منوعات

كورونا.. تأملات في أزمة وجودية

    هي لحظة فارقة في تاريخ العالم، ها هو كلام أولريش بيكعالم الاجتماع الألماني– عن المخاطر العالمية يتجلى كأوضح ما يكون، فوباء كورونا يبدأ من الصين فأوروبا فأمريكا فكل أرجاء العالم، ليتجلى لنا كيف أن المخاطر التي تهدد بقعة واحدة من الأرض أصبح في متناولها أن تهدد كل أركان الكرة الأرضية لأنها أصبحت قرية صغيرة بسبب تقدم وسائل المواصلات وثورة الاتصالات، وفي ظل هذه الأزمة وبدلاً من أن يكون العالم كتلة واحدة أصبحت كل دولة تبحث بمفردها عن كيفية وقاية مواطنيها من هذا الوباء، فالدول تبحث عن خلاصها الذاتي، وداخل الدول الأفراد كل علي حدة يبحث عن نجاته الخاصة، وذلك على الرغم من أن انتشار الوباء الجماعي في العالم يستلزم البحث عن خلاص كلي للعالم أيضا.

أولريش بيك

    ومن منطلق وجودي كمواطن يعيش على أرض مصر يمكن لي أن أصف الحالة التي أمر بها حيث سبق لي أن كنت في مواجهة مع محنة إعاقة ابني المولود في فبراير عام 2004، والآن نحن نواجه الموت مع وباء كورونا، فكيف لي أن أصف حياتي الخاصة ومشاعري الداخلية تجاه ذاتي وتجاه المحيطين من حولي.

    منذ بضع سنوات أعيش ويعيش مجتمعي علي بحر من الخوف، الخوف من الغد، والخوف من صعوبة الحصول على لقمة العيش، والخوف من الفقر، والخوف من الحصار من مجرد الكلمة، واليوم يضاف إلينا خوف جديد من امكانية انتشار وباء جرثومي يهدد العالم، وهذا الخوف الذي يجتاح العالم تراه المجتمعات التي تقدس الحياة والإنسان بصورة، وأراه أنا وأبناء مجتمعات القهر والخوف والعوز بصورة آخري مغايرة عما يراه عالم الرفاه، فأنا أراه مزيدا من الخوف في هرم الخوف المتصاعد ولا شيء أكثر، فالناس في بلادي تموت كل يوم بالمرض، وتموت كل يوم على أرصفة الطرقات، وفي حوادث القطارات، وغرق العَبارات، وفي السابق ماتوا من فيروس الالتهاب الكبدي بالملايين، فلا قيمة لحياة الإنسان في بلادي، ولا قيمة لحرية الإنسان ووجوده، والناس حولي في المنطقة العربية المنكوبة تموت من الحروب والجوع والحصار والتدمير.

    ماذا سيفعل كورونا هذا الكائن الغامض فينا؟ هل سوف يميت فينا الكثير من الأرواح؟ لن يكون هذا الكائن الغامض أشد قسوة علينا ممن كسروا الحلم بداخلنا ونحن أحياء، لن يكون كورونا أقوي ممن يميتونا تحت وطأة القهر والظلم والخوف فنحن أمة يموت فيها كل يوم جزء منها، أمة مهزومة ومكسورة كسرها من يحكمونها، وأفقرها من يديرون شئونها، وأذلهم الفقر والعوز، فقد نخير كأمة فقيرة بين الموت من الوباء –لو استفحل الأمر– وبين الموت من الجوع، وخيار الموت من الوباء أسهل لنا لأنه قصير المدي، ولكن الموت من الجوع أصعب وأشق لأنه خيار طويل المدي.

أنا وأسرتي وكورونا

أنظر إلى أفراد أسرتي بالمنزل، وقد اخترنا سماع التعليمات الحكومية بضرورة لزوم البيت، فأنا خائف عليهم كأي أب نحاول أن نسمع الإرشادات التي توجه إلينا، وكان اجتماعنا أنا وأبنائي بالمنزل هو شيء جميل نتناول الطعام سوياً، ونتداول أطراف الحديث، ونحول أن نخفف من حدة الخوف بالمؤانسة الإنسانية، مع الحرص على نظافة المنزل وتطهيره ونظافتنا الشخصية، فقد فرضت الإقامة الجبرية ضرورة تواجدنا جميعاً في المنزل كل الوقت، شيء واحد فقط يخيفني هو خوفي عليهم، وكان تشديدي عليهم بعدم الخروج، وأنني ووالدتهم من سنقوم بالخروج لقضاء احتياجاتنا المعيشية، وحين يزداد الخوف بداخلي عليهم كنت أنظر إلى وجه باسل -ابني المعاق- الذي رزقت به منذ ستة عشر عاماً، وأتذكر كيف كنت أتمني من الله أن لا يعذبه ويعذبني، ولكن على مدار ستة عشر عاما لم يسبب لي أي مشكلة، ولم يتم حجزه في المستشفى، في حين دخل الأصحاء المستشفيات وأجروا العمليات، وهنا أيقنت أن الحياة والموت بيد الخالق ولا حيلة للإنسان فيهما، وأصبحت أميل إلى التصوف وتحررت تدريجياً من الخوف الذي يمكن أن يكبلني طوال الوقت، ورميت همومي في سفينة القدر مسلماً أمري إلى الله برضا، وينتهي التأمل والتذكر بالإحساس بالراحة بأن الله سيكون ألطف بنا وعلينا، فقط علي أن أخذ بالأسباب، وأدع مخاوفي مسلماً أمري وأمرهم لقدر الله.

    ومع حظر التجوال كان لذلك انعكاس سلبي على نفسي فأنا أعيش وأسرتي في سجن، فأولادي لم يتعودوا علي «حبسة المنزل»، والجلوس فيه بشكل مستمر، وتخفف عنهم وسائل التواصل الاجتماعي بالتواصل مع أصدقائهم، ولكنها لا تعوضهم حقهم في الحركة، في حين أجلس في غرفتي متأملاً حياتي كحياة السجين، الذي قيدت حركته، وسلبت حريته، ويتم زرع الخوف بداخله بأن حياته مهددة، أنظر إلى من حولي فأجدهم يعيشون نفس الحال، فالسجن جماعي على أرض الوطن، وفى العديد من بقاع العالم، هكذا يتحول العالم ابتداء مني وأسرتي ثم مجتمعي، فالإنسانية جمعاء إلى بشر مسجون ومسكون بالخوف، لم أعش هذا الحال من قبل فثمة فارق كبير أن تحيا وأنت راغب في عزلة اختيارية وبين أن تحيا في عزلة جبرية تكون فيها مسكوناً بالخوف، فالكرة الأرضية، والدول، والمدن، والمنازل أصبحت سكنات معزولة مسجونة ويقطنها الخوف. 

       

    وعلي الرغم من ميلي الطبيعي للعزلة من أجل البحث والقراءة فلم يجد في حياتي جديد، فقط حرمت من أن أخرج في الصباح لكي أقف على عربة الفول لأتناول الطعام مع البسطاء من أبناء وطني وأخوتي أصبح ذلك أمراً صعباً، وخروجي للعب بالعجلة مقيد بفترة الحظر، ولقائي بالأصدقاء أصبح ممتنعا، فقط يكون نزولي للتسوق وشراء الطعام للبيت، وأكون وقتها مسكوناً بالخوف والحذر من العدوي حتى لا أعود بها لأبنائي، وحين أنزل أتأمل في وجوه البسطاء الذين خرجوا إلى السوق من أجل لقمة العيش لا دراية لهم بما يحدث، ولا يشغلهم كورونا وغيرها، فكل همهم كيف سيحصلون على لقمة العيش لهم ولأبنائهم، فالخوف من الموت جوعاً لديهم أشد من الخوف من الوباء والمرض، وإرادة الحياة عندهم أقوى من الخوف من شبح الموت والوباء.

مشاعر متناقضة

    وأعود إلي منزلي لكي أتأمل ماذا لو انتشر الوباء ووضع الشعب بأكمله تحت العزل والإقامة الجبرية، وتوقفت الحياة، وتوقف دولاب العمل، من سيعول الملايين من هذا الشعب الفقير؟ ومن سيطعم هؤلاء الذين يعيشون يوما بيوم مثل عمال التراحيل، وعمال البناء، والصنايعية، وقطاعات كبيرة من أبناء الوطن؟ كيف ستتصرف دولة فقيرة ومديونة مع شعبها؟ وكيف سيتكافل الناس مع بعضهم البعض؟ ما أشقي وعي الذي يفكر في كل شيء، أشعر أحياناً أن عقلي في حاجة إلى التوقف عن التفكير، فالوعي شقاء، والمعرفة حِمل ومعاناة.

     وأعود لأفكر في وطني وحالي، واستدعي تاريخ الأزمات والمحن في هذا الوطن، كيف وصل الحال في مصر أيام الشدة المستنصرية حين جف الماء في النيل، وأكل الناس الحمير، وأكلوا بعضهم البعض، وكانوا يبيعون منازلهم من أجل حفنة دقيق لصناعة الخبز، وتعرضت مصر لوباء الطاعون ووباء الكوليرا في العصر الحديث وحصد منها ما حصد، ومات منها من مات، لكن إرادة الحياة عادت لتنتصر من جديد، ويعم الرخاء والنماء والخصوبة على ضفاف وادي النيل.

صورة متخيلة عن الآزمات المستنصرية

     وأسأل نفسى لم الخوف إذاً؟ إن الخوف مُوت للحياة فيك، أعود القهقري وأخشى من مشاهد الموت الجماعي التي أراها في إيطاليا، فأقول لنفسي إن هناك الكثير من أبناء وطنك هم أحياء في صورة أموات، أبعد هواجسك الثقيلة عن نفسك، وانظر إلى إرادة الحياة التي تنتصر دوماً، إن معركة الإنسان مع الطبيعة من أجل السيطرة عليها قد حصدت الملايين من البشر، فلا تقلق فقد أباد البشر بعضهم البعض في الحروب أضعاف ما فقدته البشرية في صراعها مع الطبيعة، إن الطبيعة مهما كانت قاسية مع الإنسان لن تكون أشد قسوة من قسوة وعنف الإنسان مع الإنسان، ومن قسوة وعنف الإنسان مع الطبيعة، فلتهدأ بالاً لأن مزيدا من الخوف والتفكير سوف يفقدك الإحساس بالحياة.

    أتأرجح بين مشاعر متناقضة تنتابني بين اليأس والرجاء، والخوف والتسليم، فحين أنظر لحجم التكدس السكاني في مصر، وشيوع الجهل وعدم الوعي، وانتشار الفقر، تركيبة معقدة في بلادي ستجعل من انتشار الوباء في مصر وضعا كارثيا نتيجة استهتار الناس، وقلة وعيهم، وعدم إدراك الأبعاد المختلفة للوباء الذي يمكن مع انتشاره أن يصيب عشرات بل مئات الآلاف، وقد يصيب الملايين، ومع نقص الرعاية الصحية في مصر سيكون حجم الوفيات كبيرا في بلادي، كل خوفي من تكرار مشاهد الموت المستمر، وارتفاع عدد الضحايا، وأعود لأقول لنفسي سلم أمرك لله.

د. أحمد سالم

أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. هذا المقال كتب بأسلوب نسميه في الانثربولوجيا، الاثنوجرافيا الذاتية. لأن التحليل يستند إلى ملعومات شخصية عاشها الكاتب، وليس غيره، أحييك عليه معالي الدكتور، وأتمنى أن تتخفف من النظرة التشاؤمية التي تلح عليك في أحيان كثيرة، وفي بعض أجزاء من هذا المقال، خاصة الجزء الأول…. مع أنك دكتور، وقت أن تريد أن تملأ الصفحة أملا فإنك تفعل بكل يسر… دكتور كتاباتك جميلة، وفيها من البوح ما لا يستطيع غالبية الكتاب أن يمارسوه في كتاباتهم. لأن الكثير منهم يضع نفسه في مقام أعلى من مقام الحقيقة. ربنا يبارك في عمرك، وتحية صباحية عطرة لباسل باشا.

  2. هذا المقال كتب بأسلوب نسميه في الانثربولوجيا، الاثنوجرافيا الذاتية. لأن التحليل يستند إلى ملعومات شخصية عاشها الكاتب، وليس غيره، أحييك عليه معالي الدكتور، وأتمنى أن تتخفف من النظرة التشاؤمية التي تلح عليك في أحيان كثيرة، وفي بعض أجزاء من هذا المقال، خاصة الجزء الأول…. مع أنك دكتور، وقت أن تريد أن تملأ الصفحة أملا فإنك تفعل بكل يسر… دكتور كتاباتك جميلة، وفيها من البوح ما لا يستطيع غالبية الكتاب أن يمارسوه في كتاباتهم. لأن الكثير منهم يضع نفسه في مقام أعلى من مقام الحقيقة. ربنا يبارك في عمرك، وتحية صباحية عطرة لباسل باشا. ربنا يحفظك من كل مكروه

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: