رؤى

إلغاء السعودية لعقوبة الجلد: حداثة تتجاوز الوهابية واقتصاد يتجاوز النفط

طالعنا مؤخرا أن المملكة السعودية ألغت عقوبة الجلد كشكل من أشكال العقاب وأقرت بدلا منها السجن أو الغرامة، وأفادت الوثيقة الصادرة من المحكمة العليا السعودية أن تلك الخطوة تضاف إلى الإصلاحات التي اتخذتها المملكة في مجال حقوق الإنسان بناء على توجيهات الملك سلمان بن عبد العزيز وبإشراف مباشر من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد.

الملك سلمان، ومحمد بن سلمان ولي العهد

وبعد أن كان القضاء السعودي يعطي القضاة مساحة حرية كبيرة في تفسير النصوص الدينية للحكم بعقوبة جلد تتفق وفهمهم للشريعة الاسلامية التي ليس لها نظام قانوني مقنن في شكل مواد قانونية يلتزم القاضي بإطارها، صار القضاة الآن ملزمين بترك العقاب بالجلد ومقيدين في الاختيار بين الحكم بالحبس أو بالغرامة أو بأداء خدمة اجتماعية.

عقوبة الجلد في السعودية

اللافت في هذا التطور التشريعي الهام أنه لم يُنشر بطريقة رسمية كعادة المملكة في المراسم الملكية، كما أنه لم يلق اهتماما كبيرا في الصحف السعودية، حتى أن أول جهة رسمية سعودية تحدثت في الموضوع، وهي هيئة حقوق الإنسان السعودية، ذكرته على حسابها باللغة الإنجليزية على تويتر وليس بالعربية لغة الإسلام والقرآن ولغة المملكة الرسمية.

هذا المسلك المتحرج في نشر قرار إلغاء عقوبة الجلد وعدم الاحتفاء به إعلاميا يبين مدى إدراك المملكة لحساسية إلغاء عقوبة ارتبطت في الذهنية الإسلامية العربية منذ ظهور الإسلام بالشريعة الإسلامية التي استقر في الوجدان الإسلامي أنها بكافة أحكامها إلهية المصدر، وليس لبشر أن يقترب منها بالتعديل أو التغيير، ناهيك عن الحذف والتبديل، ويؤكد ذلك أن القرار لم يبين صراحة إذا كان إلغاء عقوبة الجلد هذا قاصرا على الأحكام التعزيرية، وهي التي لم يرد فيها نص عقابي محكم قطعي الثبوت والدلالة، بحيث لا يشمل القرار الجلد كعقوبة على جرائم مثل الزنا والقذف وشرب الخمر.

ويمكن رصد أمثلة كثيرة في الإصلاحات السعودية الأخيرة تساعد على فهم عملي – قبل النظري – لقضية فهم الشريعة في بعدها الإلهي والبشري، وما هي المرجعية الحاكمة على أحكامها في السعودية، أهي علماء الدين السعوديون وهابيو المذهب، أم هي السلطة الحاكمة والتي تعرف في أدبيات التراث الإسلامي بأولي الأمر؟

تراجع المؤسسة الدينية أمام سلطة الدولة

بداية جاء قرار إلغاء عقوبة الجلد – بحسب ما توصلت إليه بعد بحث مضني – بدون أي تكييف أو تأصيل فقهي أو حتى فتوى شرعية – مخالفة للوهابية – مما يفيد أنه قرار استقلت به السلطة الحاكمة دون الرجوع لرأي علماء الدين، وهو تطور نوعي في العلاقة الأزلية المرسومة بوضوح بين السلطان وأهل القرآن في السعودية منذ بداية نشأتها الأولى عبر الاتفاق المعروف بين آل سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت 1792)، وهذا مؤشر واضح على ازدياد ضعف المؤسسة الدينية في السعودية واستقلال السلطة بتفسير النص، بل والتراث الديني كله بما يحقق ما تراه مصلحة، وظهر ذلك جليا في إلغاء سلطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كان لها شرطة دينية تسمى المطوعون مهمتها التأكد من أداء الناس للصلاة والتزام المرأة بالحجاب وغيرها من الأحكام الدينية المفروضة كما سيأتي بيانه لاحقا.

ثمة إصلاحات كثيرة اتخذتها السعودية مؤخرا تبين بوضوح توجه الدولة الاستقلالي عن السلطة الدينية وتخليها عن إرث فقهي وتشريعي إسلامي سلفي وهابي استقر قرونا في وجدان المسلم السعودي وغيره على أنه الإسلام الحقيقي النقي الخالي من البدع!! فقد سمحت المملكة للمرأة بقيادة السيارة وبالنزول في الفنادق وكذلك بالسفر دون محرم، وتبع ذلك إعفاء الهيئة العامة السعودية للسياحة والتراث الوطني الأجانب من ضرورة إثبات الحالة المدنية عن النزول في الفنادق، كما شرعت المطاعم والمقاهي في إلغاء الحواجز التي كانت تفصل بين الجنسين، مما يسمح بالاختلاط التي كانت تراه السعودية محرما بنص الشريعة الإسلامية.

مقهى في السعودية

فوق ذلك تجاوزت السعودية فهمها  القديم للشريعة  الذي كان  يحرم تولي المرأة المناصب القيادية عملا بالحديث النبوي الذي ذاعت شهرته بغض النظر عن صحته «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (البخاري 4425) – ولعل تحريم قيادة المرأة السيارة يندرج تحت نفس مبدأ القيادة هذا – تجاوزت السعودية حكم الشريعة هذا وعينت الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان سفيرة للمملكة في واشنطن، لتكون بذلك أول امرأة تشغل هذا المنصب القيادي في تاريخ البلد.

كل هذا كان يعد محرمات واضحة وبفتاوى صريحة لابن تيمية (ت 1328) أهم مرجعية دينية للإسلام في السعودية، ويمكن مراجعتها كلها في فتاويه الكبرى أو في كتاب «مقاصد الشريعة الإسلامية عند ابن تيمية» للأردني يوسف أحمد البدوي.

الاقتصاد هو المحرك لحداثة ما بعد الوهابية

لو نظرنا إلى المحرك الأساسي وراء هذه الإصلاحات الدينية الهامة التي تخطو بالسعودية نحو مفهوم «الدولة» – بالمعنى الحديث للكلمة – سنجد الاقتصاد؛ فالسعودية تعتمد اعتمادا كليا على ما يعرف باقتصاد الريع الذي يعني اعتماد الدولة على مصدر واحد ‏للدخل، وغالبا ما يكون هذا المصدر طبيعياً لا يحتاج إلى ‏آليات معقدة للإنتاج، وهو النفط في الحالة السعودية، وبما أن عائدات النفط تتعرض لتقلبات حادة ترتبط بحركة التجارة العالمية وبالسياسة الدولية، وأيضا بالتطورات غير المحسوبة مثل فيروس كورنا حاليا الذي هبط بسعر البترول إلى الحضيض، لذا تحاول السعودية ترشيد النفقات، حيث تخلت عام 2016 عن التقويم الهجري الذي كان يمثل لها هوية إسلامية واعتمدت بدلا منه التقويم الميلادي المسيحي، لأنها بربط صرف رواتب موظفي الدولة بالتقويم الميلادي، بدلاً من الهجري، توفر سنويا 14.9 مليار ريال (قرابة 4 مليارات دولار)، لأن السنة الميلادية تزيد على الهجرية 11 يوماً عادة، ومعدل النفقات اليومية على الأجور والرواتب والبدلات يبلغ 1.315 مليار ريال سعودي (350 مليون دولار)، بحسب تقرير نشرته وكالة «الأناضول»” للأنباء في 29 سبتمبر 2016.

من جانب آخر تعمل السعودية على تنويع مصادر الدخل ويأتي ضمن ذلك الانفتاح على السياحة العالمية غير سياحة الحج والعمرة، ولهذا الغرض فتحت السعودية أبوابها أمام السائحين الأجانب من 49 دولة، واللافت هنا هي التدابير القانونية التي اتخذتها الحكومة لضبط سلوك السائحين، فلم تذكر فيها أي محاذير دينية، بل وضعت غرامة على تسع عشرة مخالفة أسمتها مخالفة للذوق العام، وليس ما يخالف شرع الله كما جرت العادة، أي أن الذوق العام الخاضع للحس البشري والخبرة الإنسانية التوافقية قد حل محل أحكام الشريعة الإلهية الثابتة عندهم، الأمر الذي يتضح في غرامة تشغيل الموسيقى في أوقات الأذان وإقامة الصلاة، فلم تعد الموسيقى نفسها حراما، أو حتى تشغيلها في أوقات الصلاة حراما على الأقل لأنها تلهي عن الصلاة، لا، بل هذا يُعد فقط مخالفا للذوق العام، كما لم تعد مراقبة الالتزام بمقتضيات الذوق العام من سلطة رجال الدين المطوعين، بل في سلطة رجال الشرطة المدنيين.

بهذا نرى أن السعودية التي كانت تحرم مجرد التصوير – فالمصور هو الله فقط – إلا لضرورة تحديد الهوية أصبحت تسمح بالأفلام السينمائية نفسها، وفتحت عددا من دور السينما، بل أنشأت للترفيه المرادف للهو عام 2016 هيئة أسمتها «الهيئة العامة للترفيه» التي نظمت حفلات غناء ليس لمطربين فقط، بل لمطربات مسلمات وغير مسلمات، ذلك بعد أن كانت ترى شريعتها أن صوت المرأة عورة، وتحرم الموسيقى وآلاتها «المعازف» ما عدا الدف، والغناء بدعوى أنه لهو حرام بنص القرآن، حيث جرى حبس قوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ» (لقمان/6) في معنى الغناء، بحيث لا يجوز تفسيره بشكل آخر، وإلا صار من يحاول ذلك محرفا لكلمات الله، ومحلا لحرامه، وغزت هذه المحرمات في تلك الشريعة دولا عربية وأخرى غربية عبر وكلاء المذهب من شيوخ السلفية، ففي مصر مثلا صار صوتهم أعلى وأهم مرجعيةً من أكبر وأهم مؤسسة دينية إسلامية في العالم وهي الأزهر الذي يتخذ رسميا موقفا وسطا من الغناء والموسيقى التي كان يدرسها حتى عهد قريب، في حين اعتنق كثير من أساتذته وطلابه السلفية لأسباب اقتصادية واجتماعية وأيضا لضعف التنشئة العلمية، ويكاد بعضهم أن يكفر من يقول بعدم تحريم الموسيقى والغناء من زملائهم .

 

فهل يمكن القول بأن السياسة قديما صنعت المذهب الوهابي الذي روجت له وفرة المال النفطي فيما بعد، بينما تقود ندرة المال حاليا إلى صياغة مذهب آخر بفهم معاصر أكثر واقعية للشريعة؟

عاصم حفني

أستاذ الدراسات الإسلامية والحضارية بجامعتى الأزهر وماربورج (ألمانيا)

مقالات ذات صلة

إغلاق