رؤى

مسلسل الاختيار القى الضوء عليها: تفكيك البيئة الحاضنة للإرهاب.. أهم من تفكيك منظماته

ربما احتاج البعض لمسلسل تليفزيوني كبير مثل «الاختيار» حتى يستوعب التحولات الجديدة التي طرأت على  جماعات التطرف والإرهاب مثل القاعدة وداعش مقارنة بتنظيمات الجهاد والجماعة الإسلامية في القرن الماضي، وقد أُلقى المسلسل الضوء على تحدي تفكيك البيئة الحاضنة التي تفرز وتحمي العناصر الإرهابية، وهو ما يمثل لب هذه التحولات التي استجدت على جماعات الإرهاب

مسلسل الرسائل المهمة

اختلف كثيرون على بعض مشاهد مسلسل الاختيار وخاصة ما تعلق بالحديث عن ابن تيمية الذي اعتبره البعض ترويجا أو تبريرا لتشدده، كما انتقد آخرون التطويل في بعض مشاهد المسلسل وحواراته، ومع ذلك ظلت أهميته وقوته في أنه عمل حقيقي/ واقعي تكلم عن أبطال وشهداء حقيقيين بعضهم لازال معنا وبعضهم اختاره الله.

الشهيد أحمد المنسي

ولعل جانبا رئيسيا من رسالة مسلسل الاختيارقد تمثل في النظر إلي أهل سيناء (البيئة الحاضنة في هذه الحالة للإرهاب) باعتبارهم شركاء في مواجهة الإرهاب وكيف دفع مئات منهم حياتهم ثمن انتمائهم لوطنهم وتعاونهم مع الجيش، وهو ما مثَّل خطا ثابتا طوال العمل، وعرض المسلسل صورا حقيقية للشهيد أحمد منسي وهو يقدم الماء لأطفال سيناء وعلاقته الإنسانية القوية مع الأهالي وتأكيد الحوار مرات عديدة إنه لا نصر على الإرهاب بدون دعم الأهالي، وكيف إنهم كانوا شركاء في عمليات كثيرة قام بها الجيش ضد مواقع الإرهابيين مثل مشهد الثأر لمقتل الشيخ سليمان أبو حراز على أيدي داعش رغم تجاوزه التسعين من عمره.

إن تفكيك البيئة الحاضنة للإرهاب مدخله ما فعله أحمد منسي أي كسب ولاء الناس وتعاطفهم ومواجهة كل الاتهامات المسيئة التي رددها البعض بحق أهالي سيناء واتسمت بالتعميم المخل والكارثي.

إن تحدي البيئة الحاضنة للإرهاب الجديد بات في بعض الحالات أكثر خطورة من التنظيمات المسلحة والإرهابية نفسها وهو تحد يختلف عما كان عليه الحال مع تنظيمات القرن الماضي حين كان تحدي تفكيك التنظيمات هو الأولوية الأساسية.

نمط تجنيد شعبي جديد

اعتمدت التنظيمات الدينية المتطرفة منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين وحتى جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر على نمط تجنيد تنظيمي يقوم على «التجنيد العقائدي» أي أن أعضاء هذه التنظيمات كانوا عشرات الآلاف مع الجماعة الإسلامية، وبضعة آلاف مع تنظيم الجهاد، يتم إعدادهم فكريا وعقائديا بشكل معمق وتُملأ عقولهم لسنوات طويلة بأفكار ابن تيمة والحاكمية لله، وضرورة إسقاط النظم الكافرة التي لا تطبق شرع الله، وبعد هذه السنوات الطويلة من الإعداد الديني والعقائدي يمكن بعدها أن يمارسوا العنف اغتيالا لا انتحارا مثلما جري مع عشرات المصريين طوال السبعينيات وحتى مشهد اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات وعقب فتوى دينية بالتكفير.

الإرهابي هشام عشماوي

البنية العقائدية والفكرية لهذه العناصر كانت تعتمد على تفسيرات دينية متطرفة وخاطئة ولا علاقة لها بجوهر الإسلام ولكنها اتسمت بالعمق والتركيز على البناء العقائدي لعضو تنظيمي. ومع بدايات العقد الماضي ظهر تنظيم داعش، وتنقلت الحاضنة الداعشية بين العراق وسوريا، وأصبح هناك نمط جديد من التجنيد يختلف عن النمط العقائدي السابق وهو ما يمكن أن نسميه «التجنيد الشعبي» يعتمد على وجود حاضنات شعبية للتنظيم اعتمدت في تجنيدها على مقولات انتقام سياسي ومذهبي تروج وسط الناس العادية لتخلق بيئة حاضنة للإرهاب مثلما جري في كثير من المناطق السنية في العراق.

والمؤكد أن سيطرة التنظيم على أي بقعة أرض في سوريا والعراق كانت كافية بعد مدة قليلة من الوقت لاكتشاف حقيقته، وتخلي أغلب من تصوروا إنه مخلِّص من مظالم النظم الحاكمة عن دعمه أو التواطؤ معه بعد اكتشاف حجم جرائمه.

أما في مصر وتحديدًا في سيناء حيث يوجد تنظيم ولاية سيناء أي الفرع الداعشي، فقد نجح في خلق نمط من التجنيد الأوسع يعتمد فيه على خليط متعدد من الشباب المحبط أو الراغب في الحصول على المال أو من يري إن لديه ثأرا أو مظلمة مع الدولة.

اجتماع قبائل سيناء للاتفاق على مواجهة المتشددين

وفي المجمل يمكن القول إن البيئة الحاضنة للإرهاب في كثير من الخبرات العربية لا تقدم فقط أو أساسا عناصر عقائدية للتنظيمات الإرهابية إنما أيضا أو أساسا شبكات من الداعمين (مهربين مجرمين مهمشين قبائل) باتت في كثير من الأحيان أكثر أهمية وخطورة من الأعضاء التنظيميين، لأنها غير معروفة في أغلبها للأجهزة الأمنية كما إنه يسهل عليها الاختباء بين البيئة الحاضنة التي هي جزء منها، كما إنها لا تختلف في مظهرها عن الناس العادية الذين يعيشون في هذه البيئة.

تأثير البيئة الحاضنة واضح في أماكن كثيرة وربما ماجري في العراق مؤخرا عقب هزيمة داعش عسكريا وتحرير المدن التي سيطر عليها، ثم عودته مرة أخري معتمدا على بيئة حاضنة استطاعت أن تخبئَ عناصره وتحتضنهم وتدفعهم مرة أخري للظهور والمواجهة في مشهد متكرر للكر والفر.

تحدي البيئة الحاضنة أكبر من تحدي التنظيمات

في عصر تنظيمات التطرف العنيف في سبعينيات القرن الماضي كان يُعتبر أن الخطر الحقيقي لهذه الجماعات هو في بنيتهم التنظيمية ورؤيتهم العقائدية وقدرتهم على التجنيد والهراركية المحكمة، «أوتراتبية السلطة» وأن سبل مواجهتهما تكون بضرب بنية التنظيم ودحض الآراء الفقهية التي يستند عليها في تجنيد العناصر الجديدة.

ولذا لم يكن غريبا أن تركز جهود مواجهة جماعات التطرف العنيف في القرن الماضي على كسر شوكة التنظيم من ناحية، وعلى مبادرات للأزهر والدولة لإقناع قادة هذه التنظيمات بفساد مقولاتهم الدينية من ناحية أخري، حتى قدمت الجماعة الإسلامية تأصيلا فكريا لمبادراتها الشهيرة في 1997 بوقف العنف. وجاءت بعدها مراجعة الشيخ سيد إمام وعرفت باسم ترشيد الجهاد في مصر والعالم، لتراجع أيضا الأساس العقائدي لتنظيمات التطرف العنيف.

والمؤكد أن هناك حاليا تحديا تنظيميا يتعلق بمواجهه تنظيمي القاعدة (جبهة النصرة) المتراجع، وتنظيم داعش المهزوم، وهو واقع لا يمكن تجاهله، ولكن التحدي الأكبر سيظل في مواجهه البيئة الحاضنة أو السياق الاجتماعي والسياسي الذي ساعد على انتشارهما، ففي العصر الحالي تشكل مثلا البيئة الحاضنة عاملا رئيسيا وراء انضمام نوعيات مختلفة من الناس إلي خلايا داعش وتقديم مساعدات لوجستية له من شباب لم ينضموا بالضرورة تنظيميا لداعش ولم يبايعوا زعيمه السابق «أبو بكر البغدادي»، إنما حملوا مشاعر غضب وانتقام جعلت كثيرين منهم يسقطون في شباك الأموال التي تُدفع لهم حتى أصبح حملهم للسلاح وممارستهم للعنف والإرهاب تحركه دوافع من الواقع المعاش قائمة أساسا على الانتقام السياسي والحاجة الاجتماعية والاقتصادية، طبعتها في الخطوة الأخيرة أو بررتها مفردات دينية، وهذا على عكس تنظيمات التطرف العنيف في القرن الماضي التي انطلقت نحو العنف والإرهاب من خلال تفسيرات فقهية متشددة وتربية عقائدية طويلة ومعمقة.

وبدا الأمر لافتا كيف أن مسلسل الاختيار تعمد أن يُظهر أحد المهربين الذين انضموا إلى داعش وأظهر كيف ينتقل أعضاء هذه التنظيمات من تنظيم لآخر تبعا للراتب المرتفع الذي يدفع لهم، وهو ما يعني أن هناك استقطاب «غير عقائدي» يجري بشكل مباشر مع عناصر من البيئة الحاضنة للإرهاب تعتمد على دوافع مالية واجتماعية وسياسية.

تفكيك البيئة الحاضنة التي تساعد على حماية أو إعادة إنتاج عناصر التطرف والإرهاب يجب أن يكون هدفا رئيسيا في معركة مواجهة الإرهاب، ولا نكتفي فقط بهزيمة هذه التنظيمات ولا كسر شوكتها العسكرية إنما أيضا ضرورة فتح الأسباب السياسية والاجتماعية والطائفية التي تؤدي إلى خلق بيئة مجتمعية داعمة أو متواطئة مع جماعات الإرهاب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: