منوعات

قصة آية (٢٢) حاطب بن أبي بلتعة.. سفير رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط

القصة تبدأ مع قدوم سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف من مكة إلى المدينة، ورسول الله يتجهز لفتح مكة، فقال لها رسول الله: أمسلمة جئت؟، قالت: لا. قال: أمهاجرة جئت؟، قالت: لا، قال: فما جاء بك؟، قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي، وقد احتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، فقال لها: وأين أنت من شبان مكة؟، وكانت مغنية نائحة، قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحث رسول الله بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها نفقة وكسوها وحملوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى فكتب معها إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب: (من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة إن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم).

خرجت سارة من المدينة عائدة إلى مكة، ونزل جبريل فأخبر النبي بما فعل حاطب بن أبي بلتعة  فبعث رسول الله عليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد فرسانا، فقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا «روضة خاخ» فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فخذوه منها، وخلوا سبيلها، وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها.

فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها كتاب، فبحثوا وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع فقال علي رضي الله عنه: والله ما كذبنا، ولا كذب رسول الله، وسل سيفه فقال: أخرجي الكتاب وإلا لأجردنك ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها، وكانت قد خبأته في شعرها، فخلوا سبيلها ولم يتعرضوا لها، ولا لما معها، فرجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأرسل رسول الله إلى حاطب فأتاه، فقال: هل تعرف الكتاب؟، قال: نعم، قال: فما حملك على ما صنعت؟، فقال: يا رسول الله، والله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت غريبا فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً، فصدقه رسول الله وعذره.

فقام عمر بن الخطاب فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله عز وجل في شأن حاطب الآيات الأربع الأولى من سورة الممتحنة:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ.إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ.لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

كان حاطب بن أبى بلتعة أحد فرسان قريش فى الجاهلية ومن شعرائها، وكان من أشد الرماة في المعارك، رميته مسددة، وسهمه هادف لا يخطئ، وكانت لديه تجارة درّت عليه المال الكثير، وهو فوق ذلك لماح، وهو سفير الرسول، وكانت مهمة السفارة فى صدر الاسلام شاقة ومرهقة و تعرِّض صاحبها للقتل والتنكيل وكان من اختصاصاتها نشر الدعوة الاسلامية، وتبليغ الإنذار قبل بدء القتال وتسوية القضايا المتعلقة بالقتال ووضع الهدنة أو الصلح وتبادل الأسرى بعد دفع ديتهم، أرسله النبى  بكتاب الى المقوقس صاحب الاسكندرية فقام بسفارته خير قيام، وبهر المقوقس ورجاله برجاحة عقله وقوة حجّته.

كان ذلك في سنة ست من الهجرة، وإثر رجوع رسول الله من الحديبية، بعث بحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية ومعه كتاب من رسول الله، فمضي بكتاب رسول الله حتى انتهي الي الإسكندرية، فوجد المقوقس في مجلس يشرف علي البحر، فركب البحر حتي حاذي مجلس المقوقس، فأشار اليه بالكتاب، فأمر المقوقس بقبض الكتاب وإيصال حامله اليه، ولما مثل بين يدي المقوقس، قال لحاطب: ما يمنع محمدا إن كان نبيا أن يدعو علي فيهلكني؟، فقال حاطب: ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به كذا وكذا؟، فوجم المقوقس ساعة، ثم استعادها فأعادها حاطب عليه، فسكت.

رسالة رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط

فقال له حاطب: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فانتقم الله به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك، وإن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه وهو الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا إياك الي القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الانجيل، ولسنا ننهاك عن الإيمان بالمسيح ولكنا نأمرك به.

وتدبر المقوقس جيدا ما سمع، ثم تدبر الكتاب الذي أرسله النبي مرة أخري، وقرأ فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المقوقس، عظيم القبط، سلام علي من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64)».

تأثر المقوقس بكتاب رسول الله وتأثر بمنطق حاطب بن أبي بلتعة الحكيم، فوضع هذا الكتاب في حُق من عاج وختم عليه، واستدعي كاتباً يكتب العربية فأملى عليه ما يأتي: «لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً قد بقي، وكنت أظن أنه يخرج من الشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام». وأما الجاريتان فهما مارية القبطية والتي تزوجها الرسول والثانية وهبها النبي لشاعر الإسلام حسان بن ثابت رضى الله عنه.

وحين تولى الخلافة أبو بكر الصديق رضى الله عنه، بعث بحاطب مرة أخرى الى المقوقس، ليجدد الدعوة إلى الإسلام، ويدعوهم إلى المسالمة، ونجح حاطب مرة أخرى فى سفارته، ولم يزل أهل مصر على العهد حتى فتحها عمرو بن العاص فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ومات حاطب في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه، وله من العمر خمس وستون سنة.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق