منوعات

قصة آية (8) عبد الرحمن بن عوف.. التاجر الذي أقرض الله قرضاً حسناً

لما نزل قول الله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)، قال أبو الدحداح الأنصاري: «وإنَّ الله ليريد منا القرض، قال النبي: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله رسول الله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، «يقصد بستانه» يقول الراوي: وحائطه له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح فنادى: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي من الحائط فقد أقرضته ربي»، وفي رواية أخرى أنها لما سمعته يقول ذلك عمدت إلى صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم فقال النبي: «كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح».

هكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يسارعون في الخيرات، وحين قال رسول الله: «يا بن عوف إنك من الأغنياء، وإنك ستدخل الجنة حَبْوا، فأقرض الله يُطلق لك قدميك» بادر عبد الرحمن بن عوف إلى أرض له فباعها وفرق ثمنها أربعين ألف دينار جميعا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين وفقراء المسلمين، وظل ينفق في سبيل الله طوال حياته وفي يوم قدّم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام، ويوماً آخر قدم ألفا وخمسمائة راحلة، وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف أنه قيل: «أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله، ثُلث يقرضهم، وثُلث يقضي عنهم ديونهم، وثلث يصِلَهم ويُعطيهم».

أصيب ابن عوف يوم أُحُد بعشريـن جرح إحداها تركت عرجاً دائماً في ساقه، كما سقطت بعـض ثناياه فتركت هتماً واضحاً في نطقه وحديثه، وكان رضي الله عنه موفقاً بالتجارة إلى حد أثار عَجَبه فقال: «لقد رأيتني لو رفعت حجراً لوجدت تحته فضة وذهبا»، وكان قد أبى أن يأخذ من أخيه الأنصاري سعد بن الربيع نصف ماله حين آخى الرسول بين المهاجرين والأنصار، وقال عبد الرحمن: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلوني على السوق»، وخرج الى السوق فاشترى وباع وربح.

في أحد الأيام اقتربت على المدينة ريح تهب قادمة إليها حسبها الناس عاصفة تثير الرمال، لكن سرعان ما تبين أنها قافلة كبيرة تزحم المدينة وترجَّها رجّا، وسألت السيدة عائشة رضي الله عنها: ما هذا الذي يحدث في المدينة؟، وأُجيبت أنها قافلة لعبد الرحمن بن عوف أتت من الشام تحمل تجارة له فَعَجِبَت عائشة وقالت: قافلة تُحدث كل هذه الرجّة؟، فقالوا لها: أجل يا أم المؤمنين، إنها سبعمائة راحلة، وهزّت أم المؤمنين رأسها وتذكرت: أما أني سمعت رسول الله يقول: «رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْوا».

وصلت هذه الكلمات إلى عبد الرحمن بن عوف، فتذكر أنه سمع هذا الحديث من النبي أكثر من مرة، فحثَّ خُطاه إلى أم المؤمنين وقال لها: لقد ذكَّرتني بحديث لم أنسه، ثم قال: أما إني أشهدك أن هذه القافلة بأحمالها وأقتابها وأحْلاسِها في سبيل الله، ووزِّعَت حُمولة سبعمائة راحلة على أهل المدينة وما حولها.

كان عبد الرحمن بن عوف يتخوف من أن يكون قد حرم من فضل الله في الآخرة بما أُعطي من فضل في الدنيا، وخوفه هذا جعل الكِبْر لا يعرف له طريقا، فقد قيل: أنه لو رآه غريب لا يعرفه وهو جالس مع خدمه، ما استطاع أن يميزه من بينهم.

ولما حضرت الوفاة عبد الرحمن بن عوف أرادت أم المؤمنين أن تخُصَّه بشرف لم تخصْ به سواه، فعرضت عليه أن يُدفن في حجرتها إلى جوار الرسول وأبي بكر وعمر، لكنه استحى أن يرفع نفسه إلى هذا الجوار، وطلب دفنه بجوار عثمان بن مظعون إذ تواثقا يوماً أيهما مات بعد الآخر يدفن إلى جوار صاحبه.

وشوهد يبكي بكاء شديدًا فسئل عن بكائه فقال: إنَّ مصعب بن عمير كان خيراً مني توفي على عهد رسول الله، ولم يكن له ما يكفن فيه وإن حمزة بن عبد المطلب كان خيراً مني لم نجد له كفنًا، وإني أخشى أن أكون ممن عُجلت له طيباته في حياته الدنيا، وأخشى أن أحتبس عن أصحابي بكثرة مالي، ولكن سرعان ما غشته السكينة وأشرق وجهه وأرْهِفَت أذناه للسمع كما لو كان هناك من يحادثه، ولعله سمع ما بشره به الرسول: «عبد الرحمن بن عوف في الجنة».

أوصى عبد الرحمن بن عوف بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن شهدوا موقعة بدراً، حتى وصل للخليفة عثمان نصيب من الوصية فأخذها، وقال: «إن مال عبد الرحمن حلال صَفْو، وإن الطُعْمَة منه عافية وبركة».

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: