دار الكتب

كتيبة سوداء: إبداع مغدق في الجمال.. مغرق في الخيال.. مفرط في التفاصيل (2-2)

‎بلُغة عربية جميلة وآسرة، يكتب «المنسي قنديل» روايته، «كتيبة سوداء» وهو أمر معتاد عند هذا المُبدع المُجدد، فقد  اعتمد على جمال اللغة من قبل في روايته «قمر عَلى سمرقند» غير أنه بدا في أشد صور التّجلي في روايته الأهم «يوم غائم في البر الغربي» وهو الأمر نفسه الذي يبدو جّلياً في «كتيبة سوداء» فالتعبيرات اللُغوية واضحة المعانى، والجُمل قصيرة للغاية وبصورة مُدهشة حتى أن القارئ يبدو سريع الإبحار في عالم تلك الرواية الجميلة، وتُطوىّ صفحة إثر أخرى، حتى تكاد تلهث لمتابعة الأحداث والوقائع وما تكشف عنها من دلالات، ثم تجد نفسك في النهاية قد فرغت من قراءة ٤٧٥ صفحة في عدد محدود من الساعات!!

‎هذه اللغة البديعة، لا تكتسب بطبيعة الحال هذه الصفة إلاّ من خلال نص إبداعي عَلى درجة عالية من الجودة والإتقان، وهو ما يبدو واضحاً في فصول تلك الرواية…

«محمد المنسي قنديل» ورواية «كتيبة سوداء»

‎نماذج إنسانية

‎يقوم هذا النص الإبداعي عَلى قطبين إنسانيين، القطب الأولهو «الكتيبة السوداء» وتتبع مسيرتها ‎منذ بدء الجمع والحشد والتكوين والتدريب ثم الشحن عَلى متن الباخرة الفرنسية «السين» والمُسماة باسم نهر باريس الشهير، يُشحنون إلى ميدان قتال وساحة حرب في أرض بعيدة، أرض غريبة وعجيبة ومُثيرة، أرض المكسيك، ليجد جنودها أنهم في ساحة حرب أقرب إلى المذبحة!!

‎أما القُطب الثاني: في تلك الرواية، فهو عائلة «هابسبيرج» العائلة الإمبراطورية واسعة النفوذ والسطوة في كل أوروبا، فضلاً عن تتبع وقائع وكواليس ومؤامرات قصور الحكم في أوروبا، خلال سنوات العقد السابع من القرن التاسع عشر، حيث التخطيط والتآمر بين الدول المركزية في أوروربا: النمسا، قلعة عائلة «هابسبيرج» وبريطانيا موطن الملكة «ڤيكتوريا» أقوى ملوك أوروبا والقابضة عَلى نصف العالم، وأسبانيا، قوة الإحتلال الغاشمة لغالبية دول أمريكا اللآتينية، ومنها المكسيك، ثم بروسيا وموحدها القوي بسمارك، وأخيراً البابا «بيوس التاسع» مانح الشرعية لتحالف الملوك والأباطرة لكي يعيثوا في هذه البلاد البعيدة فساداً واستغلالاً وإجراماً!!

الملكة «ڤيكتوريا»، والبابا «بيوس التاسع»

‎مع القطب الأول:

‎من الرواية، نقرأ في الصفحة الأولى منها حديثاً عن «سلطان وتاجر وتمساح» التاجر هو «ود الزبير» والسلطان هو سلطان قبائل «الدٍنكا» والتمساح هو الساكن في مستنقعات مُمتدة بلا أفق تُدعى «بحر الغزال» عالم لم تُرسّمٍ خرائطه بعد ولم يخرج من ظلمة المجهول!!

‎وسريعاً نعرف أن «ود الزبير» هو تاجر نّخّاس، تاجر عبيد، يشتري بثمن بخس الرجال السود الأقوياء من غابات يحكمها سلطان «الدٍنكا» الشره والقوي، ليبيعهم بعد شحنهم في سفينته، بثمن غال وباهظ القيمة لسادته من الأتراك العثمانيين الذين ينتظرون بضاعته في أسوان، التي يُمسكونْ بمفاصلها، بقدر ما يقبضون عَلى روح مصر وزمام أمورها، رغم السلطة الشكلية الممنوحة لأبناء محمد علي باشا وأحفاده ومنهم والي مصر «سعيد باشا» الذي كانت تنتشر في عصره السعيد!!! تجارة العبيد والنخاسة والذين كانوا يشحنون مع أقرانهم من الفلاحين بعشرات الألاف من قرى مصر الى حيث حفر قنال السويس!!

تجارة العبيد المذمومة التي دفعت إفريقيا كلها أثمانا باهظة لها
‎الوقائع تسير بقدر وافٍ من التفاصيل، لتُلقي الضوء على مسيرة ورحلة هذه الكتيبة السوداء، والتي تأخذ اسمها من تلك البشرة السوداء التي يحملها الغالبية العُظمى من جنودها من ابناء الوادي بشقيه المصري والسوداني ثم تدخل في معارك دامية وطاحنة تحت قيادة الجنرال الفرنسي «بيازين» فور وضع أقدامها عَلى أرض العالم الجديد، ولا يبقى من أسماء قادتها في نهاية الرواية سوي قائدها «جبرالله محمد» الذي سرعان ما يخطفه الموت من بين جنوده، لكبر سنه وعجز جسده عَن مقاومة أمراض المناطق الأستوائية، ثم القائد الفعلي بعد ذلك، البكباشي «محمد أفندي ألماس» والذي يقود كتيبته حتى العودة الى مصر، ويُمنح رتبة البكوية من الخديوي اسماعيل لجدارته وشجاعة جنوده في تلك الحرب، ثم الجندي «علي جوفان» ابن أسوان المُقاتل الجسور، والإنسان بالغ النُبل والإنسانية، وأخيراً ذلك المقاتل الجسور المُسمى «العاصي» الذي أخذ اسمه من مقاومته لتاجر النخاسة «ود الزبير» حينما اصطاده رجاله من أعالي النيل، من «بحر الغزال» فقد قاومهم دفاعاً عن حريته، والعودة إلى الغابة، غير أن يد القهر والفقر والإستلاب كانت الأقوى، ليّلقّى مصيره بعد حربه الدامية على أرض المكسيك، في «كوميون باريس» دفاعاً عن عالمها، عالم اليوتوبيا الاشتراكية، قتيلاً عَلى متاريسها الحديدية عَلى ناصية شارع ڤولتير!!

‎القطب الثاني:

هو عائلة «هابسبيرج» الامبراطورية، حيث وقع اختيار ملوك أوروربا عَلى الأمير «ماكسميليان الأول» قائد الأسطول في مملكته أو «ماكس» وزوجته الأميرة «شارلوت» أو «كارولوتا» ليكون إمبراطوراً عَلى المكسيك، ترافقه زوجته «شارلوت» إمبراطورة قوية وذكية ومُتسلطة رغم صغر سنها، تُقاسمه سُلْطَانه وتشاركه النفوذ والتأثير والقيادة!!

الإمبراطورة «شارلوت»، و الإمبراطور «ماكس»

‎ومن وقائع الرواية نجد أن ذلك الأمير، يرفض هذا التكليف الإمبراطوري، الصادر من سائر ملوك أوروبا، فعينه عَلى عرش بلاده، النمسا، حيث يقبض شقيقه الكبير والعجوز «جوزيف فرانز» عَلى مقاليد السلطة في ڤيينا، والذي اتفق مع الإمبرطور «نابليون الثالث» عَلى الإطاحة بشقيقه الى المكسيك ليكون إمبرطوراً عليها، وحتى لا يُقاسمه عرش بلاده، المحجوز لأولاده!!

«نابليون الثالث»، و «جوزيف فرانز»

‎الأميرة «شارلوت» الطموحة والذكية، عَلى عكس زوجها، ضيق الأفق خائب الحسابات، تُرحب بالقرار، وتحلم أن تكون إمبراطورة على بلاد بعيدة وجديدة، بلاد الذهب والفضة والغابات والأنهار، بلاد عفية وقوية خلافاً لممالك أوروبا العجوز، وملوكها وأباطراتها الذين يقتلهم الطمع وتقضي عليهم الحروب، وتقصف أعمار ملوكهم الشيخوخة والعجز والمرض، حيث شاخوا عَلى مقاعدهم!!

‎تصل «الكتيبة السوداء» على شواطئ المكسيك ليحتلوا قلبها، منطقة «فيراكروز» ويمهدوا الأرض لوصول السفينة الإمبراطورية التي تحمل عَلى متنها الإمبراطور «ماكس» والإمبراطورة «شارلوت» لتبدأ الحرب تحت قيادة الجنرال الفرنسي «بيازين» قائد الجيوش الفرنسية، والمفوض من الإمبرطور «نابليون الثالث» بكامل الصلاحيات والسلطات، للقضاء على الثورة التحريرية لأهل البلاد، والتي توصف بالتمرد!!

‎تسير وقائع الرواية بصورة متوازية، بحيث نقف عند حياة وقتال ومعارك الكتيبة السوداء، ثم ننتقل الى الفصل الذي يليه، لنقف عند التصرفات غير المسؤولة من الإمبراطور «ماكس» وزوجته الإمبراطورة الذكي ضائعة بين تحقيق حُلمُها، في بسط سيطرتها عَلى بلاد غريبة وشاسعة، والحُلم في أن يمنحها زوجها، طفلاً، ليكون ولياً للعهد، لتبقى أمبرطورة طوال عمرها، وتترك عرش ابيه، الإمبرطور «ماكس» لابنها من بعده!!

‎غير أن زوجها الإمبراطور القابض عَلى الوهم، لا يحرمها من حُلمها الإمبراطوري فقط، ولكن يحرمها من حقها كأنثى وأم!!

‎إفراط في التفاصيل.. وأبطال لا يعودون

‎رواية بديعة، ولكن كل شئ إذا بدا مُكتملاً ففيه نُقصان!!

الأورطة المصرية في حرب المكسيك

‎في ظني أن هناك ثلاثة أوجه للخلل 

الخلل الاول:

‎ يوجد أحيانا إفراط في التفاصيل، الى الحد الذي جعل صفحات الرواية تُلامس الخمسمائة صفحة، ولم يسد تلك الثغرة سوى جمال اللغة وإيقاعها السريع!!

‎غير أن النقص الموضوعي في تلك الراوية البديعة يتجلى في جانبين، أولهما، أنها قائمة عَلى قُطبين فقط «الأورطة المصرية» أو «الكتيبة السوداء» وعائلة «هابسبيرج» وإمبراطورها «ماكس وزوجته شارلوت» في حين غاب بصورة تكاد تكون تامة ذلك القُطب الثالث، وهو جيش التحرير الجمهوري لشعب المكسيك، حتى بدا في سياق الرواية كأنه الغائب غير الحاضر، وظهر مُقاتلوه كأنهم أشباح وأرواح هائمة في الغابات، أو قُطّاعْ طُرق، ويوصفون من قبل الروائي دوماً بالمتمردين!!

‎ما أبدع الرواية لو أدرك «المنسي قنديل» ذلك الدور الذي يلعبه جيش يُحارب معركة للتحرر والإستقلال الوطني، فجوانب الصراع العسكري، تفكيراً وتكتيكا وفكراً وقناعات وتوجهات سيكون أكثر جاذبية وتراچيدياً وجمالاً، ولكن هذا الأمر المنطقي بدا غائباً في سياق الرواية مما يُفقدها الكثير من منطقيتها وجمالها!!

‎الخلل الثاني:

‎ويتعلق بدور الأشخاص في البناء الروائي، فالأشخاص وهم أبطال في الحدث، وفي كل عمل إبداعي، والذين يظهرون في بداية الرواية، لا يعود اليهم الراوي مرة ثانية، يذهبون ولا يعودون، كأن «المنسي قنديل» يركب قطاراً، يُلقي برُكابه عند كل محطة، ولا يفكر في عودتهم مرة ثانية، وما هكذا تكون الأعمال الإبداعية، فالأستاذ «نجيب محفوظ» مع أبطاله لا يلقون هذا المصير!!

‎ففي الثلاثية، عَلى سبيل المثال، ظل «فهمي» الابن الكبير للسيد «أحمد عبدالجواد» حاضراً بقوة طوال فصول الرواية رغم أنه أُستشهد خلال مظاهرات ثورة ١٩١٩، ومات في «بين القصرين» الجزء الأول من الثلاثية!!

ثلاثية نجيب محفوظ

‎الخلل الثالث:

‎وهو عندي ثغرة كبيرة في هذا العمل، وهو مايتعلق بالخيال، فالأستاذ «توفيق الحكيم» له كلمة رائعة ينحاز فيها إلى الخيال، فيقول «أن الخيال أعظم من العلم، لأنه يتجاوز الواقع ويحلم بالغد، وليس هناك اختراعاً أو اكتشافاً لا يستند عَلى خيال» لكنه يقول بما هو أهم «كل خيال في العمل الأدبي له حدود» ومن هنا أرى أن ذلك الخيال الذي ربط بين الإمبراطورة «شارلوت» والجندي «العاصي» أحد أفراد الأورطة المصرية – السودانية، أو الكتيبة السوداء، قد تجاوز كل الحدود، وبلغ حد الشطط واللامعقول!!

توفيق الحكيم

‎وبرغم ذلك، فلا أملك سوى التحية لهذا العمل الجميل، ولصاحب تلك الرواية البديعة، «محمد المنسي قنديل» فيكفيه فخراً أنه كشف عن صفحة مطوية في دفتر النسيان، صفحة مُشرِقة من الصفحات الجليلة والبطولية من تاريخ العسكرية المصرية…

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق