فن

الإذاعة المصرية صانعة الوجدان المصري والعربي (٣)

«هنا القاهرة.. إلى ربات البيوت.. سيداتي آنساتي صباح الخير» بتلك العبارة اعتادت الإعلامية القديرة «صفية المهندس» حاملة لقب أم الإذاعيين المصريين إفتتاح برنامجها اليومي «ربات البيوت» ذلك البرنامج الذي تابعته مع أمي رحمها الله ومعنا ملايين السيدات والفتيات المصريات بشكل يومي منتظم على امتداد سنوات عدة ومن خلاله تَعرَفت ورصدت معالم عالم المرأة ومشكلات المجتمع المصري وقضاياه.

ربات البيوت.. وعائلة مرزوق

«الراجل أبو سيد يا أختي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب» هكذا اعتادت «خالتي بمبة» تلك الشخصية الفكاهية التي كانت تقوم بدورها الفنانة «ملك الجمل» أن تبدأ رواية مشكلتها مع زوجها «أبو سيد» الذي كان يقوم بدوره الفنان «رأفت فهيم ».. عبر تلك الفقرة الفكاهية التي كانت تذاع ضمن برنامج «ربات البيوت» تابع مستمعو البرنامج مختلف أنواع المشاكل التي تدور داخل الأسرة المصرية بين الأزواج والزوجات بشكل فكاهي خفيف لا يخلو من درجة ما من التوجيه والإرشاد الأسري. 

تعددت فقرات برنامج «ربات البيوت» حيث ضمت إلى جانب فقرة «خالتي بمبة» فقرة «عائلة مرزوق» ذلك العمل الدرامي اليومي الممتد على مدي سنوات طويلة ويتضمن مجموعة من الحلقات المنفصلة، تطرح كل حلقة مشكلة من مشكلات المجتمع المصري مثل: «الإدمان، الهجرة الغير شرعية، والمشكلات الأسرية المختلفة» وتهدف حلقات المسلسل لتقديم إرشادات وحلول متنوعة لمشكلات المجتمع، وتوجيه وإرشاد الزوجات والأزواج داخل الأسرة  لطبيعة حقوقهم وواجباتهم.

شارك في تمثيل «عائلة مرزوق» على مدى تاريخه الممتد عدد كبير من ألمع الفنانات والفنانين كان منهم: «عزيزة حلمي، جمالات زايد، آمال زايد، إحسان القلعاوي، أمينة نور الدين، سميرة عبد العزيز، أحمد الجزيري، توفيق الدقن، فؤاد المهندس عدلي كاسب، فريد شوقي، أشرف عبد الغفور وأشرف زكي» وغيرهم الكثير. 

عزيزة حلمي

أم الإذاعيين 

برنامج «ربات البيوت» ذلك البرنامج المتميز الذي مازالت تتابعه ملايين النساء المصريات، ويتضمن بالإضافة لفقرة «خالتي بمبة» و«عائلة مرزوق أفندي» فقرة خاصة برسائل المستمعات، حيث كانت «صفية المهندس» تستقبل رسائل السيدات والآنسات المصريات على عنوان بريد الإذاعة، ومن ثم تطرح المشكلة المتضمَنة بالرسالة و تقوم بتقديم حل مناسب لها من وجهة نظرها، يدعونا هذا البرنامج الإذاعي المتميز إلى التعرف على رحلة رائدة العمل الإذاعي «صفية المهندس» التي كانت سابقة في تقديم هذا البرنامج وغيره من البرامج التي تهتم بطرح قضايا ومشكلات المرأة المصرية.

صفية المهندس

بدأت «صفية المهندس» رحلتها بالعمل بالإذاعة عام 1947 كمذيعة ربط، وتعد أولى النساء اللاتي التحقن بالعمل بالإذاعة المصرية، حتى أنها كانت تروي عن نفسها أحد المشاهد الفكاهية التي تعرضت لها حين طُلِب منها تقديم أحد المشايخ قبل بداية تلاوته للقرآن الكريم، و حين طرقت باب الأستوديو الذي كان يجلس فيه الشيخ، سألها: «ماذا تريد؟»، رددت عليه بأنها المذيعة الجديدة التي سوف تقوم بتقديمه، فقام الشيخ من مقعده وجرى خلفها ممسكا بحذائه بيديه في أرجاء المبنى وهو يلعنها ويلعن الإذاعة والقائمين عليها ومستمعيها.

واصلت «صفية المهندس» رحلتها فقدمت برنامج «ركن المرأة» وهو أول برنامج خاص بالمرأة تمت إذاعته بالإذاعة المصرية، اعتمدت فيه صفية المهندس على تجميع أحاديث الرائدات الشهيرات مثل: «أمينة سعيد، بنت الشاطىء، والدكتورة سهير القلماوي» وغيرهن من نساء ذلك الجيل.

توالت الرحلة ليحل برنامج «ربات البيوت» محل برنامج «ركن المرأة» ومن ثم تدرجت «صفية المهندس» في تولي المناصب الإدارية بالإذاعة المصرية، من إدارة برامج المنوعات والإشراف على برامج المرأة عام 1965 ثم مديرة للبرنامج العام، فوكيلة للإذاعة للبرامج المحلية التي كان يتبعها إذاعات البرنامج العام والشعب والبرنامج الثاني «الثقافي حاليًا» والأوروبي والموسيقي في عام 1975.

في 28 سبتمبر من عام 1975 تم انتدابها كرئيسة للإذاعة المصرية إلى أن أصدر الرئيس الراحل «محمد أنور السادات» قرارًا بتعيينها رئيسة للإذاعة المصرية عام 1976 فأصبحت بذلك أول سيدة تتولى ذلك المنصب المرموق.

بلغت الإذاعية القديرة «صفية المهندس» في 12 ديسمبر عام 1982 سن المعاش وهى رئيسة للإذاعة، فتولت رئاسة الإنتاج الإعلامي المسموع بمجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون بالإضافة إلى عضوية مجلس الشورى والمجلس القومي للفنون وعرض عليها العمل بالتليفزيون غير أنها رفضت نظرا لعشقها للإذاعة، الأمر الذي دعاها للإستمرار في تقديم برنامجها «إلى ربات البيوت» حتى عام 2007.

حصلت «صفية المهندس» على العديد من الجوائز منها درع محافظة القاهرة عام 1966 في مؤتمر «تقويم المرأة المصرية» ووسام «العلوم والفنون» من وزارة الثقافة عام 1976 وجائزة «الكوكب الذهبي» عام 1979 وشهادة تقدير من نقابة الأطباء عام 1980 ووسام الإستحقاق من الطبقة الأولي تكريمًا لها من الدولة عام 1982والجائزة التقديرية في عيد المرأة المصرية في الاحتفال الذي أقامته كلية الإعلام بجامعة القاهرة في 12 مارس عام 1997م.

حازت «صفية المهندس» على محبة الأجيال المتتالية من الإذاعيين المصريين حيث قامت بتدريب ورعاية أجيال متتالية منهم حتى لقبوها بلقب «أم الإذاعيين المصريين». تميزت عبر رحلتها بتمكنها من اللغة العربية ذلك أن والدها «زكي بك المهندس» كان يشغل منصب عميد كلية دار العلوم وكان نائبا لرئيس مجمع اللغة العربية، فنشأت وشقيقها الفنان «فؤاد المهندس» على محبة واتقان اللغة العربية، إلى جانب حصولها على ليسانس الآداب من قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة عام 1945.   

عذوبة صوت «صفية المهندس» وتمكنها من مخارج الألفاظ في اللغة العربية جعل الشاعر المبدع «فاروق شوشة» عند تقديم برنامجه الشهير «لغتنا الجميلة» يعرض عليها أن تقدم بصوتها العذب تتر البرنامج «مقدمته» وهي تشدو ببيت شاعر النيل «حافظ إبراهيم».. «أنا البحر في احشائه الدر كامن.. فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي».

تزوجت «صفية المهندس» من الإذاعي الشهير «محمد محمود شعبان» الشهير بـ«بابا شارو» ليتوجا معا رحلة إبداع ممتدة في عالم الإذاعة المصرية. رحلت «صفية المهندس» التي ولدت بحي العباسية بالقاهرة في 12 ديسمبر عام 1922، بعد رحلة عامرة بالإبداع والتألق داخل عالم الإذاعة المصرية في 13 يونيو عام 2007.

«محمد محمود شعبان» الشهير بـ«بابا شارو» زوج صفية المهندس

يذكر أنه حين أراد الموسيقار الكبير «محمد عبد الوهاب» أن يعبر عن مدى إعجابه بعذوبة صوت الإذاعية العظيمة «صفية المهندس» الذي تربت عليه أجيال متتالية من أبناء مصر فأشار عليها: «أستاذة صفية.. نفسي أسالك.. مين إللي بيلحن لك كلامك؟».

محمد عبد الوهاب

رحم الله الأستاذة «صفية المهندس» إحدى رواد الإذاعة المصرية الأوائل الذين ساهموا في تشكيل وجدان الشعب المصري وغيره من الشعوب العربية على مدي عقود متتالية من الزمان.

وللحديث بقية

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: