منوعات

فتحي رضوان.. وجمال عبد الناصر وثنائية الحركة الوطنية المصرية

يقدم «أصوات أونلاين» للقارئ هذا المقال عن الأستاذ فتحي رضوان وهو من هو في تاريخ الحركة الوطنية حاضرًا ومؤثرًا في أحداث معظم سنوات القرن العشرين، وذلك احتفاء بذكرى مولده في 14 مايو 1911.

في هذا المقال يقدم الكاتب الجاد محمد بدر الدين رؤية متميزة للخط الوطني الذي جسده فتحي رضوان، مستفيدا من تنظيرة رئيسة للكاتب والفقيه القانوني د. عصمت سيف الدولة – الذي قدم رؤية لتاريخ الحركة الوطنية تربط ثورة 23 يوليو  بخط الحزب الوطني القديم حزب مصطفي كامل ومحمد فريد وفتحي رضوان، وهى رؤية تتعارض مع رؤية قدمها آخرون من أقرب المنتمين لـ٢٣ يوليو مثل الكاتب الكبير الراحل محمد عودة وتري أن خط ٢٣ يوليو  هو امتداد لثورة ١٩١٩ وقائدها حزب الوفد أكبر الاحزاب المصرية شعبية في تاريخه «بالتحديد لطليعته التقدمية التي عرفت وقتها بالطليعة الوفدية».. وأن ثورة يوليو كحلقة من حلقات الحركة الوطنية المصرية حاولت أن تنجز مهمة الاستقلال التام والعدالة الاجتماعية التي أخفق الوفد وثورة ١٩١٩  في إنجازهما وإن كانت طليعته قد تبنتهما بشكل صريح لا لبس فيه.

أصوات أونلاين 

يمكن القول دون أدنى مبالغة أن زعماء «الحزب الوطني» ـ و«الوطني الجديد»ـ  هم من أفضل وأنقى الزعماء في التاريخ الحديث لمصر: مصطفى كامل ومحمد فريد وفتحي رضوان. بل هم ـ ثلاثتهم ـ في صدارة الأكثر نبلاً وصلابة.

مثل الثلاثة معا خطاً متميزا في الوطنية، بينما آخرون كأحمد لطفي السيد وسعد زغلول وبعض زعامات ورموز حزب «الأمة» و«الوفد».. كانوا يمثلون خطاً آخر «في الوطنية أيضاً». هذا الخط الأول الخط الأول، الذي يمكن ان نطلق عليه اتجاه الحزب الوطني «الوطني!» يصل في أعلاه وعند قمته، إلى جمال عبد الناصر وثورته وما يمثله.

اعضاء حزب الوفد

ونحن نستعير كتابتها هكذا «الحزب الوطني» «الوطني» من عميد الحركة الوطنية المصرية فتحي رضوان نفسه ـ الذي نستحضر هذه الأيام ذكرى ميلاده في 14 مايو 1911 ـ وقد اعتاد قول ذلك في مقالاته (1)، تمييزاً، أو بالأحرى تعبيراً عن رأيه في الحزب الحاكم في مصر فيما بعد و الذي عاصره رضوان حتى وفاته عام 1988. 

ويذكر أن من أبرز الذين يأخذون بهذا الرأي في مسار واتجاهات الحركة الوطنية المصرية الدكتور عصمت سيف الدولة، وقد أكد عليه مرة في كتاب «حوار مع الشباب العربي» (2) وكذلك في كتاب «هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً؟»، الذي يبحث في مسألة عبد الناصر والديمقراطية وجاء دراسة راقية في مسألة مهمة، إن لم تكن شائكة على نحو ما.

في هذا الكتاب يوضح سيف الدولة، ما خلاصته أنه ابتداء من الإحتلال البريطاني «انقسمت الحركة الوطنية في مصر إلى اتجاهين: سار كل منهما على خط متميز، ولم يكن يفرق بينهما الرغبة في الاستقلال، بل أسلوب تحقيق الاستقلال». كان الخط الأول ثورياً مشغولاً «بالتعبئة الشعبية لمقاومة المحتلين». أما الثاني فكان إصلاحياً، مشغولاً «بالتربية الشعبية في ظل الاحتلال»، وأنه قد تجسد كل من الخطين في قوى منظمة سرعان ما انتظمت في صورة أحزاب.

وقد انتمى إلى الخط الأول الحزب الوطني «بقيادة مصطفى كامل» والحزب الوطني الجديد «الذي أنشأه فتحي رضوان»، وانتمى إلى الثاني أعداد كثيفة من الأحزاب «النبلاء ـ المصري ـ الأحرار ـ الدستوري ـ الوفد ـ الأحرار الدستوريين ـ الهيئة السعدية ـ الكتلة الوفدية.»

ويواصل سيف الدولة في كتابه ان ثورة 23 يوليو 1952، تنتمي إلى الخط الوطني الثوري وأن جمال عبد الناصر كان قائداً مثالياً لهذا الخط بعد عرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد.

الضباط الأحرار بعد نجاح ثورة 23 يوليو

ولماذا نذهب بعيداًن فالحق أن جمال عبد الناصر قد أفصح عن موقفه وانتمائه بالفعل عندما قال ـ بمناسبة مباحثات الوحدة الثلاثية عام 1963: «كل الأحزاب عندنا كانت أحزابا رجعية وتعاونت مع الاستعمار ماعدا الحزب الوطني.. ثانياً، الحزب الوطني كانت قواعده قليلة.. أما بقية الأحزاب كلها فإما أحزاب إقطاعية أو أحزاب رجعية». (3)

جمال عبد الناصر

ولذلك لم يكن غريباً أن آخر الرموز والزعامات العتيدة التي مثلت «حزب مصطفى كامل» والخط الوطني له، فتحي رضوان، سرعان ما اقترب وثورة 23 يوليو وقائدها، وأنه قد «التحم» وشارك منذ اللحظات الأولى لها «كان وزيراً في الوزارة التي شكلت في 7 سبتمبر سنة 1952 بعد قيامها بشهرين»، وامتزج جهده ودأبه كمناضل صلب مع حركتها الهادرة التي راحت «تقلب» مصر وأحوالها والمنطقة من حولها رأساً على عقب. إن ذلك التغيير الجذري الجسور والهائل من أجل الشعوب وكل ما في صالحها هو ما يتوافق مع «الخلفية والخط» السياسيين لفتحي رضوان.. ومع «المنهاج والمزاج» الوطنيين له.

 يقول رضوان بإعتزاز ـ في كتابه «72 شهراً مع عبد الناصر»: «أما ما حدث في مصر بعد 23 يولية، فيعد تغييراً شاملاً، لم يدع شيئاً إلا غيره، ولم يغير الهياكل الخارجية، والمظاهر فقط، ولم يغير الأسماء فقط، بل غير الجوهر تماماً.»(4)

ولا يخفي رضوان إعزازه وفخاره: «كان انفجارها ـ ثورة يوليو ـ في ذاته حدثاً يجب على المصريين والعرب أجمعين أن يزهوا به، ويفخروا (5)». ولم يكن غريباً ومنذ اللحظات الأولى للثورة أن يبذل جهده ويكون كدحه «معها» وضمن ملحمتها الكبرى.

وما أن تنجح الثورة المضادة والردة وفلول الرجعية في الهيمنة، والعودة إلى سلطة الدولة، في أعقاب غياب قائد الثورة ورئيس الدولة، حتى يعود الفارس الأبي ـ في الستين ـ إلى سيفه يشهره وليناجز، في حلقة جديدة «يناضل بل هو يعتقل ـ في السبعين ـ ويخرج ليواصل»… مع كل ما تمثله الثورة وقيم الوطنية، في الشارع، ومن موقع المعارضين ـ أو بتعبير أفضل وأدق بالنسبة لفتحي رضوان «الرافضين»، وكم ظل طيلة عقدي السبعينات والثمانينات يسخر من المعارضة الطيعة الرخوة والمترددة.

وفي بعض المواقف ـ خلال العقدين المريرين ـ رأينا فتحي رضوان يقف مع أكثر شباب الحركة الوطنية جذرية وحيوية، وأعمقهم ثورية ـ رفضاً، لا معارضة أو مناوئة فحسب ـ وبدا في بعض الأحيان شيخاً، و«جداً» نبيلاً وجليلاً مع تلك الفصائل والطلائع. قلة قد ضرب من حولها الحصار، إنما كان لا يلبث أن ينقشع الغبار وتنكشف سلامة ومصداقية واستقامة الموقف المتخَذ، والذي بدا لبرهة: تطرفاً وحدة، بأكثر مما ينبغي، ومما تقتضيه الحكمة و«التعقل» والحنكة!!

أما الأمثلة فمتعددة وعلى كل الأصعدة، ولعلنا نكتفي الآن بلفت الأنظار إلى أهمية أن تنشر مواقف فتحي رضوان الوطنية طوال حياته وأن تجمع مقالاته في كتاب خاصة في فترة معارضته خلال العقدين الثامن والتاسع من القرن العشرين، وغالبيتها هي ما كان ينشره بانتظام في «الشعب» الجريدة الأسبوعية لحزب العمل آنذاك، وهى مواقف ومقالات تؤرخ لعصر كامل وتمثل واحدة من أهم الأدبيات السياسية لهذه المرحلة الهامة في تاريخ مصر. 

كان لفتحي رضوان قاموس سياسي مميز ومتفرد، كانت له توصيفاته وتسمياته الخاصة، ومن ذلك مثلاً وصفه لثورة 23 يوليو بـ«الثورة العربية الأولى»، وكان اول من نحت مصطلح «الشرق العربي» بدلاً مما أراد الغرب ـ من وجهة نظره وجهة مصلحته ـ الاصطلاح عليه بـ «الشرق الأوسط».

وكان يفسر تسمية «الثورة العربية الأولى» ـ فيذكر:

 «.. فثورة 23 يوليو سنة 1952، كانت الثورة العربية الأولى، التي استهدفت التغيير في الإقليم الذي قامت فيه تغييراً يتناول الأسس، وقد نجحت في أمرين جد خطيرين: أولهما: قيام الثورة ذاته، والثاني: في ثباتها واستقرارها» (6).

ولذلك فلا غرابة أن يسخر كثيراً، بخصوص أولئك الذين يتساءلون ويتجادلون ـ مازالوا! ـ فيما إذا كانت «23 يوليو» ثورة أم هي إنقلاب؟

ولقد كان جمال عبد الناصر محباً شديد الحب للزعامات الوطنية التي كانت من قبله… وكان لثورة 23 يوليو الفضل في رد الاعتبار لعديد من تلك الزعامات، وذلك على النقيض مما أشاعه ولا يزال يلوكه خصوم الثورة والناقمون على قائدها.

في كتابه «72 شهراً مع عبد الناصر» يذكر فتحي رضوان في فصل بعنوان «ثقافة عبد الناصر» واقعة طريفة ولكنها ذات دلالة، حيث شاهد رضوان الفيلم الذي كتبه عن «مصطفى كامل» مع جمال عبدالناصر، وفيما بعد قال له ناصر: «ليلتها.. أنا كنت طوال الفيلم خائفاً على مصطفى، ومشفقاً من وفاته، مع أني أعرف أنه مات منذ أكثر من خمسين سنة..».

ويذكر فتحي رضوان أن جمال عبد الناصر التفت إليه حينها واقترح قائلاً: «اعمل فيلم آخر عن فريد» ـ يقصد المجاهد الوطني محمد فريد. وعندما يكمل فتحي رضوان: «وعن عبد الله النديم» يقول جمال عبد الناصر متذكراً: «أنتم عملتم مسلسل ناجح عنه في الإذاعة».

مصطفى كامل.. محمد فريد.. عبد الله النديم.. هذه الرموز الوطنية وغيرها من نفس الطراز، بذات الصلابة ومن نفس المدرسة و«طريقة التفكير والتغيير» في الوطنية هي التي كان يشعر جمال عبد الناصر «بحميمية» نحوها، وبطبيعة الحال فقد كان ذلك شعوره، نحو فتحي رضوان بدوره.

روى الناقد الكبير علي الراعي في مقال ـ بمجلة المصور: «وفي هذا الصدد قال لي فتحي رضوان: إن الزعيم جمال عبد الناصر قال له وهو يسلمه وزارة الإرشاد: إن هذه وزارة حساسة، إما أن أتولاها بنفسي وإما أن ألغيها. وقد عهدت إليك بها لأنني أعتبرك بعضاً من نفسي» (7)

علي الراعي

ومرة أخرى نعود سريعاً إلى عصمت سيف الدولة الذي لاحظ في مؤلفه «هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً؟» أيضاً «إن أغلب الذين أرخوا لثورة 23 يوليو 1952 وقائدها خدعوا في الترتيب الزمني فاعتبروا أن ثورة 23 يوليو 1952، إذا جاءت بعد قيادة حزب الوفد للحركة الوطنية، تكون خليفة في خطه لتكمل مسيرته.. وهو خطأ فظيع حال دون هؤلاء المؤرخين وبين تفسير أو فهم موقف الثورة بعد نجاحها من الوفد، ومدرسته».

وقد ناضل فتحي رضوان مع ثورة جمال عبد الناصر «18 عاماً بالتمام والكمال»، وناضل الردة عن الثورة «18 عاماً بالتمام والكمال أيضاً ـ إلى وقت أن قضى نحبه»، كما ناضل الملكية والاحتلال قبل الثورة. وعاش إلى أن بدأت تلوح في الأفق «نذر» كثيرة، كما بدت أمارات وعلامات تقول إن ستاراً سوف ينزل ـ لابد ـ على حقبة بكاملها، وانه سوف ترتفع أعلام زمن وضئ، حلقة جديدة من ثورة الوطن والأمة.

هوامش:

(1) على الخصوص في مقال الثلاثاء الذي كان يكتبه بانتظام في «الشعب» جريدة حزب العمل منذ صدورها في السبعينات وحتى رحيله.

(2) د. عصمت سيف الدولة: «حوار مع الشباب العربي»، دار المسيرة ببيروت، ط1، 1978 ـ الفصل الرابع عشر. وهو مناقشة ممتعة للغاية مع الدكتور عبد الكريم أحمد، الذي وصفه المؤلف بحق بأنه «أستاذ كبير، خبير بالعلوم السياسية» ص333، «واحد من أخلص الرجال لثورة 23 يوليو وجمال عبد الناصر» ـ ومع ذلك فهو يراه قد وقع في «هفوة» ويناقشه فيها، «إنه شخصياً ينتمي إلى التيار الثوري الذي يناهض التيار الإصلاحي ـ فلنقل إذن.. لكل عالم هفوة» ص354.

(3) «هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً؟»، دار المسيرة ببيروت، ط1، 1977 ـ خصوصاً فصل «خطان في الحركة الوطنية»، ص52: 73.

(4) فتحي رضوان: «72 شهراً مع عبد الناصر»، دار الحرية للصحافة والطباعة والنشر بالقاهرة، ط1، 1985، ص11.

(5) المصدر السابق ص5.

(6) المصدر السابق ص5.

(7) د. علي الراعي: «عام مضى على رحيل فتحي رضوان»، المصور 13/10/1989. 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: