منوعات

الطَّبلاوي.. قارئُ السَّجيَّة المُتَفَرِّدُ

حبا الله مصر بعطايا لا تعد، لكن تفردها بدولة التلاوة يعتبر عطية العطايا، هذا التفرد الذي أقر به القاصي والداني حتى قيل «نزل القرآن بجزيرة العرب، وخُطَّ بـ«استنبول» وقُرِئَ بمصر».

ودولة التلاوة المصرية روضة فيحاء تتعدد ثمارها اليانعة وفاكهتها الطيبة بكل ما تشتهيه الأنفس من الألوان والأشكال والروائح والأذواق.. إنها عالم من الجمال لا مثيل له تكتنفه الألحان الساحرة والموسيقى الشجية التي تنطلق من أصوات صفوة من القراء شكلوا حدثا متفردا يستحيل على التكرار على مدى تاريخ الإسلام.

 

كتَّاب الشيخ غنيم

في كُتَّاب الشيخ غنيم بناحية «ميت عقبة» بالجيزة، يبدأ الطفل محمد محمود الطبلاوي رحلته مع القرآن الكريم، في أواخر الأربعينات، والعالم يئن تحت وطأة الحرب العالمية، لكن الوالد الذي طال انتظاره لقدوم وحيده، وقد بُشِّر أن ولده سيكون ذا شأن؛ فأراد أن يضعه على أول الطريق ليكون من حفظة كتاب الله والعاملين به.

يلتقط الشيخ «غنيم» بأذنه المدربة صوت الطفل من بين أصوات أطفال الكتَّاب ويدعوه للقراءة منفردا، فيعجب من جمال صوته وقوته؛ فيحرص على اللقاء بأبيه ليطلعه على ما يجب عليه عمله لصون هذه النعمة الكبرى.

تنفرج أسارير الأب وهو يستمع باهتمام لكلمات الشيخ «غنيم» التي حملت الكثير من التوجيهات والإرشادات من أجل تأهيل الصبي للمكانة التي يستحقها.

في التاسعة من عمره يتم الشيخ الصغير حفظ كتاب الله، بعد أن ذاعت شهرته في منطقة «ميت عقبة» فكان يًدعى للقراءة في المناسبات المختلفة.. وكانت أهم تلك المرات يوم دُعي لإحياء حفل ببيت العمدة، وكانت نفحته خمسة قروش، طار بها إلى السوق وأنفقها كاملة في شراء طعام للأسرة تقديرا لدعمهم غير المحدود له.

يتزوج الشيخ في سن السادسة عشرة بعد أن رأى والده أن الزواج المبكر يقي ولده شرور تلك المرحلة السنية، وينقله بأمان إلى عالم الرجال، ورغم أن الشيخ الشاب كان قد أصبح «صييتا» في الجيزة والقاهرة والقليوبية، وكان دخله يسمح له بفتح بيت والإنفاق على أسرة، إلا أن والده أصرّ على أن يلحقه بوظيفة بشركة «ماتوسيان» للدخان وكانت شركة ضخمة تضم أكثر من 70 ألف عامل ويغطى إنتاجها مصر والسودان وإثيوبيا.. ولما كان مقر الشركة يضم مسجدا كبيرا تقام فيه جميع الصلوات نظرا لتواصل العمل ليل نهار.. تم تعيين الشيخ مقيما للشعائر؛ فكان يرفع الأذان ويقرأ القرآن  ويصلي بالعاملين.

قارئ الزمن الآتي

تقدم الشيخ للإذاعة المصرية تسع مرات، وفي كل مرة يُرفض بسبب عدم إلمامه بـ «النغم الموسيقي» ورغم عرض الموسيقار «محمد عبد الوهاب» عليه أن يعلمه المقامات الموسيقية بنفسه، إلا انه اعتذر بأدب؛ لأنه رأى أن طريقته في القراءة متفردة وتمثل حالة حرص على ألا يفقدها، وكان يقول «أنا اقرأ على طبيعتي بـ «السجية» وهذه هي الطريقة التي عُرفت بها واشتهرت وأحبني الناس بها فكيف أغيرها».

الموسيقار محمد عبد الوهاب

لكن السبب الأهم في شهرة الشيخ هو أن القدر ساقه ذات يوم للقراءة في إحدى المناسبات، وكان من بين الحضور الفنان مأمون الشناوي الذي كان يعمل مشرفا فنيا في شركة «منتصر» لإنتاج الاسطوانات، وقد انبهر «مأمون» بصوت الشيخ واصفا إياه بـ «قارئ الزمن الآتي». ويتحدث الكاتب «محمود السعدني»” عما أحدثته هذه الاسطوانات، فيصفه بالانفجار البركاني الذي جعل أجهزة الإعلام المصرية تنتبه لتلك الموهبة الفريدة.. وكان توزيع الشركة لا يقتصر على مصر بل يمتد للعديد من البلاد العربية، خاصة العراق الذي حظى فيه شيخنا بمكانة بارزة، وكان مما قاله عنه شاعر العراق الكبير حميد سعيد «إن هذا الصوت يحمل هموم وأحزان كل العرب القدامى والمحدثين؛ لذلك أنفجر باكيا كلما سمعته».

بركة دعاء الوالدين

وبالرغم من أن شيخنا كان قد أغلق موضوع التقدم للإذاعة بعد الرفض المتكرر إلا أنه لم يستطع رفض طلب الشيخ عبدالفتاح القاضي بالتقدم مجددا للإذاعة وكان الشيخ في السادسة والثلاثين، وقد جابت شهرته الآفاق، ويحكي «الطبلاوي» عن موقف قبوله بالإذاعة فيقول «…عندما وقفت أمام اللجنة قلت «بسم الله الرحمن الرحيم.. يا بركة دعاء الوالدين» وقبل أن أجلس ناداني رئيس اللجنة، وقال لي تعالي يا شيخ، فذهبت له مستفسرا بأنني لم أفعل شيئا يغضبه، فبادرني بقوله ” أنت مقبول بفضل دعاء الوالدين وكان ذلك في عام 1970».

الشيخ عبدالفتاح القاضي

ورغم ذلك فإن الشيخ لا ينكر فضل الإذاعة عليه وعلى غيره من المقرئين لأنها السبب الأول في سرعة الانتشار، «لكونها تدخل البيوت والأماكن العامة في شتى أنحاء الدنيا، وكان الشيخ عبدالفتاح القاضي يقول: الإذاعة كسبت الشيخ الطبلاوي لأنه إضافة لها».

لقد كانت صحبة شيخنا الطبلاوي للقرآن الكريم صحبة خير وبركة، فقد امتدت خدمته لكتاب الله لنحو ثمانية عقود زار فيها ما يربو على ثمانين دولة مشاركا في العديد من المحافل والمؤتمرات والمناسبات قارئا ومحكما في المسابقات، وهو ما اعتبره الشيخ أعظم حصاد لتلك الرحلة النورانية التي وهبه فيها كتاب الله بركات بلا حدود ومنحه الأمان والقناعة وأعزه ورفع قدره في الدنيا، فكان يُستقبل استقبال الملوك والرؤساء، ويحظى بحفاوة أمم تعلقت قلوبها بحب كتاب الله وتوقير قرائه.

ومما يفخر به الشيخ أنَّه قرأ القرآن الكريم في جوف الكعبة لدى مشاركته في غسلها بحضور العاهل السعودي الراحل الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود الذي أهداه قطعة من كسوة الكعبة.

 

ومن الدعوات التي يعتز بها، تلك التي تلقاها من الملياردير اليوناني الشهير «جون لاتسيس» ليتلو القرآن أمام جموع المسلمين لأول مرة في تاريخ اليونان.. وكذلك الدعوة التي وجهت إليه من قبل المسئولين بإيطاليا عن طريق السفارة المصرية لتلاوة القرآن الكريم بمدينة «روما» لأول مرة أمام جموع غفيرة من أبناء الجاليات العربية والإسلامية هناك.. وكذلك دعوته للقصر الملكي الأردني للقراءة في مناسبة وفاة والدة الملك حسين، وتكريمه في لبنان ومنحه وساما في ليلة القدر.. ولا ينسى «الطبلاوى» دخول عدد كبير من الحاضرين للإسلام بعد استماعهم لتلاوته لآي الذكر الحكيم في مدينة «دلهي» بالهند.  

 

وقد تقلد الشيخ الطبلاوي مناصب عدة، فكان عضوا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ولجنة القرآن والمستشار الديني بوزارة الأوقاف المصرية ونقيب قراء القرآن الكريم.

 ولا تخفى دلالة رحيل الشيخ الطبلاوي عن دنيانا أمس في يوم من أيام شهر رمضان المبارك، والذي كان الشيخ لا يكف فيه عن الانتقال بين الإذاعة والتليفزيون، ومساجد القاهرة لتلاوة القرآن الكريم الذي كان يحرص على ختمه مرة كل أسبوع في هذا الشهر الكريم.

وبرحيل الشيخ الطبلاوي تكون شجرة دولة التلاوة المصرية قد أسقطت آخر أوراقها، لنودع جيلا من القراء العظام لا يمكن تعويضه.. لكن الأمل في الله لا ينقطع، في ظهور أجيال جديدة توصل ما انقطع في تلك المسبحة النورانية التي أضاءت الدنيا لعقود، ولمع نجومها في شتى بقاع الأرض، ومثلوا جزءا هاما من قوة مصر الناعمة التي جعلتها في مكانة تليق بها بين الأمم- رحم الله شيخنا وأنزله منازل الأبرار.

مقالات ذات صلة

إغلاق