فن

«رحمي» صانع البهجة.. رحل حزينا بعد منع «بوجي وطمطم»

لم تشفع له سنوات عمره التى وهبها لصناعة البسمة على وجوه الملايين ولم يتمكن حب الأطفال له من صد جيوش الإكتئاب التي حاصرته فى آخر سنوات عمره بسبب القرار الغامض لوزير الإعلام الأسبق «صفوت الشريف» بمنع إنتاج وإذاعة مسلسله الرمضانى الشهير «بوجى وطمطم».

دخل مخرج العرائس الشهير «محمود رحمى» فى موجة إكتئاب حاد وعزلة تامة لعدة سنوات انتهت بوفاته فى يوليو عام 2001 حزينا خاصة بعد فشل محاولته إنتاج «عرائس» على شكل «بوجى» و«طمطم» لتكون فى أيدى الأطفال وقد سافر من أجل هذا الغرض إلى الصين لكن المحاولة لم تنجح بسبب عدم رضائه عن المنتج الذى صممته شركه صينية مما ضاعف من معاناته وإحساسه بأن شخصياته التى ابتكرها سيكون مصيرها النسيان. 

محمود رحمى

رحل «رحمى» تاركا تراثا فنيا مازال يسكن فى الوجدان المصرى بل والعربى وشخصيات افتراضية حققت شهرة واسعة وانتشارا كبيرا ومن أهم تلك الشخصيات كانت «بقلظ» الذى ظل يصاحب الإعلامية الكبيرة نجوى ابراهيم.

بالإضافة إلى درة أعماله مسلسل «بوجى وطمطم» الذى كان يعرض عقب الإفطار فى شهر رمضان من كل عام وما زال حاضراً حتى الآن فى ذاكرة جمهور التليفزيون المصري الذي كان يتابعه كل عام. 

يتذكر جيل الثمانينيات والتسعينيات جيدا مسلسل «بوجى وطمطم» الذى بدأ عرضه عام 1983، وتوالت أجزاؤه بعد ذلك لتكون 18 جزءاً وتتذكر كل الأجيال التالية مخرج العمل «محمود رحمى» بوجهه الأسمر وملامحه المصرية شديدة العذوبة وابتسامته الآسرة.. لكن قرار المنع ووقف الإنتاج سرق بشاشته واغتال ابتسامته.

ولم يؤثر قرار وزير الإعلام آنذاك على «رحمى» وحده بل إمتد التأثير إلى بطل العمل الفنان الراحل «يونس شلبى» وقد أصيب «يونس شلبى» أيضا بحالة اكتئاب حادة بعد قرار وقف المسلسل ورحل عام 2007 بعد رحلة طويلة مع المرض. 

يونس شلبى

أدى قرار وقف عرض مسلسل الأطفال الأهم فى تلك الحقبة إلى حالة حزن واسعة بين عشاقه خاصة من الأطفال وكان «بوجى وطمطم» أحد الملامح الفنية الرئيسية لشهر رمضان مثله مثل «الفوازير» ومسلسل «ألف ليلة وليلة» وغير ذلك من أيقونات وكلاسيكيات التليفزيون المصرى خلال الشهر الكريم.

عالم «رحمى» وشخوصه

ولد «رحمى» فى 3 يوليو 1939 وتخرج من كلية الفنون الجميلة بتقدير ممتاز وهوما كان يؤهله للعمل معيدا فى الكلية لكنه تركها مفضلا العمل فى التليفزيون المصرى الذى كان حديث البث آنذاك حيث أُنشئ عام 1960 وعمل رحمي مخرجا ومصمما للعرائس وتخصص في تصميم وتقديم عروض العرائس وكان أول أعماله تقديمه برنامج «توتة وسمسم» ثم توالت الأعمال. 

يمثل الفنان الراحل «رحمي» مدرسة مستقلة ومعاصرة فى فن صناعة العرائس. قدم أعماله الفنية مستخدما العرائس المحببة للأطفال والتى حققت نجاحا كبيرا وساهمت فى صياغة وجدان وأفكار أجيال متعاقبة كما أنها تمثل نقلة مهمة فى مسيرة الفن الشعبي الذى يمثل «الأراجوز» أحد أبرز أشكاله التراثية المستقرة فى الثقافة المصرية، وساهم رحمي فى ربط الشعب العربى بشخصيات افتراضية لها طابع شديد المصرية وغرس سلوكيات متحضرة وانسانية فى نفوس ملايين المشاهدين. 

قدم المخرج الكبير مسلسلات «بوجي وطمطم» ومعها «بوجى وطمطم فى رمضان» و«الفيل الجميل» و«محطة فلافيلو» و«حكايات مع بوجى وطمطم» و«الفانوس السحرى»، «وأسرار جحا» و«حبيبتى اسمها مصر» و«أولاد القمر» و«رشيد».

لم يكن «رحمى» مجرد مصمم عرائس موهوب واستثنائى بل امتدت موهبته  الكبيرة إلى خلق شخصيات افتراضية تتحول مع الوقت إلى «دم ولحم» ويرتبط بها الأطفال بشكل كبير ويحدث بينها وبين جمهورها ألفة وتعايش وتعود نادرا ما يحدث كما أنه من خلال تلك الشخصيات الإفتراضية يقدم خطابا أخلاقيا للأطفال والكبار ويغرس فى نفوس المشاهد قيما انسانية سامية وراقية للغاية. 

استطاع «رحمى» أن يبدع «بوجى وطمطم» لمدة 18 عاما وقد كتب أشعار المقدمة والنهاية والأغنيات داخل العمل الشاعر صلاح جاهين الذى تحمس بشدة للعمل ودعمه بقوة و شارك فيه عدد كبير من الممثلين بجانب يونس شلبى «بوجي» وهالة فاخر «طمطم» وحيث قام الفنان رأفت فهيم بأداء شخصية «عم شكشك» ذلك العجوز الذي يطل من شباك منزله لا يفعل شيئا سوى متابعة الناس وأخبارهم.

كما قدم «ماهر سليم» شخصية «زيكا» وواصل «سيد عزمى» تعاونه مع «رحمى» من بقلظ إلى دور «زيكو» وقدمت «إنعام سالوسة» شخصية كل من «طنط شفيقة» و«مرمر» وسلوى محمد على فى دور«زيزى» ليشكل رحمى بهذه التنويعة ملحمة فنية مهمة وباقية. 

محاولات إستعادة بوجى وطمطم

فى عام 2009 قرر «باسم» نجل رحمي استكمال مسيرة أبيه وتقديم جزء جديد من تأليفه وساعدت «فوقية خفاجى» زوجة رحمى، التي كانت تساعده في إخراج بوجي وطمطم – نجلها فى إنجاز العمل.

 وتغير أبطال العمل حيث قام بدور «بوجى» الممثل محمد شاهين بدلاً من الراحل يونس شلبى، كما قامت بدور «طمطم» إيمى سمير غانم بدلاً من هالة فاخر وتم تسمية الجزء الجديد من المسلسل «بوجى وطمطم والكنز المفقود» وأُهدى العمل لروح الفنان رحمى. 

ولم تحقق التجربة النجاح المأمول ربما نتيجة تغير أصوات الأبطال وربما لأسباب أخرى من بينها رفض التلفزيون المصرى إنتاجه أو حتى اذاعته عبر قنواته!

وتعددت المحاولات لإنتاج حلقات جديدة من المسلسل الشهير لكنها فشلت جميعها أمام معوقات توفير مصادر للتمويل والإنتاج. 

ويظل «محمود رحمى» إبتسامة مبهجة فى تراث التليفزيون المصرى ووجدان الملايين الذين تعلموا من أعماله وارتبطوا بفنه المدهش وعرفوا مدى اخلاصه وتفانيه فى تقديم فن يليق بتاريخ ماسبيرو.

ويظل لغز القرار بوقف انتاج «بوجى وطمطم»، وهو في أوج شعبيته ورواجه، يستعصى على التفسير، لكن المؤكد أن القرار كان جرحا غائرا فى قلب «رحمى» و«يونس شلبى» معا وكان خسارة كبيرة للتليفزيون المصرى ولثروته الفنية. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: