فن

الإذاعة المصرية صانعة الوجدان المصري والعربي (٢)

«يا ولاد يا ولاد.. يا ولاد يا ولاد.. تعالوا تعالوا.. علشان نسمع أبلة فضيلة.. راح تحكيلنا حكاية جميلة.. وتسلينا وتهنينا وتذيع لينا كمان أسامينا.. أبلة أبلة فضيلة.. حبايبي الحلوين.. بنحب الناس تقول علينا أننا حلوين.. ونحب الناس تقول علينا أننا شاطرين.. ونحب الناس تقول علينا أننا مؤدبين.. وعشان الناس تقول علينا كدا وكدا وكدا وكدا.. عارفين نعمل إيه؟.. تعالوا الأول نسمع الحدوتة».. بتلك المقدمة اعتادت الإذاعية القديرة «فضيلة توفيق» تقديم برنامجها الإذاعي«غنوة وحدوتة».

بابا شارو وأبلة فضيلة.. حضور لا يغيب

اعتنت الإذاعة المصرية منذ بدء إرسالها بتنشئة الأطفال وحرصت على تقديم العديد من البرامج الموجهة للأطفال، إضافة لتلك البرامج الموجهة للأمهات والأباء والتى تعنى بطريقة تربية الأطفال، وكان على رأس الرواد الذين أبدعوا في تقديم برامج الأطفال الأستاذ «محمد محمود شعبان» وبرنامجه الشهير «بابا شارو» والأستاذة «فضيلة توفيق» وبرنامجها المميز «غنوة وحدوتة».

بابا شارو..

«يلا حالا بالا بالا هنوا أبو الفصاد.. حيكون عيد ميلاده الليلة أسعد الأعياد.. هنوا أبو الفصاد.. أنا الكروان بنادي وبقول للطيور.. يوم مبروك ونادي عيدك يا عصفور.. وبلونك الرمادي تنزل على البحور.. ان شاء الله بعودة.. ونيجي في الميعاد.. هنوا أبو فصاد.. وأنا مش رايحه اغشك بغبغان كبير.. يامولود في عشك مفطوم على الشعير.. اسمك سهل جدا.. علي بق الولاد.. فليحيا أبو الفصاد.. وانا الهدهد.. وناوي على حبك اسير.. يا ابو عقل ناصح حير ملايين.. طول عمرك مآوح ويا الصيادين.. اسمك سهل جدا على بق الولاد.. هنوا أبو الفصاد.. ان شالله بعودة ونيجي في الميعاد.. فليحيا أبو القصاد».

لم يكتف الإذاعي القدير «محمود محمد شعبان» الشهير بـ«بابا شارو» بتقديم برنامجه الشهير «بابا شارو» وإنما إضافة لذلك فقد ابدع في تقديم العديد من الأعمال الفنية الموجهة للأطفال مثل أوبريت «أبو الفصاد» من كلمات «إبراهيم جكله» وإخراج «بابا شارو» وغناء «فؤاد المهندس، أمال فهمي، روحية سليمان، وإبراهيم جكله». تراث من الإبداع الإذاعي تربى عليه ملايين الأطفال من المحيط إلى الخليج، فباتت الإذاعة المصرية نبعا صافيا للفن  وأصبح تراثنا الإذاعي زاخرا بالروائع الفنية على إمتداد ما يقرب من قرن من الزمان. 

محمود محمد شعبان

ولد «بابا شارو» بحي الرمل في الإسكندرية في 21 سبتمبر 1912، وتتلمذ على يد عميد الآدب العربي «طه حسين» حيث تخرج من قسم الدراسات اليونانية واللاتينية سنة 1939 في كلية الآداب جامعة «فؤاد الأول» جامعة «القاهرة» حاليا.

طه حسين

التحق بالإذاعة المصرية فور تخرجه عام 1939، بتزكية من أستاذه «طه حسين» ليصبح أحد أبرز روادها، قادته الصدفة إلى العمل في مجال برامج الأطفال، حيث تسبب غياب مذيع برامج الأطفال بأحد الأيام في تقديمه حلقة من برنامج الأطفال، وتسبب خطأ مطبعي على الورق في تحويل اسمه من «بابا شعبان» إلى «بابا شارو» على الهواء لتصبح الصدفة وحدها مسئولة عن ميلاد أبرز رائد في مجال برامج الأطفال في مصر والعالم العربي.  

نال برنامج «بابا شارو» شهرة واسعة وبات علامة مميزة في عالم الإذاعة المصرية والعربية، ذلك أن البرنامج لم يقتصر على تقديم حكايات مسلية للأطفال وفقط وإنما حرص «بابا شارو» على معالجة مختلف القضايا المجتمعية مع الأطفال، حتى أنه كان يطرح عليهم طبيعة المشروعات القومية مثل مشروع كهرباء خزان أسوان ومديرية التحرير وفي ظل إعلان الحكومة المصرية آنذاك عن طرح سندات قيمتها خمسة جنيهات لدعم تلك المشروعات، أعلن «بابا شارو» عن مسابقة لأفضل رسم للأطفال يتضمن فكرة الدعاية لتلك المشروعات، وتمثلت جائزة المسابقة في الحصول على سند من قرض الإنتاج قيمته خمسة جنيهات.

واصل «بابا شارو» تقديم برنامجه للأطفال على إمتداد عشرين عاما من بداية سنة 1940 وحتى 1960، ولم يقتصر إبداعه على تقديم برامج الأطفال وأوبريت «عيد ميلاد أبو الفصاد» وإنما بالإضافة لذلك شارك في تقديم العديد من البرامج الدرامية والغنائية كان منها: «الراعي الأسمر.. عذراء الربيع جلنار.. أصل الحكاية.. الدندرمة». كما شارك مع الأستاذ «طاهر أبو فاشا» في تقديم نحو ألف حلقة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، إضافة لتقديم 300 حلقة درامية من كتاب «الأغاني» للأصفهاني.

«بابا شارو» الذي رسم مع زوجته الإذاعية الكبيرة الأستاذة «صفية المهندس» معالم رؤية الإذاعة المصرية، لم يكتف بالعمل في الإذاعة كمقدم برامج ومخرج للعديد من الأعمال الإبداعية الإذاعية، وإنما إضافة لذلك ساهم في إنشاء «معهد التدريب الإذاعي والتليفزيوني» الذي قام بالتدريس فيه، كما شارك بالتدريس بقسم الدراسات العليا بكلية الإعلام جامعة القاهرة، إضافة لإعداده العديد من الدراسات الخاصة بالفروع المختلفة لفن الإذاعة.

حاز لدوره المميز في مجال الإعلام على ميدالية الاستحقاق سنة 1954، وميدالية الجمهورية سنة 1976، إلى جانب عدد آخر من الجوائز المميزة تكريما لدوره الإبداعي العظيم، وتوفي في 10 يناير 1999.

أبلة فضيلة

حين تأسس التليفزيون المصري سنة 1960 انتقل «بابا شارو» من العمل بالإذاعة المصرية إلى العمل بالتليفزيون وكان عليه أن ينتقي من مقدمي البرامج الإذاعية بالإذاعة المصرية من يحل محله في تقديم برنامجه للأطفال، فاختار تلميذته المفضلة «فضيلة توفيق» لتقديم برنامج «غنوة وحدوتة».

فضيلة توفيق

الإذاعية «فضيلة توفيق» التي أشتهرت بلقب «أبلة فضيلة» من مواليد 4 إبريل سنة 1929، حصلت على ليسانس الحقوق، إستجابة لرغبة والدها الذي أصر على أن تلتحق بكلية الحقوق بدلا من كلية الآداب كما كانت ترغب، كي تكون برفقة أخيها.

عقب تخرج «أبلة فضيلة» من الجامعة التحقت للعمل بالإذاعة المصرية كمذيعة ربط، ومع انتقال «بابا شارو» للعمل بالتلفزيون المصري تولت تقديم برنامجها الشهير الذي دام لأكثر من خمسين عاما.

فضيلة توفيق مع الاطفال في الإذاعة

«أبلة فضيلة» أخت الفنانة العظيمة «محسنة توفيق» تروي عن نفسها فتشير إلى أنها كانت تجمع جيرانها من الأطفال لتقص عليهم القصص والحكايات، حيث كانت تقطن بشارع الملكة نازلي «رمسيس» حاليا، وقد تعلمت بمدرسة «الأميرة فريال» بذات المدرسة التي تعلمت بها الأميرة «ناريمان» التي تزوجها «الملك فاروق» فيما بعد، وأن سيدة الشاشة العربية «فاتن حمامة» كانت زميلة لها بذات المدرسة، وأنها حين التحقت بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، كان من بين دفعتها بالكلية الدكتور «أسامة الباز» والدكتور «عاطف صدقي» والدكتور «فتحي سرور».

محسنة توفيق

حرصت «أبلة فضيلة» في برنامجها إضافة لرواية الحدوتة ذات الطابع التربوي الشيق على إستضافة بعض المشاهير كان من أبرزهم: «نجيب محفوظ، أنيس منصور، الدكتور فاروق الباز، محمد عبد الوهاب، كامل الشناوي، سيد مكاوي، عبد الحليم حافظ» وغيرهم من مشاهير الفن والثقافة المصرية.

ظلت «أبلة فضيلة» حريصة على تقديم برنامجها «غنوة وحدوتة» حتى عام 2007، وفي عام 2014 سافرت إلى كندا للإقامة مع أبنتها الوحيدة «ريم» من زوجها كبير مهندسي الإذاعة المصرية «إبراهيم أبو سريع».. ولا يزال حضور أبلة فضيلة طاغيا بما قدمته لاطفال مصر الذين تربوا في رحاب برنامجها وكبروا وأصبحوا آباء وأجدادا

وتتواصل رحلة إبداع الإذاعة المصرية بمختلف المجالات لتؤكد على الدور المرموق الذي لعبه الإعلاميون المصريون ليس في حياة الشعب المصري وحده وإنما في حياة شعوب العالم العربي من المحيط إلى الخليج.

وللحديث بقية…

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: