منوعات

قصة آية (١١) أبو طلحة الأنصاري.. صاحب الصدقة الرابحة

كانت أم سليم والدة الصحابي أنس بن مالك سبب إسلام أبي طلحة الأنصاري، فقد رُوي أن زوجها مالك خرج إلى الشام؛، ومات هناك، فجاء أبو طلحة وخطبها، ولمّا كلّمها في ذلك قالت له: يا أبا طلحة ما مثلك يُرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة، لا يصلح لي أن أتزوجك، فقال: ما مهرك؟، قالت: وما مهري؟ قال: الصفراء والبيضاء، يقصد الذهب والفضة) قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام، فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره، قال: فمن لي بذلك؟، قالت: لك بذلك رسول الله فانطلق أبو طلحة إلى رسول الله وهو جالسٌ بالمسجد فقال النبي لأصحابه: جاءكم أبو طلحة غرة الإسلام بين عينيه، وأخبر الرسول بما قالت أم سليم، ثمّ نطق الشهادتين وأسلم، وتزوّجها على ذلك، فكانت أعظم النساء مهراً، لأنّها رضيت بالإسلام مهراً لها.

كان بيت أبي طلحة من أحب بيوت المسلمين إلى النبي فكان يقيِّل فيه، وكان يلاعب ولده الصغير، وكان يكنى أبا عمير، وكان له نغر (عصفور صغير) يلعب به، فمات، فدخل النبي فرآه حزيناً، فقال: ما شأنه؟، فقالوا: مات نغره، فقال: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟، ومرض الصبي مرضاً شديداً، وتضعضع أبو طلحة لمرضه، ولما مات الصبي، قالت أم سليم: لا ينعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي فسجت عليه، ووضعته في جانب البيت، وجاء أبو طلحة من عند رسول  حتى دخل عليها ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه فقال: كيف ابني؟، فقالت: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة، وأرجو أن يكون قد استراح، فأتته بعشائه فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم، قال: فقام إلى فراشه فوضع رأسه، ثم قامت فتطيبت، وتصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب فكان منه ما يكون من الرجل إلى أهله.

فلما كان آخر الليل قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا قوماً عارية لهم، فسألوهم إياها، أكان لهم أن يمنعوهم؟، فقال: لا، قالت: فإن الله عز وجل كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر، فغضب، وقال: تركتني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيت إليَّ ابني، ثم استرجع، وحمد الله، فلما أصبح اغتسل، ثم غدا إلى رسول الله فصلى معه فأخبره، فبشره النبي ودعا له: بارك الله لكما في غابر ليلتكما، وثقلت أم سليم من حملها تلك الليلة، وقال الرسول: إذا ولدت فأتوني بالصبي.

ولما ولدت قالت أم سليم لابنها أنس: يا أنس لا يَطْعم شيئاً حتى تغدوا به إلى رسول الله، وبعثت معه بتمرات، فأخذ النبي بعض التمر فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يمص بعض حلاوة التمر فقال: انظروا إلى حب الأنصار التمر، ومسح وجهه آيةوسماه عبد الله، فما كان في الأنصار شاب أفضل منه، وخرج منه رجال كثير.

كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه ببرحاء، وكانت حديقة يدخلها رسول الله ويستظل بها، ويشرب من ماء فيها طيب، وكانت مستقبلة المسجد، قال أنس: فلما أنزلت الآية: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)، وإن أحب أموالي إليَّ ببرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله: بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.

وكان أبو طلحة يُكثر من الصيام بعد وفاة النبي حتى صام أربعين سنة، لم يفطر فيها إلا العيدين، وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان أراد المسلمون الغزو في البحر، وكان حينها أبو طلحة رجلٌ كبيرٌ في السن، وعلى الرغم من صعوبة الغزو في البحر وعناء الكبر إلا إنّ أبا طلحة أخذ يجهّز نفسه للخروج مع المسلمين، وهو يقرأ قوله تعالى: (انفروا خفافاً وثقالاً)، ويقول: إن ربي يستنفرني شاباً وشيخاً، فقال له بنوه: غزوت مع النبي حتى قبض، ومع أبي بكر وعمر، فنحن نغزو عنك، فقال: جهزوني، وخرج للقتال، وبينما هو على ظهر السفينة في وسط البحر، مرض مرضاً شديداً توفّي على إثره، فأخذ المسلمون يبحثون عن يابسةٍ ليدفنوه فيها، ولكنّهم لم يجدوا إلا بعد سبعة أيام، ودُفن أبو طلحة وحيداً بعيداً عن الأهل والوطن في جزيرةٍ نائيةٍ، فكانت حياته ووفاته في سبيل الله.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق