رؤى

تهديدات ترامب لإيران «جعجعة بلا طحين»

م. ك. بهادراكومار – دبلوماسي سابق

عرض وترجمة: أحمد بركات

في تغريدته التي نشرها في 22 أبريل على موقع التغريدات المصغرة «تويتر»، قال الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»: «لقد أمرتُ البحرية الأمريكية بضرب وتدمير أي وجميع الزوارق الحربية الإيرانية إذا تحرشت بسفننا في البحر». وأضاف تقرير أسوشيتد برس حول هذه التغريدة إن «البيت الأبيض ليس لديه تعليق فوري. وقد أحال الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية، والذي يتخذ من البحرين قاعدة له، أسئلة حول التغريدة إلى البنتاجون، وأحال البنتاجون بدوره هذه الأسئلة إلى البيت الأبيض».

ترامب.. وسياسة الإلهاء

يستخدم الرئيس ترامب لغة الحرب في الوقت الذي ينغمس فيه في السياسة بوسائل أخرى. فعلى غرار حظره للهجرة، يلجأ  ترامب إلى ’التلهية‘ من خلال صرف الانتباه بعيدا عن عدم كفاءته في معالجة أزمة كوفيد – 19.

دونالد ترامب

وقد رفضت طهران هذه التصريحات بشكل قاطع. وقال العميد أبو الفضل شكرجي، المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، بازدراء: «بدلا من التنمر بالآخرين اليوم، يجب على الأمريكيين أن يوجهوا جهودهم لإنقاذ قواتهم التي أصيبت بفيروس كورونا». 

العميد أبو الفضل شكرجي

جاءت تغريدة ترامب كرد فعل على ادعاء  (ما قالته) البحرية الأمريكية في 15 أبريل بأن 11 سفينة إيرانية كانت قد «أجرت بصورة متكررة محاولات خطيرة واستفزازية ضد العديد من سفن البحرية الأمريكية الموجودة في المياه الدولية». وكانت قوارب سريعة تابعة لفيلق الحرس الثوري الإيراني قد وصلت إلى مسافة قريبة للغاية من أسطول من السفن الحربية الأمريكية الذي كان يبحر على مقربة من المياه الإيرانية.

ضمت هذه السفن الحربية القاعدة الاستكشافية المتنقلة «لويس بي بولر» – وهي سفينة مصممة لتكون بمثابة منصة لغزو أمريكي – وبول هاميلتون – وهي مدمرة صواريخ موجهة – وزورقيْن تابعين لإحدى الدوريات الساحلية، وسفينتيْن تابعتين لخفر السواحل.

وقال بيان البحرية الأمريكية إن «الأعمال الخطيرة والاستفزازية التي قامت بها قوات الحرس الثوري الإيراني قد زادت من مخاطر سوء التقدير والتصادم … ولا تتفق مع الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي فيما يتعلق باحترام سلامة السفن الأخرى في المنطقة».

ونشر الإيرانيون مقطع فيديو في 19 أبريل يُظهر سلاح البحرية التابع للحرس الثوري الإيراني أثناء تحذيره لقافلة سفن حربية أمريكية في الخليج الفارسي وهي تحاول الاقتراب من المياه الإقليمية الإيرانية. ويوضح الفيديو أن السفن الأمريكية قد ابتعدت في أعقاب هذا التحذير.

وتعتبر مثل هذه الأحداث من الأمور الشائعة بين الطرفين اللذين أجادا أيضا على مدى سنوات سبل تخفيف التصعيد. ومن ثم لم يجد ترامب في هذه الأحداث ما يسوغ له – على نحو مقبول -إشعال فتيل صراع عسكري في الشرق الأوسط في الوقت الذي ينشغل فيه حلفاء واشنطن في الخليج بمواجهة أزمة كوفيد – 19.

واشنطن وطهران.. وعاصفة كورونا

تأتي هذه المناوشات الأمريكية الإيرانية فى المياه الدولية في ظل تفشي فيروس كورونا بدرجة غير مسبوقة بين البحارة الأمريكيين والذي يشغل- بلا شك – جزءا كبيرا من تفكير قادة البحرية الأمريكية. فحاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» محتجزة الآن في جزيرة غوام، ويخضع طاقمها للإقامة قيد الحجر الصحي بعد أن تكشفت مئات التحليلات لبحارته عن نتائج إيجابية.

كما تقبع ثلاث حاملات طائرات أخرى – هي «نيميتز»، و«رونالد ريجان»، و«كارل فينسون» – رهن الاحتجاز في الميناء بسبب النتائج الإيجابية لتحليلات البحارة، بينما تقبع حاملة طائرات رابعة، وهي «ترومان»، في البحر خوفا من إصابة طاقمها بالعدوى إذا دخلت إلى الميناء.

وفي سياق هذا الوضع المروع، قال وزير البحرية السابق «راي مابوس»، الذي شغل هذا المنصب في الفترة من 2009 إلى 2017: «أعتقد أنه يجب عليهم إدخال جميع السفن إلى الموانئ، وتفريغ معظم أفراد الطاقم، وترك قوة صغيرة للغاية على متن كل سفينة، وتعقيمها، ووضع البحارة قيد الحجر الصحي لمدة أسبوعين، والتأكد من عدم إصابتهم بكوفيد – 19». وأضاف أنه يتعين بعد ذلك الاحتفاظ بالطواقم على متن السفن إلى أجل غير مسمى حتى ينحسر الوباء.

وزير البحرية الأمريكي السابق «راي مابوس»

ويمكن القول بإن إيران أيضا ليست متحمسة للقتال، لأنها لا تزال تحاول التعافي من آثار معركة دامية ضد الوباء نفسه أودت بحياة 5000 شخص. لكن ما يثير قلق الولايات المتحدة في واقع الأمر هو أن إيران نجت من العاصفة برغم استراتيجية «أقصى الضغوط» التي اتبعتها واشنطن.

فقد عرقلت إدارة ترامب نظر صندوق النقد الدولي في طلب إيران الحصول على قرض بقيمة 5 مليارات دولار لمواجهة كوفيد – 19، برغم أن إيران كانت هي المركز الإقليمي للوباء، وخسرت أرواح عشرات من عمال الصحة والمتخصصين في الرعاية الطبية الذين كانوا يعملون في خطوط المواجهة الأمامية بسبب عدم توافر معدات الحماية الشخصية ونقص الأدوية والأجهزة الطبية، بما في ذلك أجهزة التنفس.  

ودعت كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والصين الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات. وحتى في داخل الولايات المتحدة، انضم مرشح الرئاسة الديمقراطي جو بايدن إلى أعضاء الكونجرس لحث إدارة ترامب على تعليق العقوبات ضد إيران. لكن الإدارة الأمريكية صمت آذانها عن كل هذه الدعوات، وواصل وزير خارجيتها «مايك بومبيو» سرديته الهزلية بأن إيران سوف تحول أموال صندوق النقد الدولي عن مواجهة فيروس كورونا إلى برامج تطوير أسلحة دمار شامل.  

بومبيو: إيران بحاجة للمساءلة

وبناء على ذلك، تابعت إدارة ترامب بصدمة بالغة ورعب عميق حدث إطلاق الصاروخ «قاصد» في 22 أبريل، على مرحلتين، من صحراء مركزي في وسط إيران، ونجاحه في توصيل قمر استطلاع عسكري إلى مداره على مسافة 425 كم فوق سطح الأرض. وبذلك تتضم إيران إلى ’نادي النخبة‘ الخاص بالقوى العظمى لقدرتها على إطلاق قمر صناعي مخصص لأغراض عسكرية باستخدام مزيج من الوقود السائل والصلب في حاملات أقمار صناعية.

في هذا السياق، قال قائد فيلق حرس الثورة الإسلامية، «اللواء حسين سلامي»: «اليوم، نستطيع أن نرى العالم من الفضاء، وهو ما يعني اتساع نطاق عمل الاستخبارات والمعلومات الاستراتيجية لقوة الدفاع التابعة للحرس الثوري الإيراني». تم إنتاج جميع أجزاء القمر الصناعي، بما في ذلك الحاملة والقمرالصناعي، بمعرفة علماء إيرانيين ليبعث هذا الإنجاز المهم برسالة مؤداها أن العقوبات لا تشكل عائقا أما التقدم الإيراني.

اللواء «حسين سلامي» قائد فيلق حرس الثورة الإسلامية

من الواضح أن ترامب قد خسر جميع الخيارات التي كانت مطروحة أمامه؛ فقد ارتكب الرئيس الأمريكي خطأ جسيما عندما أمر بقتل قائد قوة القدس، الجنرال قاسم سليماني، في يناير الماضي. وبعد مرورمائة يوم على هذا الحدث، يتبين بجلاء أن قرار ترامب كان خطأ استراتيجيا، حيث لم يؤد مقتل سليماني إلى تعزيز آمال ترامب في الفوز بالانتخابات الرئاسية المقرر إقامتها في نوفمبر القادم، ولم يضعف من عزم إيران على قيادة ما يسمى بـ«محور المقاومة» في سوريا والعراق، وإنما أضعف – بدلا من ذلك – موقف الولايات المتحدة في العراق، كما فاقم من تعقيد الموقف الإيراني تجاه إدارة ترامب.

الجنرال قاسم سليماني قائد قوة القدس

كما ضاعفت الدبلوماسية الإيرانية- التي كانت في أدنى مستوياتها على مدى الشهرين الماضيين- من نشاطها مع خروج البلاد من أزمة كوفيد – 19. فقد قام وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف بزيارة إلى دمشق في الأسبوع الماضي، كما قام إسماعيل غاني، خليفة سليماني، بزيارة إلى بغداد. وفي لقائه بالرئيس السوري بشار الأسد، أكد ظريف أن «المسار الإيراني في دعم  ما يسمى بـ «المقاومة» لم ولن يتزعزع».

«جواد ظريف» مع «بشار الأسد» أثناء زيارته لدمشق

دور إيراني.. في أفغانستان

في هذه الأثناء أيضا، تحولت طهران إلى سياسة استباقية نشطة تجاه أفغانستان. فقد قام المبعوث الخاص للخارجية الإيرانية في شئون أفغانستان، محمد إبراهيم طاهريان، بزيارة كابول في 20 أبريل. وفي هذه المناسبة، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سيد عباس، إن «جهود إيران مستقلة، وتقع في إطار مصالح الحكومة والدولة الأفغانية. ونأمل أن تسفر هذه الجهود عن نتائج ملموسة، وأن تتشكل على إثرها حكومة أفغانية ممثلة لجميع الأطراف، مما يسمح بعودة الاستقرار والهدوء إلى البلاد وبدء محادثات أفغانية أفغانية».

محمد إبراهيم طاهريان أثناء زيارته للعاصمة الأفغانية كابول

كانت إيران قد تركت لواشنطن حرية التصرف في هذا الملف، لكنها الآن تتدخل بقوة في محاولة لتعزيز قوى القومية الأفغانية التي تشعر بالغضب إزاء النهج الأمريكي القائم على التدخل والتوجيه. وخلال الأسبوعين الماضيين، أجرى ظريف مشاورات بشأن أفغانستان مع نظرائه في كابول وأنقرة وبكين ونيو دلهي وموسكو والدوحة.

تبدو إيران عازمة بلا هوادة على تحدي الدور الذي نصبت فيه واشنطن نفسها كقائد لدفة التسوية الأفغانية. كما بات الانسحاب الأمريكي من العراق وأفغانستان يمثل أولوية قصوى على رأس جدول أعمال الاستراتيجيات الإقليمية لطهران.  

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: