منوعات

الإقتصاد المصري في أزمة كورونا: حزمة ضمانات اجتماعية وعدالة ضريبية مساران للخروج من الأزمة

فرضت أزمة كورونا العديد من التحديات على بنية الإقتصاد العالمي، وطرحت مؤسسات التمويل الدولية عددا من السيناريوهات شديدة التشاؤم مشيرة إلى أن تلك الأزمة قد تستمر لسنوات عدة، وبات التساؤل المطروح بقوة هل من مخرج لتلك الأزمة؟

ومثلما طرحت التداعيات الإقتصادية لأزمة كورونا الكثير من الجدل على المستوى العالمي طرحت كذلك بعض الجدل على المستوى المحلي فباتت تداعيات الأزمة على البنية الإقتصادية في مصر محل نقاش واسع لدى المهتمين بالشئون الإقتصادية. في هذا السياق عقدت «وحدة أبحاث القانون والمجتمع» التابعة لكلية السياسات الدولية والشئون العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة «حوار أونلاين» شارك فيه كل من: الأستاذة «سلمي حسين» الباحثة الإقتصادية المتخصصة في مجال قضايا العدالة الإجتماعية، والدكتور «أسامة دياب» الباحث الإقتصادي المتخصص بمجال السياسات الضريبية، وأدار الحوار الأستاذ «مصطفى شعت» الباحث القانوني بوحدة أبحاث القانون والمجتمع بالجامعة الأمريكية. «رابط الندوة في نهاية المقال»

البشر قبل الأرباح 

«البشر قبل الأرباح» هو الشعار الذي فرض نفسه مؤخرا بقوة في ظل الحديث عن التداعيات الاقتصادية لأزمة كورونا، فهل سيكون هو الشعار الحاكم لسياسات الدول المختلفة في تعاملها مع أزمة تفشي وباء الفيروس الخطير؟

الأستاذة «سلمى حسين» في حديثها تطرح عدة تساؤلات تتعلق بكيفية إدارة الحكومة المصرية للأزمة الحالية؟ وكيفية تعاملها مع قرض صندوق النقد الدولي وشروطه؟ إضافة لطرح التساؤل الخاص بهل من سبيل للخروج من الأزمة؟

الباحثة الإقتصادية «سلمي حسين» 

تستهل «سلمى حسين» الحديث بالإشارة إلى أن العالم بات في مواجهة أزمة إقتصادية تفوق تلك الأزمة التي تعرض لها عام 2008 والتي مازالت آثارها باقية حتى اللحظة الراهنة، وأن استجابة الحكومات المختلفة لتداعيات الأزمة الحالية مازالت دون توقعات الفئات الأكثر فقرا، ودون توقعات المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة وغيرها.

أما عن موقف الحكومة المصرية من الأزمة فكما هو معروف فإنها قد بادرت بتخصيص مائة مليار جنيه لمواجهة الأزمة، وهو مبلغ ضخم نسبيا ولكن التساؤل الهام يكمن في كيفية التعامل مع ذلك المبلغ؟

الأستاذة «سلمى» تشير إلى أن الحكومة المصرية قد خصصت نحو «50 مليار جنيه» من ذلك المبلغ لدعم شركات الطيران، كما خصصت «20 مليار جنيه» لشراء أسهم شركات في البورصة وذلك للحفاظ على مؤشر البورصة ومنعه من الإنخفاض، وهى مبالغ ضخمة مقارنة بما تم تخصيصه لمساعدة الشرائح الدنيا من  حيث الدخل مثل منحة العمالة غير المنتظمة.

من جانب آخر ربطت «سلمي» تحليلها لأوضاع ما بعد كورونا بخطة الحكومة للموازنة العامة للدولة للعام القادم «2020-2021» والتي يبدأ العمل بها مع بداية شهر يوليو القادم، مشيرة إلى أن الغريب في أمر تلك الموازنة: أنها قد خفضت من حجم الدعم المخصص للسلع التموينية فبعد أن كان «89 مليار جنيه» انخفض ليصبح «84.5 مليار جنيه» وذلك في الوقت الذي يفترض فيه تقديم مزيد من الدعم العيني للأسر المتضررة من تفشي وباء كورونا، كما أن معاش الضمان والذي يتضمن معاش «تكافل وكرامة» سوف يزيد بمعدل نصف مليار جنيه فقط، ليرتفع من «18.5 مليار جنيه» ليصبح «19 مليار جنيه» في حين أن أزمة كورونا كانت تستلزم المزيد من التوسع في منح ذلك المعاش من حيث عدد المستفيدين والقيمة المخصصة للمعاش، وخاصة أن البيانات والإحصاءات المتعلقة بذلك الإجراء متاحة بالفعل ولن تستهلك أي تكلفة مادية في إعدادها.

وعلى الرغم من زيادة المخصص للإنفاق الحكومي على الصحة بنحو عشرين مليار جنيه عن العام السابق، إلا أن تلك الزيادة مازلت تجعل الإنفاق الحكومي على الصحة أقل من واحد ونصف بالمائة من إجمالي الناتج المحلي وهو معدل يقل عن الحد الأدني الدستوري والذي يبلغ ثلاثة في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ويقل عن معدل العديد من البلدان التي تتشابه مع مصر من حيث معدلات النمو والتي يصل فيها الإنفاق على الصحة نحو خمسة ونصف بالمائة من إجمالي الناتج المحلي لتلك البلدان.

الأمر لا يقتصر على انخفاض المخصصات الحكومية للإنفاق على قطاع الصحة وإنما الأزمة تتواصل لتصل حد وجود حالة من إنعدام العدالة في توزيع تلك المخصصات على المحافظات المختلفة، إضافة إلى أن وزارة الصحة وملحقاتها تستأثر بنسبة كبيرة من ذلك الإنفاق مقارنة بما يتحصل عليه مقدمو الخدمة الصحية ذاتهم في المستشفيات والوحدات الصحية والذين يعدون خط الدفاع الأول في مواجهة أزمة كورونا.

تُجِمل «سلمى» رؤيتها حول التداعيات الإقتصادية المتعلقة بأزمة كورونا في كونها «أزمة طلب.. بمعنى أن الناس والمنشآت لن يمتلكون المال لشراء المستلزمات من سلع مختلفة»، وينجم عن انخفاض هذا الطلب على السلع حالة من الإنكماش الإقتصادي، ومن ثم فإن الحل يكمن من وجهة نظرها في كيفية توفير إتاحة مالية للأسر تدعم قدرتها الشرائية، إلى جانب زيادة معدلات الإنفاق الحكومي على الصحة، كرسالة مجتمعية تحمل المزيد من الطمأنة لمختلف الأسر المصرية.

أما عن سبل توفير الإتاحة المالية لمختلف الأسر من وجهة نظر «سلمى» فأنها تكمن في عدة بدائل منها تطبيق نظام الدخل الأساسي المعمم والذي يتضمن إتاحة مبلغ من المال للجميع دون أي قيود أو شروط، وهو حل سوف يخلق حالة من التضخم ولكنه الحل الذي بات مطروحا بنسبة كبيرة على مستوى العالم. أما البديل الآخر المطروح بقوة فيتمثل في إعانة البطالة، والتوسع في تقديم الدعم العيني إلى جانب الدعم المادي بالإضافة إلى تطبيق سياسات العمل اللائق والمتمثلة في تطبيق حد أدنى للأجور وتطبيق نظام شامل للتأمينات الإجتماعية والصحية لجميع العاملين.

خلل النظام الضريبي

الدكتور «أسامة دياب» يستهل حديثه بالإشارة إلى أن أغلب تصورات الناس حول سبل تجاوز الأزمة الإقتصادية الناجمة عن تفشي فيروس كورونا تنحصر في عودة معدلات النمو الاقتصادي لما كان عليه قبيل تفشي تلك الأزمة، وأن الرعب الأكبر الذي بات مسيطرا على الجميع يتمثل في وصول المجتمعات إلى أزمة يعاني فيها غالبية الناس من الوقوع الي أدنى من حد الكفاف الذي يبلغ مقدار نحو دولار وربع يوميا للفرد.

الدكتور الباحث الإقتصادي «أسامة دياب»

في هذا السياق ينتقد دكتور «أسامة» النظام الضريبي المتبع بمصر والذي يعتمد بشكل أساسي على ضرائب الإستهلاك في مقابل انخفاض عائدات ضرائب الشركات التي تنتمي للقطاع الخاص التي لا تزيد عن نسبة تسعة بالمائة من إجمالي المتحصل من الضرائب بمصر والتي تعتمد بشكل أساسي على ضرائب الشركات «الصغرى»!! في حين أن الشركات الكبرى لديها القدرة على التحايل الضريبي بطرق وأساليب متعددة!!

هنا يطرح دكتور «أسامة» ضرورة تطبيق نظام تصاعدي للضرائب يكون حريصا على تشجيع الإستثمار في مجال العمالة الكثيفة التي تعاني من انخفاض الأرباح، إضافة للتوسع في تطبيق نظام إعانات البطالة إلى جانب التوسع في تطبيق برنامج تكافل وكرامة. 

إحدى الفئات المتضررة من الأزمة الأقتصادية لكورونا

أزمة القروض أم أزمة كورونا؟

الأزمة الإقتصادية التي تعاني منها مصر حاليا والتي دفعتها للسعي نحو طلب مزيد من القروض ترجع بالأساس إلى انخفاض معدلات توفير العملة الصعبة نتيجة لما يعانيه قطاع السياحة من أزمة تراجع شديدة ناجمة عن أزمة تفشي وباء كورونا، إلى جانب تراجع عائدات المصريين بالخارج بسبب إنخفاض سعر البترول، وكذلك إنخفاض عائدات قناة السوي، ويشير دكتور «أسامة دياب» إلى أن نحو عشرة بالمائة من الناتج المحلي المصري إنما ينفق على سداد فوائد الديون بما يوازي نحو 600 مليار جنيه. 

وتعود «سلمى حسين» لتلفت النظر إلى أن أزمة تعامل الحكومة المصرية مع قروض صندوق النقد الدولي المشروطة بتحرير سعر الصرف، تتمثل فيما سينجم عن تلك العملية من زيادة في معدلات التضخم، ومن ثم تنوه «سلمى» إلى تلك الدعوة التي أطلقتها العديد من المنظمات الدولية ومن بينها الأمم المتحدة إضافة إلى عدد كبير من منظمات المجتمع المدني حول العالم، والمتمثلة في المطالبة بضرورة تجميد سداد الديون وفوائدها لمدة عام، الأمر الذي يتيح لحكومات البلدان المختلفة مزيدا من البراح في التعامل مع التداعيات الإقتصادية المصاحبة لأزمة كورونا.

إجمالا: فإن العالم أجمع بات يعيش نفس الظروف وأصبح الجميع علي ذات القارب وبناء عليه فإن قضية جدولة الديون الخارجية لمختلف الدول أصبحت واحدة من القضايا المصيرية المطروحة على الساحة العالمية، كما أن تغير معالم الدور المجتمعي الذي تلعبه الدولة بات أمرا ضروريا، إضافة إلى أن طرح نقاش مجتمعي عام حول سبل الخروج من الأزمة بات أولوية قصوى لا تحتمل التأجيل.

Posted by AUC – Law & Society Research Unit on Thursday, May 14, 2020

الندوة كاملة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق