منوعات

عبد العظيم أنيس.. حكايات مع طه حسين والعقاد وهيكل

في منتصف عام ١٩٦٦ أصدرت «دار المعارف المصرية» العريقة ترجمة مُحكمة وبديعة من حيث اللغة العربية والتدقيق العلمي لكتاب بالغ الأهمية عن تاريخ مصر لمؤلف وعالم اقتصاد أمريكي كبير… 

الكتاب هو «بنوك وباشوات» لمؤلفه «داڤيدس.لاندز» أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا، أما المُترجم فهو الدكتور «عبدالعظيم أنيس» عالم الرياضيات الكبير، والمفكر الرائد، والسياسي صاحب الرؤية الماركسية الواضحة… 

وفي مقدمة أدبية بديعة تحدث «عبدالعظيم أنيس» عن هذا الكتاب الذي تجاوزت صفحاته ال ٣٠٠ صفحة من القطع الكبير، شارحاً ظروف وملابسات تّحمُسه لترجمته، فيقول: «منذ أكثر من عام دفع إليَّ بالنسخة الإنجليزية من الكتاب شقيقي الدكتور» محمد أنيس «أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، واقترح أن أقوم بترجمته لأهميته البالغة فيما يتعلق بتاريخ مصر الحديث، فالأغلب أن نجد الكتب المؤلفة في الغرب عن هذه الحقبة من تاريخ مصر، النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تحفل بالجانب السياسي من هذا التاريخ، والأندر أن تحفل بالجانب الاقتصادي الذي هو الأساس الحقيقي لعمليات الاستعمار الغربي الحديثة لكل بلدان آسيا وأفريقيا» 

الدكتور «عبدالعظيم أنيس»

بنوك وباشوات.. وحماس هيكل

ويضع الدكتور «أنيس» هذا الكتاب «بنوك وباشوات» في نفس المرتبة من الأهمية والخطورة مع كتاب، روزشتين، «خراب مصر» الذي ترجمه الأستاذان الجليلان «عبدالحميدالعبادي، ومحمد بدران» وكتاب «الاستعمار البريطاني في مصر» لمؤلفته الانجليزية «إليونور بيرنز»، فأغلب الكتب الغربية -في نظره- تتجه الى التحليل السياسي بما يتضمنه هذا التحليل التاريخي كثيراً من عيوب التفسير الشخصي للسلوك السياسي، ورّدُهْ الى المزاج النفسي لهذا الحاكم، أو ذاك وهو الأمر الذي لا يحدث عادة للتفسير الاقتصادي لأحداث التاريخ الكبرى. 

                 تيودور روزشتين وكتاب خراب مصر

غير أن الصُدفةْ لعبت دورها في ترجمة هذا الكتاب الخطير، فمطالبة الدكتور «محمد أنيس» بترجمة هذا الكتاب، واستعداد شقيقه للقيام بتلك المهمة الجليلة لم يكن كافيا لجعل الأمر حقيقة واقعة، فيقول الدكتور «عبدالعظيم»: 

«في لقاء مع الأستاذ محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير جريدة الأهرام الغراء ورّدّ ذكر هذا الكتاب عرضاً، وذكرت له ذلك الاقتراح بترجمة الكتاب، فوجدت منه حماساً بالغاً لهذا العمل، اذ كان قد سبقني إلى قراءته والاستشهاد في بعض مقالاته ببعض نصوصه، ومنذ ذلك الوقت كان لحماس الأستاذ هيكل ومتابعته الفضل الأكبر في إكمال ترجمة هذا الكتاب ونشره عَلى الناس»…

محمد حسنين هيكل

هذا الكتاب – وبدون أي قدر من المُبالغة – هو واحد من أهم الكتب الصادرة في الغرب عن تاريخ مصر في تلك الفترة، فقد استمد قيمته العلمية من دور المؤلف في الكشف عن آلاف الوثائق التي نُشرت في أكثر من عاصمة غربية عن قناة السويس، وعمليات السرقة والنهب والإحتيال التي وقع ضحية لها كل من الخديوي سعيد صاحب منح امتياز حفر القناة لمغامر فرنسي هو فرديناند ديلسبس، ثم كان ضحيتها الثانية شقيقه الخديوي اسماعيل الذي اُفتتحت القناة في عهده، أما مناسبة إقدام «داڤيدس لا ندز» على نشر كتابه الهام، فيرجع الى إحتفاء العالم بذكرى تأميم عبدالناصر للقناة وعودتها الى مصر…

هذا الكتاب الخطير، كان سبباً في معرفتي بالدكتور «عبدالعظيم» فقد كان ورفيق عمره الأستاذ «محمود أمين العالم» من كُتّاب مجلة المصور الأسبوعية خلال تلك الفترة الثرية، وحيث كان زميلهما ورفيقهما الثالث احمد بهاء الدين يرأس مجلس ادارة دار الهلال المصرية، والتي تصدر عنها المصور، وقد  استطاع بقدرته الإنسانية والفكرية الفذة أن يجمع حوله تلك الكوكبة الرائعة من مفكري هذا الزمان… 

ذلك هو زمن معرفتي الفكرية بهذا المفكر الكبير، وخلال حقبة السيتينيات المُبهرة، بيد أن المعرفة الإنسانية والسياسية تأخرت الى نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، حيث كان الدكتور «عبدالعظيم» من أعضاء «لجنة الدفاع عن الثقافة القومية» والتي كانت تقودها زميلته الدكتورة «لطيفة الزيات» وبصحبتها كوكبة من مُبدعي مصر منهم الدكتورة رضوى عاشور وصلاح عيسى وسيد البحراوي، رحمهم الله جميعاً، حيث احتضن حزب التجمع أعمال تلك اللجنة المُناضلة غداة توقيع الرئيس السادات اتفاقية كامب ديفيد، سنة ٧٨، والتي أعطاها، أي تلك اللجنة، الدكتور «عبدالعظيم أنيس» جُلّ جهده، فيما اكتفى بعضوية المؤتمر العام للحزب، واللجنة السياسية، رافضاً أي موقع قيادي أو مسئولية حزبية كاملة… 

وأذكر أن الدكتور أنيس كان دوما صاحب مواقف عروبية وقومية راسخة ومضيئة  ويحضرني هنا أنه في المؤتمر العام لحزب التجمع سنة ١٩٨٤ فرض الدكتور «عبدالعظيم» عَلى المؤتمر مُناقشة قضية «الإتفاق الأردني الفلسطيني، أو الخيار الأردني» حيث لاحظ أن المؤتمر لم يطرح هذا الإتفاق الخطير عَلى جدول أعماله، وتحدث يومها الدكتور «عبدالعظيم» مُطالباً الحزب برفض هذا الاتفاق الذي يقوم عَلى انشاء دولة واحدة تضم جزءاً من فلسطين والأردن، وهو ما رأى فيه تفريطاً في قضية حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية، والعودة للوضع القديم الذي كانت فيه الضفة الغربية تابعة للأردن، وقال يومها، وبلغة حاسمة لا تحتمل أي غموض، رداً عَلى ذلك النهج الذي كان يقول «نقبل ما تقبله منظمة التحرير الفلسطينية، ونرفض ما ترفضه منظمة التحرير الفلسطينية» قال «أنه من الخطأ الكبير الوقوع في هذا النهج، فقضية فلسطين هي قضية أمن قومي مصري، بل والشعب العربي كله، ولا تّخُصْ منظمة التحرير وحدها، ونحن في مصر دخلنا في حروب مع إسرائيل وقدمنا عشرات الألاف من الشهداء، وبالتالي فمستقبلنا مٌرتبط بهذا الصراع وعلى هذا الأساس فلا نستطيع أن نُسلم رقبتنا للقيادة الفلسطينية إذا وافقت عَلى شئ لابد أن نوافق عليه كلمات حاسمة، وصارمة، تُعيد الى الأذهان ذلك النهج الذي أخذه زميله في معسكر القوميين المصريين والعرب، عصمت سيف الدولة فثمة تشابه كبير بين الرجلين عَلى أكثر من صعيد» 

د. عصمت سيف الدولة

واذا كُنا قد أتينا عَلى رحلة الدكتور «عصمت» في الحياة والفكر والنضال في إطلالة سابقة، فماذا عن «عبدالعظيم أنيس» وسيرته العطرة، ورحلته الصعبة؟؟

محطات

سوف أكتفي في تلك السيرة بثلاث محطات، «الميلاد، والإنتماء، والعطاء» فمن الصعب إلى حد المستحيل الإتيان عَلى كل مراحل حياته التي شملت الكثير من التضحيات والمعارك والأفكار، والتي أسفرت بدورها عن الكثير من الدروس والعبر، لخصها عنوان كتاب له هو «رسائل الحب والحزن والثورة» وهو يضم خطابات شخصية مُتبادلة مع زوجته، عايدة ثابت، رحمها الله، الصحفية المصرية المُناضلة، خلال فترة عصيبة من تاريخ مصر الحديث، كان فيها مُعتقلاً في سجن الواحات، اذ لم يكن قد مّضىّ عَلى زواجه بها سوى أقل من ثلاثة أشهر، عندما بدأت رياح العواصف العاتية، والصدام في الظلام عَلى حد تعبير رفيقه «أنور عبدالملك» الصدام بين «دولة يوليو وبعض فصائل اليسار الماركسي» وهي الفترة التي بدأت مع اليوم الأول من يناير ٥٩ وانتهت في أبريل  من سنة ١٩٦٤ عندما بدأت المُصالحة الكُبرىّ بين الناصريين والتنظيمات الشيوعية المصرية والمشاركة السياسية في التنظيمات الحزبية للدولة، الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي…

في شهر يوليو عام ١٩٢٣ ولد «عبدالعظيم أنيس» في حي الأزهر لوالدين لهما ثمانية من الأبناء، أربعة ذكور وأربع إناث، وكان ترتيبه السابع بين إخوته ولا يصغره إلا شقيقة واحدة، وكان البيت يقع بالقرب من الجامع الأزهر، وقد أدى شقيقه الأكبر «ابراهيم أنيس» المُثَقَّف والشاعر الكبير والذي عاصر ثورة ١٩١٩ واقترب من زعيمها، سعد زغلول، أدى تجاه شقيقه «عبد العظيم» أدواراً حاسمة في حياته، ومنها توجيه مسيرته العلمية، فمع عشقه للفلسفة والآداب وهو في سنوات المرحلة الثانوية، وتفوقه المُذهل في الوقت نفسه في الرياضيات، فقد نصحه شقيقه «ابراهيم» بدراسة الرياضيات، حيث لا يمكن تحصيلها إلاّ بين جدران كلية العلوم، فيما يستطيع الإلمام بعلوم الفلسفة والسياسة والاجتماع والآداب من المكتبات العامة، ومن مكتبته هو شخصياً، والذاخرة بمجلدات من التراث العربي والإسلامي والأعمال الأدبية القديمة والحديثة، فما كان من الشقيق الصغير إلا أن انصاع لنصيحة شقيقه الكبير…

د. إبراهيم أنيس

وبين جدران كلية العلوم بجامعة الإسكندرية، تبدأ المرحلة الثانية من حياة الدكتور «أنيس» حيث التقى خلالها بالدكتور «معبود الجبيلي» وزير البحث العلمي في السبعينيات، كان «الجبيلي»، معيداً بقسم الكيمياء، وكان محل انتباه الأنظار بالكلية لتفوقه العلمي وذكائه واهتمامه بالشؤون العامة، وشيئا فشيئاً أدرك «أنيس» أن زميله مُرتبط بشكل ما بتنظيمات ماركسية غير مُعلنة، وسرعان ما توطدت أواصر الصداقة بينهما، فأعاره بعض الكتب الماركسية باللغة الإنجليزية مثل «ما هي الاشتراكية» لإميل بيرنز، وكتاب «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» لفلاديمير لينين، ومٌلخص لكتاب «رأس المال» لماركس، وكتب أخرى تُرضي اهتمامه وشغفه بالفلسفة مثل كتاب «الأيديولوجية الألمانية» و«ضد دوهرينج» لماركس، وكتاب «المادية والنقد التجريبي» للينين، ومع التهامه لهذه الكتب التهاماً، أدرك «أنيس» في فترة لاحقة، درساً هاماً، وهو أن «الفهم الحقيقي لا يتحقق إلاّ بمعرفة السياقين الاجتماعي والثقافي اللذين أُلِفت فيهما هذه الكتب» ويستدرك الدكتور «عبدالعظيم أنيس» وبنص ما جاء في كتابه البديع «ذكريات من حياتي» الصادر عن دار الهلال المصرية عام ٩٨ بالقول «أن أهم كتاب أثار اهتمامي آنذاك هو في الحقيقة كتاب إنجلز» جدل الطبيعة «وهو محاولة من المؤلف، عَلى ضوء اكتشافات العلوم الطبيعية في القرن التاسع عشر، لاستخلاص قوانين الجدل من تلك الاكتشافات، وهذا الكتاب بالذات كان محل انبهاري الشديد في تلك الفترة من شبابي لأنه بدا لي أنه يقدم تعميماً مُثيراً لبعض النتائج العلمية في الرياضيات والفيزياء والبيولوجي، لم أسمع به من قبل، ولقد لفت نظري عَلى وجه الخصوص كيف أكون رَجُلاً مثل إنجلز يكون على هذا المستوى من المعرفة مع أنه غير مُتخصص في العلوم »!!

بدأت المرحلة الثالثة من حياة الدكتور «عبدالعظيم أنيس» عندما سافر الى بريطانيا للحصول عَلى درجة الدكتوراه في الإحصاء الرياضي، بمفارقة غريبة، حيث استدعاه «فؤاد سراج الدين» وزير الداخلية في آخر حكومة لحزب الوفد قبل ثورة يوليو، استدعاه هو وزميله «محمد عجلان» لمكتبه بوزارة الداخلية في لاظوغلي، ليناقشهما في أفكارهما السياسية، وبعد أن تحدثا عن رؤيتهما في ضرورة الإصلاح الزراعي لمعالجة الخلل الاجتماعي الرهيب في الريف، وضرورة التأميم وخصوصاً لشركة قناة السويس، وحقوق الحركة العمالية النقابية، وبعد ساعات من الحوار الطويل، أدرك «أنيس» الهدف من هذا الاستدعاء، وهو إبلاغهما أن تقارير القسم المخصوص، أي البوليس السياسي تقول، أنهما لازالا في نشاطهما السياسي الشيوعي، وهو ما نفاه «أنيس» وزميله، واصفاً تلك التقارير بالكاذبة، وأنه متوقف عن أي نشاط سياسي لتأهيل نفسه علمياً قبل سفره للحصول عَلى الدكتوراه… 

وبعد نحو ثلاثة أعوام عاد، «عبدالعظيم أنيس» إلى مصر حاملاً درجة الدكتوراه ليعمل مدرساً بكلية العلوم جامعة القاهرة، لكن سرعان ما يعود مرة ثانية إلى بريطانيا فى سنة ١٩٥٥ للعمل أستاذاً في كلية العلوم الملكية البريطانية بجامعة لندن، بعد أن دخلها طالباً، فقد وجد نفسه مفصولاً من الجامعة هو وصديق عمره «محمود أمين العالم» في حملة التطهير من الجامعة التي طالتهما عام ٥٤، وفي عودته الثانية تصادف أن شّنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل حربهم العدوانية عَلى مصر في سنة ١٩٥٦، فماذا عساه أن يفعل؟؟

كان «أنيس» وخلال فترة وجوده في بريطانيا يُرسل مقالاته إلى صديقه «إحسان عبدالقدوس» ليتم نشرها في مجلة روزاليوسف، مُدافِعاً عن سياسة عبدالناصر التي عّبّرّ عنها في مؤتمر باندونج ودعمه لثورة الجزائر وكسر احتكار السلاح ثم تأميم قناة السويس… 

وعندما وقع العدوان الثلاثي تعاون الدكتور «عبدالعظيم» مع «حركة تحرير المُستعمَرات» التابعة للجناح اليساري من نواب حزب العمال البريطاني، توني بن وهارولد لاسكي وغيرهم، والتي قامت بتنظيم مؤتمرات حاشدة في غالبية المدن البريطانية مناهضة للعدوان عَلى مصر، كان هو المتحدث الرئيسي فيها، وانتهت إلى اجتماع ميدان «الطرف الأغر» في قلب العاصمة البريطانية بعد بدء العدوان الثلاثي عَلى مصر بأيام، مُقدماً استقالته من جامعة لندن كأستاذ، رفعاً للحرج عن زملائه من الأساتذة البريطانيين، ثم يعود إلى مصر عبر الخرطوم ليصل القاهرة في نهاية شهر ديسمبر من عام ١٩٥٦ ليعرض عليه خالد محيي الدين العمل معه في جريدة المساء، ليتحول من أستاذ جامعي إلى صحفي في بلاط صاحبة الجلالة…

في معتقل الواحات

يبقى جانبان من حياة تلك الشخصية الفذة «العالم والمفكر» وهما جانبان كان فيهما من الصدق ودرجة الشجاعة والوضوح ما يمكن وصفه بالمذهل، فصفة «العالم» لم تُفارقه وحتى وهو خلف أسوار الإعتقال، فقد أنجز خلال عام واحد، المسودة الأولى من كتابه «العلم والحضارة» الذي صدر عام ١٩٦٧، ولكن من الطريف التوقف عند تلك الواقعة الإنسانية الرائعة، كان «محمد سيد أحمد» زميله في معتقل الواحات حاصلاً على بكالوريوس الهندسة من إحدى أهم الجامعات البريطانية، وفي الوقت نفسه حاصلاً عَلى ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، وخّشيّ أن يفقد معلوماته الهندسية في ظل هذا الغياب والفراغ الموحش وهم في عمق الصحراء، فوجد ضالته في الدكتور «عبدالعظيم» ليستعيد معه معلوماته في علوم الرياضيات الأكاديمية الرفيعة، وبعد أن رفض الدكتور «عبدالعظيم» أداء تلك المهمة الصعبة في بادئ الأمر، لعدم توافر المراجع في داخل مكتبة المعتقل، سرعان ما وجدها فرصة لاستعادة لياقته العلمية مع عقلية فّذة، كعقلية «محمد سيد أحمد» وبات الإثنان بعد سنوات الإعتقال يدين كُلّاً منهما بالفضل للآخر!!  

مع طه حسين

تبقى صفة المُفكر، ولا أجد تجسيداً لها أفضل من كتابه المُشترك مع زميله «محمود أمين العالم» في الثقافة المصرية والذي صدرت طبعته الأولى في عام ١٩٥٥ وقد تناولا بالنقد والدراسة التحليلية الرائدة أعمال الأساتذة «طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ والشرقاوي وعبدالرحمن بدوي وآخرين»، والذي أحدث ضجة ظلت أصداؤها حتى اليوم في الأوساط الأدبية والفكرية، فقد قال الأستاذ «العقاد» عن كاتبيه، عبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم، «إنني لا أُناقشهما، وإنما أضبطهما، إنهما شيوعيان»!!

فقام الدكتور «أنيس» والأستاذ «العالم» بالرد علي العقاد في مقال عنيف كان عنوانه «عبقرية العقاد» وهو الأمر الذي أغضب الدكتور طه حسين أشد الغضب، ويحكي الدكتور «أنيس» مشاعر الأستاذ العميد الغاضبة في كتابه الرائع «علماء وأدباء ومفكرون» الصادر عن مؤسسة الأبحاث العربية في بيروت عام ٨٣ فيقول: 

«في هذا الجو المحموم، وبعد صدور مقال، عبقرية العقاد، بيومين ذهبت إلى نادي القصة، ولم أكن أدري أنني في طريقي إلى لقاء عاصف مع طه حسين، فلم أكد أجلس عَلى أحد مقاعد الغرفة حتى بادرني قائلاً «أنا زعلان منك، كيف تسمح لقلمك أنت وصديقك أن يشتد في الهجوم عَلى الأستاذ العقاد إلى هذا الحد؟» وبُهتُ برهة، ثم بدأت أشرح وجهة نظري في الموضوع كله، لم يقتنع ولم يكن في الحقيقة مُنصتاً لما أقول… وخرجت من نادي القصة حزيناً مهموماً لأنني لم أكن أحب أن أراه غاضباً الى هذا الحد»…

عباس العقاد، وطه حسين

وقد كان اللقاء الأول لأنيس مع طه حسين هؤثرا بشكل إيجابي في نفسه، فيقول الدكتور «عبدالعظيم» عن هذا اللقاء الإنساني والتربوي الجميل:

«انتهز طه حسين الفرصة لمشاغبتي حول ما أكتبه في قضايا الفكر والأدب، وبدأ سائلاً لي، ما علاقتك بالأدب وأنت أستاذ في العلوم» وعندما انتهيت من شرح أسباب حبي للأدب، تجرأت وسألته رأيه فيما أكتب أنا وزميلي محمود أمين العالم فقال: «ينبغي أن تزيدا من قراءاتكما، وألاّ تكونا ضيقيْ الأفق في نظرتكما، أنكما تتياسران عَلي وتظنان أني على يمينكما، هل كتب أحدكما شيئاً كـ «المعذبون في الأرض!»…

وطبعاً أجاب الدكتور «عبدالعظيم» بالنفي، ومن يجرؤ أن يقول أنه تجاوز الأستاذ العميد في يساريته وتقدميته !!…»

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: