلك، سوف يتطلع الكرملين إلى دعم مواقعه الجيوسياسية والمحلية التي تضررت تحت وقع حرب أسعار النفط وانتشار فيروس كورونا.

وتلعب الطاقة دورا مهما في السياسة الخارجية الروسية. في هذا السياق شكلت مجموعة «أوبك بلس» آلية مهمة لزيادة تداخل موسكو في الشرق الأوسط، وبخاصة لتكوين روابط أقوى مع المملكة العربية السعودية. لكن قرار الكرملين في مارس الماضي بالانسحاب من اتفاق «أوبك بلس» وتمزيق أسواق النفط قد قوض مصداقية روسيا، التي سوف تتطلع إلى استعادتها  مرة أخرى من كبار منتجي النفط الآخرين في مواجهة الأزمة الراهنة.

تقول تاتيانا إفدوكيموفا، كبير اقتصاديي روسيا في «بنك نورديا»: «سيعتمد الكثير على امتثال والتزام المشاركين في الصفقة». وتضيف: «لقد أدى انهيار الصفقة في شهر مارس إلى تراجع الثقة بدرجة كبيرة. وإذا كان لهذه الصفقة أن تتم فلا بد من إعادة بناء الثقة مرة أخرى».

تاتيانا إفدوكيموفا

اعتبارات سياسية

وكما هو الحال في التحول المفاجئ في موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تشجيع النفط الرخيص إلى حث أوبك على رفع الأسعار ساعدت الاعتبارات السياسية المحلية أيضا على الدفع بموسكو للمشاركة في الصفقة الجديدة. فقد أرجأ الكرملين بالفعل استفتاء قد يُبقي على الرئيس فلاديمير بوتين في السلطة حتى عام 2036 بسبب تفشي فيروس كورونا، الذي قد يدفع بروسيا والعالم إلى حالة من الركود. وبينما لن تقدم هذه الصفقة الكثير لمساعدة ميزانية البلاد، فإن تقليل أي شكل من أشكال المعاناة الاقتصادية يمثل أولوية قصوى لموسكو في ضوء التغيرات السياسية الأوسع نطاقا التي تحل بالبلاد.    

يقول إيفان تكاتشيف، محرر الاقتصاد في صحيفة RBC اليومية الروسية: «إن أخشى ما تخشاه الحكومة الروسية هو تداعيات ارتفاع معدلات البطالة والانخفاض الحاد في الدخول».

لكن حتى الاتفاق غير المسبوق الذي تم التوصل إليه يوم الجمعة 10 أبريل الماضي يُظهر أنه لا توجد طريقة سهلة لوقف نزيف الانهيار غير المسبوق في الطلب العالمي على النفط بسبب الوباء. ويرى الخبراء أن الطلب قد تراجع بنسبة حوالي 30%، حتى مع زيادة إنتاج بعض الدول، مثل المملكة العربية السعودية وروسيا، حتى وقت قريب. وقد أدى ذلك إلى تفاوت كبير حيث يفوق العرض الطلب بما يصل إلى 24 مليون برميل في اليوم. 

في هكذا حالات، فإن تخفيض 10 مليون برميل كما وعدت مجموعة «أوبك بلس» لن يكون كافيا. فالزيادة المفرطة في الإنتاج العالمي تجعل المخزون يتضخم في كل مكان، وبمجرد امتلاء أماكن التخزين، فإن آبار النفط ستُغلق حتما.

«لدينا صفقة أبرمتها «أوبك بلس» وتم تأمينها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في يوم 10 أبريل الماضي لحفظ ماء وجه المكسيك. لكن الصفقة تبدو هشة، حيث لا يزال التزام منتجي النفط الآخرين، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، هشا للغاية»، كما أكد بير ماجنوس نيسفين، رئيس فريق التحليل في «ريستاد إنرجي» في النرويج.

تكمن المشكلة في امتلاء المخازن العالمية، وأن أي خفض مدفوع بقوى السوق في الإنتاج الأمريكي لن يحدث إلا في وقت لاحق من هذا العام، بينما لا بد من وقف الإنتاج الآن لتجنب حدوث كارثة.

«من أجل تجاوز شهر مايو، نحتاج إلى خفض الإنتاج اليومي من النفط بشكل عاجل بما لا يقل عن 5 ملايين برميل يوميا، ويجب أن يساهم جميع المنتجين الآن بنصيبهم العادل»، يضيف نيسفي «أعتقد أن أسعار الخام سوف تواصل الهبوط، وأنها ستكون في أرقام العشرات، أو ربما دون ذلك»، كما قال بوب ماكنالي، رئيس «مجموعة رابيدان إنرجي» الاستشارية.

في الاجتماع الافتراضي لمجموعة العشرين، قال وزير الطاقة الأمريكي «دان برويليت»- وفقا لملاحظات معدة مسبقا- إن انهيار الأسعار يمكن أن يدمر 2 إلى 3 ملايين برميل يوميا من الإنتاج الأمريكي، مقدما ذلك إلى المجموعة باعتباره مساهمة الولايات المتحدة في عمليات خفض الإنتاج الجماعية. كما قال أيضا إن حكومة الولايات المتحدة يمكن أن تشتري بعض النفط الزائد لاستكمال احتياطي البترول الاستراتيجي الأمريكي، رغم أن تأثير ذلك لن يكون عميقا.     

وزير الطاقة الأمريكي «دان برويليت»

وفي نهاية كلمته، حث «برويليت» الدول الأعضاء في أوبك، وكبار الدول الأخرى المنتجة للنفط على الموافقة رسميا على الحد من إمدادات النفط ورفع أسعاره للمساعدة على «تطوير أسواق حرة ومفتوحة».

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: