منوعات

قصة آية (17) جابر بن عبد الله.. نزلت في أبيه آية الشهداء، وفيه نزلت آية الكلالة

هو من أهل بيعة الرضوان، أسلم صغيراً، وشهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين أنصارياً، وكان أصغر المبايعين سناً، أراد الخروج إلى غزوة أحد فأمره أبوه أن يبقى في المدينة ليخلفه على أخواته، وقاتل فيها قتال الأبطال، حتى ارتقى مثخناً بالجراح، وذهب جابر يبحث عن أبيه، فوجده بين الشهداء، وقد مثَّل به المشركون، ووقف جابر وبعض أهله يبكون شهيدهم، فمرَّ بهم رسول الله ﷺ، فسمع صوت أخته تبكي، فقال لها: (تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه). ثم قال ﷺ لجابر وقد رآه مهموماً: ألا أخبرك أن الله كلَّم أباك كفاحاً، فقال: يا عبدي سلني أعطك، فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانياً، فقال الله له: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، فقال عبد الله: يا رب، أبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

وقد أحسن جابر تنفيذ وصية أبيه رضي الله عنهما، فكان أول ما فعله بعد دفن أبيه، أن جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي ترك ديناً عليه، وليس عندي ما أفيه به إلا ما يخرجه ثمر نخيله، ولو عمدت إلى وفاء دينه من ذلك لما أديته في سنين، ولا مال لأخواتي أنفق عليهن منه غير هذا، يقول جابر: فقام رسول الله ﷺ، ومضى معي إلى بيدر تمرنا وقال لي: أدع غُرماء أبيك فدعوتهم، فما زال يكيل لهم منه حتى أدى الله عن أبي دينه كله من تمر تلك السنة، ثم نظرت إلى البيدر فوجدته كما هو، كأنه لم تنقص منه تمرة واحدة.

وتزوج جابر امرأة ثيباً لتكون أماً لأخواته البنات، ويروي عن ذلك فيقول: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف، فلحقني راكب خلفي فنخس بعيري بعنزة كانت معه فانطلق بعيري كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفتُ فإذا أنا برسول الله فقال: ما يعجلك يا جابر؟، قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بعرس، فقال: أبكراً تزوجتها أم ثيباً‏؟،‏ قلت: بل ثيباً، قال: هلا جارية تلاعبها وتلاعبك، قلت: إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن.

ولما رأى النبي ﷺ تثاقل جمله، وربما حاجته إلى المال قال لجابر: أتبيع جملك؟، فوافق على الفور، يقول: فاشتراه مني بأوقية، ثم قدم رسول الله ﷺ وقدمت بالغداة، فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد، فقال: الآن حين قدمت؟، قلت: نعم، قال: فدع جملك وادخل فصل ركعتين، فدخلت فصليت ثم رجعت فأمر بلالا أن يزن لي أوقية فوزن لي بلال فأرجح في الميزان، فانطلقت فلما وليت قال: ادع لي جابرا، فدعيت فقلت: الآن يرد على الجمل، ولم يكن شيء أبغض إلىَّ منه، فقال: خذ جملك ولك ثمنه.

ظل جابر وفياً لوصية أبيه في أخواته، حريصاً عليهن حتى وهو يظن أنه مقبل على الموت، وقد صح أنه نزلت فيه وفيهم آية الكلالة، ويروي رضي الله عنه فيقول: اشتكيتُ وعندي تسع أخوات لي، فدخل عليَّ النبي ﷺ فنفخ وجهي، فأفقتُ، وقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلث؟، قال: «أحْسَنُ»، قلت: الشطر؟، قال: «أحْسَنُ». ثم خرج وتركني، ثم رجع إليّ فقال: (يا جابر إني لا أُرَاكَ مَيِّتاً من وجعك هذا، وإن الله قد أنزل في الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين، فكان يقول: أنزلت هذه الآية فيَّ، ويقرأ: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ) (النساء:176).

هي آخر آية من القرآن الكريم نزلت على نبينا ﷺ وقد قيل إنّها نزلت ورسول الله ﷺ متجهّز لحجّة الوداع، وروى البخاري عن البراء: (آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).

وبعض العلماء قال: إن كلمة ” كلالة ” مأخوذة من كلال التعب، لأن الكلالة في الشرع هو من ليس له ولد ولا والد، وفي ذلك يقول الشيخ الشعراوي إن الإنسان بين حياتين حياة يعولها والد، وعندما يكبر ويضعف تصير حياته يعولها ولد لذلك فالذي ليس له والد ولا ولد يعيش مرهقاً فليس له والد سبق بالرعاية، وليس له ولد يحمله في الكبر لذا سمي بالكلالة. وبعضهم قال: إنها من الإكليل أي التاج. وهو محيط بالرأس من جوانبه والمقصود به الأقارب المحيطون بالإنسان وليس لهم به صلة أعلى أي من الآباء، أو من أدنى أي من الأبناء. (إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ)، أي أن الكلالة هي أن يموت أحد، وله أخت شقيقة، أو أخت من أب، فهي ترث النصف وإذا ماتت هذه الأخت فالأخ يرثها سواء أكان شقيقاً أم أخاً لأب. وإن ترك الرجل الكلال أختين أو أكثر فلهما الثلثان مما ترك ذلك الأخ، وإن كان له إخوة من رجال ونساء، فها هو ذا قول الحق: (وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ).

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: