منوعات

قصة آية (9) زيد بن أرقم.. الفتى الذي صدَّقهُ القرآنُ وكذَّبَ رأسَ النفاق

في رجوع الرسول منصوراً من غزوة المريسيع، التي جمع فيها بنو المصطلق لحرب المسلمين من قدروا عليه من قومهم ومن العرب، جرت وقائع عظيمة، نزل فيها قرآن كريم، كان منها ما جرى حيت اجتمع المسلمون على ماء المريسيع، وهو بئر قليل الماء، إنما يخرج في الدلو نصفه، أتى سنان بن وبر الجهني وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار، فأدلى دلوه وأدلى جهجاه بن مسعود الغفاري أجير عمر بن الخطاب، فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه، وتنازعا فضرب جهجاه سنانا فسال الدم، فنادى سنان: يا للأنصار، ونادى جهجاه: يا للمهاجرين، فأقبل جمع من الحيْيْن، وشهروا السلاح حتى كادت أن تكون فتنة عظيمة، فخرج رسول الله  فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟، فأُخبر بالحال فقال: (دعوها فإنها منتنة، ولينصر الرجل أخاه ظالما كان أو مظلوما، فإن كان ظالما فلينهه، وإن كان مظلوما فلينصره).

وكان عبد الله بن أُبيّ يَحْنَقُ على الإسلام والمسلمين، ولاسيما على رسول الله حَنَقًا شديداً، لأن الأوس والخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته، وكانوا ينظمون له الخَرَزَ ليتوجوه إذ دخل فيهم الإسلام، فصرفهم عن ابن أبي، فكان يري أن رسول الله  هو الذي استلبه ملكه‏، وحين سمع ما جرى عند ماء المريسيع كان عبد الله بن أبي جالساً مع بعض المنافقين، وفي القوم زيد بن أرقم وهو غلام لم يبلغ الحلم، فبلغ ابن أُبيّ صياح جهجاه: يا آل قريش، فغضب غضباً شديداً، وقال: لقد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منَّتنا، والله ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: «سمن كلبك يأكلك»، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضر من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم: أنزلتموهم بلادكم فنزلوا، وأسهمتموهم في أموالكم حتى استغنوا، أما والله لو أمسكتم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم.

أخبر زيد بن أرقم عمه بالخبر، فأخبر عمه رسول الله، وتغير وجه النبي، وقال: يا غلام لعلك غضبت عليه، قال: لا والله يا رسول الله، فقد سمعته منه، قال: لعله أخطأ سمعك، قال: لا والله يا رسول الله، قال: فلعله شُبِّه عليك، قال: لا والله يا رسول الله. وشاع في المعسكر ما قال ابن أبي، وليس للناس حديث إلا ما قال، وجعل الرهط من الأنصار يؤنبون الغلام ويلومونه، ويقولون: عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل، فقال زيد: والله لقد سمعت ما قال، ولو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله، وإني لأرجو أن ينزل الله على نبيه ما يصدق حديثي.

ولم يشعر أهل المعسكر إلا برسول الله قد طلع على ناقته القصواء، وكانوا في حر شديد، فرحل في تلك الساعة، وأخذ يستحث راحلته، ليشغل الناس عن الحديث فيما جرى، فلقيه أسيد بن حضير، فقال: يا رسول الله قد رحلت في ساعة منكرة، لم تكن ترحل فيها، فقال: «أو لم يبلغك ما قال صاحبكم؟»، قال: أي صاحب يا رسول الله؟، قال: ابن أُبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، فهو الأذل وأنت الأعز، والعزة لله ولك وللمؤمنين، ثم قال‏:‏ يا رسول الله، أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخَرَز ليتوجوه، فإنه يري أنك استلبته ملكاً‏.‏

أما عبد الله بن أُبيَ فقد نصحه قومه أن يأتي النبي فيطلب منه أن يستغفر له، فمشى إلى رسول الله فقال له: يا بن أُبي إن كانت منك مقالة فتب، فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد، ولا تكلمت به، فقال من حضر من الأنصار: عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل، يقول زيد بن أرقم: فصدَّقه رسول الله وكذَّبني، فجاء عمي الىَّ فقال: ما أردتَ إلا أن مقتك رسول الله وكذبك والمسلمون، قال: فوقع علىَّ من الهم ما لم يقع على أحد.

ولم يكد الصبح تبزغ شمسه وقبل أن يدخل الركب المدينة المنورة نزل الوحي على رسول الله بسورة المنافقين، وفيها قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ، يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، وأرسل رسول الله  إلى زيد بن أرقم فقرأها عليه،‏ ثم قال‏: (وَفَتْ أذنُك يا غلام، وصدَّق الله حديثك).

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق