منوعات

قصة آية (25) عبد الله بن عمر: تعلمنا من رسول الله الإيمان قبل أن نتعلم القرآن

كان النبي يُعلِّم أصحابه رضوان الله عليهم الإيمان أولاً قبل تعليم الأحكام، وقد جاء في تعليم الإيمان قبل الأحكام آثار مشهورة، منها ما رواه جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ونحن فتيان حزاورة (وحزاورة جمع حزور أى غلام)، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً، وكان عبد الله بن عمر واحداً من هؤلاء الذين التفتوا إلى منهج رسول الله فقال: لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدرى ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه. وفي لفظ عنه قال: إنا كنا صدور هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله وصالحيهم ما يقيم إلا سورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلا عليهم، ورزقوا علما به وعملا، وإن آخر هذه الأمة يخف عليهم القرآن حتى يقرأه البيص والعجمي لا يعلمون منه شيئاً.

وكان رضي الله عنه وقافا عند آيات الله، يبكي عند بعضها، يقوم فينفذ ما في بعضها الآخر وكان له أكثر من موقف يروى مع الآية الكريمة: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، فكان إذا أحب شيئًا أنفقه في سبيل الله، ويروى أنه قال: خطرت هذه الآية فتذكرت ما أعطاني الله فما وجدت شيئا أحب إلي من جاريتي رميثة فقلت هذه حرة لوجه الله فلا أعود في شيء جعلته لله ولولا ذلك لنكحتها فأنكحها نافعا وهي أم ولده، وكان يتصدق بالسكر ويقول: سمعت الله يقول: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، والله يعلم أني أحب السكر.

 ويحكى أنه كان مريضًا فقال لأهله: أني أشتهي أن آكل سمكًا فأخذ الناس يبحثون له عن سمك فلم يجدوا إلا سمكة واحدة بعد تعب شديد، فأخذتها زوجته صفية بنت أبي عبيدة فأعدتها، ثم وضعتها أمامه فإذا بمسكين يطرق الباب، فقال له ابن عمر: خذ هذه السمكة، فقال أهله: سبحان الله قد أتْعَبتنا حتى حصلنا عليها، وتريد أن تعطيها للمسكين؟ كلْ أنت السمكة وسنعطي له درهما فهو أنفع له يشتري به ما يريد. فقال ابن عمر: لا أريد أن أحقق رغبتي وأقضي شهوتي، إنني أحببت هذه السمكة فأنا أعطيها المسكين إنفاقًا لِمَا أُحِبُّ في سبيل الله.

وكان رضي الله عنه محباً للخير فعالا له، وذكر نافع‏:‏ أن ابن عمر كان إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قربه لربه، وكان رقيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه، فيقول له أصحابه‏:‏ يا أبا عبد الرحمن، والله ما بهم إلا أن يخدعوك،‏ فيقول ابن عمر‏:‏ من خدعنا بالله انخدعنا له.

 قال نافع فلقد رأيتنا ذات عشية وراح ابن عمر على نجيب له (جمل قوي) قد أخذه بمال، فلما أعجبه سيره أناخه مكانه، ثم نزل عنه فقال: يا نافع انزعوا زمامه ورحله وجللوه وأشعروه وأدخلوه في البدن، يقصد إبل الصدقة.

وكان لا يأكل طعاما إلا وعلى خوانه يتيم، وكان يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يأكل تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه للسائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائماً، ولم يأكل شيئاً.

وكان عبد الله بن عمر من البكائين الخاشعين، قارئًا للقرآن، وكلما قرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) بكى حتى يغلبه البكاء، وكان رقيق القلب، حسن الطباع، لا يسمع ذكر النبي إلا بكى، وما كان يمر بمسجده وقبره إلا بكى حبًّا وشوقًا إليه.

ورأى عبد الله بن عمر وهو نائم بالمسجد في المنام كأن ملكين أخذاه فذهبا به إلى النار، يقول: فإذا هي مطوية كطي البئر، فإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار‏، فلقيهما ملك آخر فقال لي لن تراع‏، فقصصتها على حفصة‏، فقصتها حفصة على النبي فقال: (‏نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي بالليل)، فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً. وكان رضي الله عنه يقوم الليل، يصلي حتى السحر ثم يقعد ليستغفر حتى الصبح، ولم ينقطع عن هذا من يوم أوصى الرسول المعلم بذلك.

ظل حريصاً على البعد عن فتن الدنيا حتى وافى أجله، زاهداً في الدنيا، مقبلاً على الآخرة، نائياً بنفسه عن المناصب والجاه، طالبا عفو ربه ومغفرته، حتى قال عنه جابر بن عبد الله: (ما رأيت أحداً وما أدركت أحداً إلا وقد مالت به الدنيا أو مال بها، إلا عبد الله بن عمر).

وكان رضي الله عنه ابن أبيه، تقياً ورعاً، متبعاً لسنة رسول الله، عالماً بحديثه، محباً للخير، منفقاً لما يحب في سبيل الله، ولم تكن لعبد الله بن عمر جاهلية، فقد أسلم، وهاجر مع أبيه وهو صغير، وعن نافع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له هو من المهاجرين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟، فقال إنما هاجر به أبواه‏، يقول ليس هو كمن هاجر بنفسه.

وهو رضي الله عنه من فقهاء الصحابة، وأحد العبادلة، عبد الله ابن عباس و عبد الله ابن الزبير وعبد الله ابن عمرو بن العاص و عبد الله ابن عمر، تأخرت وفاتهم حتى احْتِيج إلى علمهم، فكانوا إذا اجتمعوا على شيء من الفتوى قيل: هذا قول العبادلة. وشهدت له أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت: (ما رأيت أحدًا أشبه بأصحاب رسول الله الذين دفنوا في النمار من عبد الله بن عمر).

وهو آخر من مات من الصحابة في مكة، عند بعض أهل العلم، وتوفي بعد الحج على إثر جرح أصابه من الزحام عند الجمرة، وذكر الزبير أن عبد الملك بن مروان لما أرسل إلى الحجاج الثقفي ألا يخالف ابن عمر شق على الحجاج ذلك، فأمر رجلاً معه حربة يقال إنها كانت مسمومة، فلما دفع الناس من عرفة لصق ذلك الرجل به فأمر الحربة على قدمه، فمرض منها أياماً ثم مات رضي الله عنه، ودفن بمكة.

ويروي البخاري عن ‏‏سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ‏‏قَالَ‏: ‏كُنْتُ مَعَ ‏‏ابْنِ عُمَرَ ‏حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا وَذَلِكَ ‏‏بِمِنًى، فَبَلَغَ ‏‏الْحَجَّاجَ، ‏‏فَجَعَلَ يَعُودُهُ فَقَالَ ‏‏الْحَجَّاجُ: ‏‏لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ؟ فَقَالَ ‏‏ابْنُ عُمَرَ: ‏أَنْتَ أَصَبْتَنِي، قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ ‏‏الْحَرَمَ ‏‏وَلَمْ يَكُنْ السِّلَاحُ يُدْخَلُ ‏الْحَرَمَ.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق