رؤى

مشكلات الفكر الديني: (1) غياب الفكر النقدي

    هل نتجاوز إذا قلنا: إنّ الفكر الديني التقليدي يعاني من غياب الأفكار المتجددة التي يُقصيها، منذ قرون، التقليد الفقهي وذيوع ثقافة التقليد عموما؟

    أكاد أجزم بأنني لا أتجاوز أو أغالي فيما ذهبتُ إليه؛ ذلك أن غيابَ الأفكار المتجددة عن المنظومة المعرفية الدينية هو أحد أسباب تخلُّف وانحدار العالم الإسلامي؛ علميا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا، الأمر الذي يجعل مشروع التنوير في العالم العربي يدخل مرحلة انسداد تاريخي – على حدّ تعبير المفكر السوري هاشم صالح في كتابه «الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي» – فالمشكلة كلها تتعلق بغياب الأفكار، لذلك صدق الكاتب المغربي طه عبد الرحمن عندما وصف تلك الأزمة بأنها «تِيهٌ عظيمٌ في عالم الأفكار» [طه عبد الرحمن، الفكر العربي الحوار أفًقا للفكر، الشبكة العربية للأبحاث، ص 8]

ضرورة التفكير النقدي والفلسفي

لن تكون الأفكارُ متجددةً إلا إذا كانت أفكارًا نقدية، ولن يكون ثمّة نقدٌ ما دامت الفلسفة في العالم العربي مهمَّشة، من هنا تأتي أهمية حضور الفلسفة والنقد الفلسفي في الذهنية العربية لتحقيق التقدم والتنوير والتغيير في مجمَل الأفكار الموروثة التي هيْمَنت فيها العقلية التراثية السلفية، وتمجيد السابقين، والنزوع إلى التقليد، وانفصال الأحكام الفقهية التقليدية عن الواقع المعيش، فالنقد صنو الفلسفة، والنقد الفلسفي ذو أهمية كبيرة في عملية تغيير الأفكار وارتقائها، أو ما يسمى بالمشروع النهضوي تارة، والمشروع الحضاري تارة أخرى؛ لأنه ما دامت الأفكار القديمة هي نفسها الأفكار التي تبرز في حياتنا الآن، باعتبارها صالحةً لمفردات هذا العصر، فلا نهضةَ تُرتَجى، ولا أملَ في أيِّ انفتاح فكري متسامِح على العصر؛ حتى إنّ مناهجنا الدراسية نفسها في الجامعات لا تشهد انفتاحًا من أي نوع لا على تاريخ الأديان المقارنة، ولا على علم الاجتماع الديني، ولا أساليب التربية والنظريات العلمية الحديثة، ولا على فلسفة الدين أو العلاقة بين الفلسفة والدين [محمد أركون، تحرير الوعي الإسلامي، دار الطليعة ص 59].

ونظرا لغياب التفكير الفلسفي بمعناه الصحيح، لم نستطع حتى الآن اتخاذ موقف نقدي معتَبَر من تراثنا القديم، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام الهجمة السلفية التي تغلق النص في وجه أي نقد، كأنها أضحَت بديلا حتميًّا لحركات التنوير والنهضة في العالم العربي، خصوصا مع غياب كل مشروع تحديثي وتثقيفي تحت وطأة الظروف السياسية والاجتماعية والقانونية التي تحكم منظومة الدول العربية حتى بعد ما يُعرف باسم ثورات الربيع العربي!

إنّ التفكير النقدي، بوصفه ممارسة فلسفية، لا ينهض بمجرد تعلّم الفلسفة أو التخصص فيها، بل لا بد من خوض غمار اللا مفكَّر فيه، أو ما يستحيل التفكير فيه من وجهة نظر الكثيرين، وهو أمر لن يتأتّى بسهولة، لأن هذه المسألة تحكمها ظروف سياسية واجتماعية وتاريخية عميقة، تجعل مسألة التفكير النقدي في حدِّ ذاتها أمرًا معقَّدا ومركبا في آن، لكنه ليس مستحيلا، فهو في البداية يحتاج إلى إحداث مراجعات في العلوم الإسلامية؛ كالفقه والأصول وعلم الكلام والتفسير وقواعد الحديث، وإعادة بنائها بما يتوافق مع الأفكار النقدية القائمة على الشك والتفكير الجدلي والحجاجي. وتاريخيا، فقد لعب النقد في الحضارة الإسلامية دورًا عظيما في بروز أفكار عقلانية وتنويرية ملِهمة، وكان للمعتزلة مع إخوان الصفا نصيبٌ كبيرٌ في بزوغ حركة نقدية تهيّات لها ظروف تاريخية وسياسية ومذهبية أتاحت نجاحها نوعا ما في مدة زمنية وإن لم تكن طويلة لكنها على أية حال كانت مؤثرة وكاشفة ودالة على قدرة العقل العربي على إعمال العقل والنقد والتحرر من كل قديم، ما كان له أعظم الأثر في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في العصر الوسيط، ثم امتدّ تأثيرها بعد ذلك في العصر الحديث في ظهور حركة نقدية عقلانية بلغت ذروتها على يد الراحل طه حسين وطائفة من تلاميذه.

عميد الأدب العربي «طه حسين»

أهمية التأويل

لن يؤتيَ نقد الفكر الديني ثماره دون ممارسة عملية التأويل في أبعادها اللغوية والتاريخية الاجتماعية، وهي المنهجية التي تعامل معها المعتزلة وابن رشد، قديما، وطائفة من روّاد التأويل حديثا، من أبرزهم الراحل نصر حامد أبو زيد، وذلك لأن عملية التأويل تمكّن من الوقوف على الأبعاد اللغوية والفهم التاريخي والسوسيولوجي للظواهر الإنسانية وللنصوص الدينية والتاريخية، وهو ما يحول دون سيطرة جماعة أو فئة أو أشخاص معيّنين على تأويل هذه النصوص واحتكار فهمها لأنفسهم ولمناهجهم الخاصة، كما هو حال جماعات الإسلام السياسي المختلِفة، وبعض المؤسسات الدينية التي تحتكر فهم النص الديني.

د. نصر حامد أبو زيد

    إن تعظيم دور الفكر النقدي أول الحلول الناجعة للقضاء على مشكلات وأزمات الفكر الديني، فالنقد يعمل على تعزيز وتوسيع مساحة العقلانية في الفكر العربي المعاصر، ومحاصرة الفكر اللاهوتي التقليدي، والمعوّقات التي تمارسها الذهنية التراثية والفكر المحافِظ في الثقافة العربية، والعقل النقدي يلزم له وجود مسارات معرفية متعددة، وامتلاك القدرة على التفكير، وتفكيك المسلَّمات، والخلاص من أسْر الأيديولوجيات السائدة، والاشتباك فكريا مع المؤسسات الدينية اشتباكا إيجابيا، من خلال منظور نقدي لا يُعاديها بل يتفاعل مع خطابها التقليدي، ونقده وَفق رؤى منضبطة ومناهج محكَمَة، خصوصا في ظل هذا الرُّكام المعرفي الذي يتكدّس يوميا بفعل الخطاب الديني المتجذّر في شتى مناحي الحياة؛ في الاقتصاد، والسياسة، والواقع المعيش المعقَّد، والتعليم، والثقافة، والفنون، والحياة الاجتماعية بصورها المتعددة، ما يلزم معه تفكيك تلك البنى المعرفية، ونقدها في سبيل إعادة خطاب جديد، غير تقليدي، يلامس الواقع في صيرورته.

أحمد رمضان الديباوي

مدرس العقيدة والمنطق بالأزهر

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: