منوعات

قصة آية (10) أسماء بنت أبي بكر.. المرأة التي تصدت لجبروت الحجاج

عاصرت هجرة النبي وبصحبته أبيها إلى المدينة، وكان لها دور بارز في نجاح خطة الهجرة، وفوات أمر كشفها على الكفار والمشركين، وجاهدت في سبيل دينها منذ الصغر وحتى وفاتها وكانت آخر من مات من المهاجرين والمهاجرات.

هي أم عبد الله بن الزبير أسماء بنت أبي بكرالصديق، كان إسلامها قديماً بمكة، وكانت أسن من عائشة أم المؤمنين وهي أختها لأبيها‏، وكان لها في هجرة الرسول  مواقف مشهودة، وكانت تحمل الطعام الى النبي وأبيها في غار ثور، وظلت صامدة صابرة، بعد هجرة أبيها، حسنة التصرف والتدبير، وضربت المثل في الشجاعة وواست أهلها، وكان أبوها  قد تركهم بدون مال، وأفاضت عليهم من رعايتها الكثير.

هاجرت هي وزوجها إلى المدينة وهي حامل في ابنها عبد الله، فوضعته بقباء، وكان أول مولود في الإسلام بالمدينة، وحُمِل إلى الرسول فقبّله وحنّكه، وحمله المسلمون وطافوا به المدينة مهلليـن مكبرين.

وكانت رضي الله عنها تؤثر رضا الله تعالى، وتجعل دونه كل رضا، ويُروى أن أمها قتيلة بنت عبد العزى، (وكانت مشركة، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية)، قدمت عليها بهدايا فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها إلى بيتها، وقالت لأمها: لا أقبلها حتى يأذن لي رسول اللَّه، وأرسلت من فورها إلى أختها عائشة، قالت: سلي رسول الله، فقال: لتدخلها، ولتقبل هديتها، فأدخلتها أسماء، وقبلت هديتها، وأنزل الله تبارك وتعالى في آيات سورة الممتحنة: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)، إلى قوله:(وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

عاشت أسماء إلى أن ولي ابنها عبد الله بن الزبير الخلافة، وكانت لها معه مواقف يتضح منها معدنها النفيس، خاصة لما حاصره الحجاج الثقفي في مكة، وكان ابنها عبد الله يشاورها، دخل عليها بعد أن خذله أنصاره، فقال لها: يا أماه ما ترين؟ قد خذلني الناس، وخذلني أهل بيتي، فقالت: لا يلعَبنَّ بك صبيان بنى أمية، عِ كريماً أو مِتْ كريماً، فخرج فأسند ظهره إلى الكعبة، ومعه نفر يسير، فجعل يقاتل في شجاعة جيش الحجاج، ولما ناداه الحجاج ليقبل الأمان ويدخل في طاعة أمير المؤمنين، دخل على أمه أسماء، فقال لها: إن هذا (يعنى الحجاج)، قد أمَّنني، قالت: يا بني، لا ترضَ الدنية، فإن الموت لابد منه.

وهي صاحبة المقولة الشهيرة التي قالتها لابنها حين قال: إني أخاف أن يمثَّل بي الحجاج، قالت: يا بنى ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها، عندئذٍ خرج فقاتل قتالاً باسلاً حتى استُشهد، وأقبل عليه الحجاج فحز رأسه، ثم بعث بها إلى عبد الملك بن مروان، وصلبه منكسًا.

وصبرت أسماء الصبر الجميل وكانت تقول: «ما يمنعني من الصبر وقد أُهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل»، وحين مر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما على عبد الله بن الزبير وهو مصلوب، فقال له: السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد نهيتك عن هذا ثلاثاً، أما والله ما علمت إن كنت لصواماً، قواماً، وصولاً للرحم، وإن أمة أنت شرهم لأمة صدق.

فلما بلغ ذلك الحجاج أمر به فطرح في مقابر اليهود، ثم أرسل إلى أمه أن تأتيه، فأبت أن تأتيه، فأرسل إليها: لتأتين أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك حتى يأتيني بك، فأرسلت إليه: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، تقول الرواية: فلما رأى ذلك لبس سبتيه، وخرج يمشي باستعلاء وتكبر حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعبد الله؟، قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وقد بلغني أنك كنت تعيره بابن ذات النطاقين، وقد والله كنت ذات نطاقين، أما أحدهما، فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، وأما الآخر، فإني كنت أرفع فيه طعام رسول الله وطعام أبي، فأي ذلك ـ ويل أمك ـ عيَّرته به؟

ثم نظرت في عيني الحجاج وهي تقول: كان رسول الله يحدثنا أنه سيخرج من ثقيف رجلان، كذاب، ومبير، فأما الكذاب فابن أبي عبيد، وأما المبير[1] فأنت (والمبير هو المسرف في إهلاك الناس وقتلهم)، فانصرف عنها ولم يراجعها.

ظلت أسماء بنت أبي بكر صابرة صامدة تتمنى ألا تموت حتى يُدفع إليها ابنها لتغسله وتدفنه، حتى جاء كتاب الخليفة عبد الملك بن مروان أن يدفع بعبد الله إلى أهله، فقامت أمه على غسله وتطييبه، وصلّت عليه ثم دفنته، ولم تمكث إلا بضعة أيام حتى لحقته إلى الرفيق الأعلى في آخر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين للهجرة، وكانت قد فقدت بصرها، ولم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل.

———————————-

[1] مُبِيرٌ: أَي مُهْلِكٌ يُسْرِفُ في إِهلاك الناس. يقال بارَ الرَّجُلُ يَبُور بَوْراً وأَبارَ غَيْرَهُ فهو مُبِير، ودارُ البَوارِ دارُ الهَلاك (لسان العرب).

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: