فن

من (قنديل أم هاشم) إلى (جري الوحوش).. العلم ينهزم أمام الخرافة

تثير مظاهرة الإسكندرية التي جرت في الثالث والعشرين من مارس الماضي على خلفية تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم كله، -والتي اتخذت فهما سلفيا مختَلَفا عليه للدين بدا غير عابئ بخطورة التجمعات التي تساعد على انتشار الفيروس بشكل كبير- تثير هذه المظاهرة قضية العلاقة بين العلم والدين وتفتح ملفها الشائك، على المستوى الديني والعلمي والاجتماعي وكذلك الفني، وهي قضية قديمة سبق أن تعرضت لها السينما المصرية في بعض أعمالها. ويبرز فيلما «قنديل أم هاشم» «وجري الوحوش» كعملين مهمين قدما تجليا واضحا لهذه القضية، ثنائية العلم والدين.

قنديل أم هاشم.. الموروث ينتصر

أُنتج فيلم «قنديل أم هاشم» للمخرج كمال عطية عام 1968 عن رواية للأديب يحيى حقى صدرت طبعتها الأولى لها فى عام 1944. تدور أحداث الفيلم الذى قام ببطولته «شكرى سرحان» و«سميرة أحمد» و«عبد الوارث عسر» حول إسماعيل الشاب الذى أنهى دراسته الثانوية، وسافر إلى أوروبا لدراسة طب العيون وبعد حصوله على الشهادة وعودته إلى مصر ممنيا نفسه بعلاج أهل منطقته في السيدة زينب، فوجىء بموقف رأى فيه والدته تقطر عين ابنة عمه الرمداء بزيت أُخذ من قنديل مقام «السيدة زينب» وهو زيت مبارك في نظر والدته وأهل الحي جميعا.

يتولى الطبيب الشاب فحص عين ابنة عمه ليكتشف أن (الرمد) قد أتلف جفنيها وأضر مقلة عينيها، وأدى زيت القنديل إلى الإضرار بعين ابنة عمه الرمداء. ويصرخ الطبيب بأعلى صوته  أنها مجرد خرافات ليست من الدين في شىء.

وبعد أن بدأ إسماعيل عمله فى عيادته الخاصة بحى السيدة زينب اكتشف أن جميع مرضاه لا يتماثلون للشفاء سريعاً، وبدأ فى البحث عن السبب ليجد أن زيت القنديل نفسه هو السبب، وفى خطوة حادة وثورية منه قام بتحطيم القنديل لاعناً التخلف الذى يسيطر على هذا المجتمع.

ويبدأ الطبيب الشاب صداما واضحا مع كل من حوله فقد ابتعد أهله ومرضاه عنه بعد أن اتهموه بمهاجمة ثراثهم الدينى بل و تعاليم الدين نفسه بفعلته تلك، وأنه قد أساء لنفسه قبل الإساءة لأهله ودينه.

ويتعقد الموقف بعد فشله فى علاج (فاطمة) ويتألم «اسماعيل» من معاملة أهله ومرضاه السيئة ويعيد التفكير فيما يقتنع به خاصة مع الرفض المتزايد للمجتمع لأفكاره.

وأمام هذا الرفض العارم تنتهي الأزمة بأن يرضخ الطبيب لأهله ويستجيب لرغباتهم ويعود لعيادته الخاصه حاملا معه «زيت القنديل» الذى كان قد رفضه بعنف واعتبره مسئولا عن عدم شفاء المرضى.

اضطر اسماعيل تحت الضغوط الإجتماعية الحادة والقاسية للتماهى مع قناعات أهله وتنتصر الخرافة على العلم لا لشىء سوى لأن المجتمع قد تمسك بموروث قديم بغض النظر عن منطقيته أو صحته أو حتى سنده الديني.

جري الوحوش.. والبحث عن ولد

وبعد مرور 20 عاما من إنتاج «قنديل أم هاشم» يقدم المخرج «على عبد الخالق» عن قصة محمود أبو زيد فيلم «جرى الوحوش» فى تناول شديد المباشرة وربما الفجاجة لخصومة العلم للدين، هذا  الفيلم الذى تم إنتاجه عام 1987 وقام ببطولته كل من «نور الشريف – محمود عبد العزيز – حسين فهمى» يمثل نموذجا صارخا لقضية العلم والدين و لمعاداة العلم فى الثقافة التقليدية حيث يضع «العلم» نقيضا «للدين» بشكل واضح، وحيث ينتهى الفيلم بآية قرآنية ليقدم لنا الرسالة التي يريدها، و يدور الصراع الدرامى بين أربعة أبطال هم «سعيد أبو الدهب» الذى يجسده «نور الشريف» الثري الذي لا ينجب وصديقه الدكتور «نبيه» حسين فهمي – الذى درس أحدث ما وصلت إليه علوم الطب في الغرب، و يتوصل لاكتشاف علمي جديد بإجراء عملية جراحية ونقل جزء اسمه «الإنتريالوب» من مخ شخص ينجب إلى شخص عقيم فيساعده علي الإنجاب.

ويبدأ «سعيد أبوالدهب» رحلة البحث عن متطوع بجزء من مخه ويجد ضالته في «عبدالقوي شديد» محمود عبدالعزيز –  المنجد الفقير والذي يقبل بهذه العملية مقابل نصف ثروة سعيد مع تعهد كتابي بأن العملية لن تؤثر علي صحته، ويرفض ذلك  تماما المحامي «عبدالحكيم» حسين الشربيني والذي يخبرهم أن هذه العملية لا تجوز شرعاً أو قانوناً، لكنهم يضربون بكلامه عرض الحائط ويسافر سعيد وعبد القوي ليجريا العملية بالخارج، وتنجح العملية نظرياً، لكنها تفشل على مستوى التطبيق الفعلي و تنقلب حياتهما رأسا على عقب وبعدها تبدأ صحة الإثنين في التدهور.

وتعمد صناع الفيلم توجيه المشاهد بشكل لافت من خلال اختيار أسماء الأبطال «أبو الدهب – نبيه – عبد القوى – عبد الحكيم» وتحمل تلك الأسماء دلالات واضحة عن طبيعة كل شحصية من أبطال العمل.

ويتواصل خلال أحداث الفيلم حوار عنيف بين كل من الطبيب «نبيه» الذى يبدو مغرورا بعلمه ومتعاليا دائما وبين المحامى المتدين «عبد الحكيم» الذى يستخدم آيات القرآن الكريم لتأكيد وجهة نظره فى عدم التدخل فى ما قسمه الله من رزق لعباده.

 والملاحظ أن الفيلم قد أُنتج خلال حقبة زمنية شهدت جدلا فقيا واسعا حول التبرع بالأعضاء ومدى شرعيته من الناحية الدينية، وقد انحاز صناعه بشكل واضح لرفض فكرة التبرع بالأعضاء وجاءت نهاية الفيلم لتؤكد أن كل الأطراف قد خسروا بإستثناء عبد الحكيم الذى كسب رهانه حتى النهاية ويصرخ «عبد القوى» وقد فقد عقله «عاوز تولوب».

والمؤكد أن تصدير السينما لهذا الصراع الوهمى بين الدين والعلم فيه إساءة لكليهما، فالدين مقدس كلى الصحة، والعلم متغير تجريبي، والربط بين الثابت والمتغير خطيئة كبرى فى حق الوعى الجمعي، ولن يتمحض عن هذا الربط المتعسف سوى مزيد من التضليل والإلتباس.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: