منوعات

تفاصيل خطة هروب عزيز المصري.. وأول لقاء مع عبد الناصر (4)

علم الفريق عزيز المصري بقرار اعتقاله من أحد ضباط القلم السياسي، فقرر مغادرة البلاد والسفر إلى ألمانيا، التي كانت تربطه بقادة جيشها علاقات قوية منذ أن كان يدرس في المدرسة الحربية بالأستانة، وتعززت تلك الصلات أثناء عمله كمدرس في كلية أركان الحرب ببرلين.

كان المصري يعتقد أن الانحياز للإنجليز في تلك الحرب والسماح لهم بتنفيذ مخططاتهم هو خيانة لمصر وشعبها، «مصر كانت ضائعة بين أحلام رجالها وأحزابها ووزرائها بدليل أنه كان ضمن خطة الإنجليز في ذلك الوقت إغراق الدلتا، ونسف جميع الكباري والقناطر، وكان معنى ذلك شىء واحد لا خلاف عليه، إغراق مصر في ماء النيل.. إغراق شعب مصر بالماء، أى أن شعب مصر- 16 مليونًا- عليه أن يذهب إلى الجحيم ويموت غرقًا، ويموت بسبب عدم وجود الغذاء.. وتتفشى فيه جميع الأوبئة من أجل صالح وعيون الإنجليز، وكانت حجتهم أو كانت خطتهم أن ذلك ضرورى لمنع تقدم القوات الألمانية داخل الأراضى المصرية، كان صاحب هذه الخطة القائد الإنجليزي ونستون تشرشل الذي طرحها خلال إحدى رحلاته للقاهرة» يقول المصري.

القائد الإنجليزي ونستون تشرشل

كان المصري قد التقى بالمهندس المصري الشاب مصطفى خليل، رئيس وزراء مصر فيما بعد، والمشرف الفني على كوبري إمبابة، وكشف له تفاصيل الخطة الإنجليزية، «كانت خطتهم نسف كوبرى إمبابة أكبر شريان حيوى لربط الوجه البحرى بالوجه القبلى عن طريق السكة الحديد، وكانت بعض وحدات الجيش المصرى مكلفة بحراسة الكوبرى، وكان يتولى قيادة المنطقة بكاملها الفريق حسن الزيدى الذى كان يشغل وظيفة مفتش عام الجيش، واتفق الضباط المصريون مع المهندس مصطفى خليل على عدم تنفيذ أوامر نسف الكوبرى والسكة الحديد والقناطر الخيرية التى بناها محمد على باشا ولو كانت النتيجة إزهاق أرواحهم»، يروي المصري للكاتب الصحفي محمد عبد الحميد بحسب ما ورد في كتاب «أبو الثائرين».

المهندس مصطفى خليل

محاولة الهروب الأولى

قرر المصري أن يسافر إلى ألمانيا للتفاوض مع روميل ثم هتلر على دعم مصر للجيش الألماني مقابل الاستقلال، «هزيمة الحلفاء فى ميدان القاهرة سوف تفتح الباب على مصراعيه للجيش الألمانى للوصول إلى العراق وسوريا ولبنان وذلك يضعف الجبهة الروسية على حدود أوروبا الشرقية.. وكان فى خاطرى أن تقديم هذه المعونة يقابلها شرط استقلال مصر».

أخبر أحد ضباط القلم السياسي بوزارة الداخلية عزيز المصري بقرار اعتقاله، فقرر الإسراع في تنفيذ خطة الهروب، «كنت أعلم تمامًا وعن يقين أننى مراقب من جانب رجال البوليس السياسى ومن جانب المخابرات البريطانية.. كنت أحتاج إلى خطة تمويه.. وهذا صعب وأنا شخصية معروفة، كما كنت أحتاج إلى سيارة تنقلنى إلى الحدود الليبية لكى تلتقطنى طائرة ألمانية».

يقول الكاتب الصحفي محمد السيد صالح في كتابه «عزيز المصري.. أبو الثوار» أن «محاولة تهريب المصرى من القاهرة بمساعدة الألمان خلال الحرب العالمية الثانية وبالتحديد فى مايو 1941، تتضمن فى تفاصيلها حبكة درامية وعسكرية ومخابراتية متكاملة».

أعد المصرى، وفقا لرواية صالح خطة هروبه بمساعدة الألمان ورجالهم فى القاهرة، «قام بخطة تمويه قوية مع الإنجليز حتى تهدأ مراقبتهم له وكذلك مراقبة البوليس المصرى الذى كان قد فرض حظراً على سفره».

«خطتى الكبيرة فى المغادرة، كانت مختمرة فى رأسى، وتشاء الأقدار ألا تنجح المحاولة الأولى وأيضًا المحاولة الثانية، ولا أدرى هل هو حظى العاثر أم أن ذلك قدرى، ولطالما سألت نفسى: يا ترى ماذا كان يمكن أن يحدث لو أننى تركت مصر ونجحت فى الخروج، وقابلت روميل، ثم هتلر. إن الإنسان المؤمن عليه أن يسعى، وعلى الله سبحانه وتعالى التوكل».

ويسترسل عزيز: «كنت أعرف رجالاً من أعوان الألمان فى القاهرة، كان كل شىء يتم بحساب ودقة.. كنت أعتمد عليهم فى معرفة جميع أخبار الألمان وكذلك عقد الترتيبات لمغادرتى الأولى والثانية، كما كانت هناك حلقة اتصال سرية أخرى بينى وبين الألمان وبالذات روميل يقوم بها هوارد وكان من رجال السلك الدبلوماسى فى المفوضية السويدية بالقاهرة، وكان فى نفس الوقت من القائمين على رعاية المصالح الألمانية فى مصر بعد إغلاق السفارة بأمر الإنجليز».

خطة الهروب الأولى كانت تقضي بأن يسافر المصري إلى بيروت ثم التوجه إلى روميل، لكنه منع من السفر، فوضع روميل خطة لاختطافه «كانت الخطة محكمة تمامًا، ولكن شاء القدر أن يكتب لها الفشل».

صورة تجمع بين إرفين رومل وأدولف هتلر

ويكشف المصري تفاصيل قصة الهروب ويقول: كانت الخطة الألمانية التى أبلغنى إياها هوارد تتضمن إرسال طائرة كتلك التى تستخدمها القوات الإنجليزية، فقط كان علينا اختيار المكان المناسب للهبوط ثم إبلاغ السلطات الألمانية.. اتفقنا أن تكون منطقة الخطاطبة هى المكان المختار، ولكن لأسباب أمنية رفض الألمان المكان وحددوا لنا موقعًا آخر على طريق الواحات البحرية جنوب غرب منطقة أهرامات الجيزة.. وقبل الموعد بوقت كاف استقللت سيارة متوجهًا إلى المكان المتفق عليه، اقتربت العربة من منطقة الأهرامات، وكان الظلام شديد الحلكة، والهواء راكداً.. وفجأة وعلى غير انتظار توقفت العربة وبذلت محاولات شتى لإصلاحها ولكن ماكينتها كأنما تحولت إلى قطعة باردة من الحديد. وأسقط فى يدى، وتصورت الطائرة تجىء فى موعدها، ولكنها لم تجد الإشارة المتفق عليه، وبحق أوشك غيظى وثورتى الداخلية أن يحطما عقلى ويفجر الجميع شرايين جسدى.. وهكذا فشلت الخطة.

عزيز المصري في طريقه للسجن، فبراير 1914

السقوط في قليوب

بعد أيام من فشل خطة الهروب الأولى فكر المصري في محاولة ثانية عبر طائرة تقلع من مطار الماظة وبمساعدة طيارين مصريين، استقل المصري سيارة أجرة في مساء 15 مايو 1941، واتجه إلى حى مصر الجديدة، وفى ميدان الإسماعيلية توقفت السيارة فى مكان مظلم، وعلى الجانب الآخر، كان الطيار الملازم أول حسين ذو الفقار صبرى يتناول طعام العشاء فى مطار الماظة. كان هو الضابط العظيم المنوط به السهر والحراسة. بعد العشاء ذهب إلى حظيرة الطائرات وأخبر الشاويش «النوبتجى» والجنود الساهرين للحراسة، أن هناك أوامر عاجلة بوصول شخصية مهمة، بل على جانب كبير من الأهمية سيتم نقلها إلى وجهة سرية. بعد ذلك استقل إحدى سيارات سلاح الطيران، وتوجه بها إلى ميدان الإسماعيلية. توقفت السيارة التى يستقلها ذو الفقار إلى جوار سيارة عزيز، وطلب حسين من سائق سيارته حمل الأمتعة من التاكسى إلى سيارته، ثم نزل عزيز ليركب إلى جوار حسين ذو الفقار- وهو كان أحد تلامذة عزيز المصرى ويعتز به كثيراً.

وبحسب كاتب «عزيز المصري.. أبو الثوار» التقى عزيز وذو الفقار بالملازم عبد المنعم عبدالرؤوف، واستقل معهما السيارة واتجهوا معا إلى مطار الماظة، هناك ركبوا طائرة «اوفرانسون» مصرية ذات محركين.

الملازم أول عبدالمنعم عبدالرؤوف

طارت الطائرة، وبعد دقائق بدأت تهتز بشكل عنيف، ثم أخبر الملازم حسين، عزيز المصرى أنه فقد السيطرة عليها.. وسقطت بالقرب من مدينة قليوب، بعد أن أصيبت بخلل فنى، الأمر الذى أدى إلى اشتعال النيران فى المحرك.

ويكمل المصرى: كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وتوجهت إلى مبنى مركز قليوب.. كان صف الضابط السهران برتبة أونباشى.. تقدمت منه بخطى ثابتة وثقة وقلت له: أين المأمور. قال: غير موجود. قلت له: أين المعاون؟ قال: فى الراحة. قلت له: ما اسمه ورتبته؟ قال اليوزباشى: حسين الطلياوى.

ويتابع: «لم يكن اسم الطلياوى غريبًا على أُذنى، وتذكرته.. كان يعمل مدرسًا فى مدرسة البوليس وبصراحة شعرت بالارتياح العميق لأول مرة منذ غادرت الطائرة. عاد الجندى المكلف بالذهاب إلى منزل اليوزباشى، وقال لى: إنه يطلب حضورك ليراك من النافذة. وتعجبت لذلك التصرف، ولكننى ذهبت مع الجندى لأن الطلياوى لم يكن يعلم حتى تلك اللحظة من أنا».

«عندما فتح الشباك، وأطل بوجهه قلت له: انزل يا حسين أنا عزيز المصرى.. وعندما سمع اسمى أغلق الشباك، ونزل على الفور وأدى التحية العسكرية وتعجب لوجودي أمام بيته. قلت له: لقد كنت مدعواً فى حفلة عرس بالقرب من بنها، وتعطلت السيارة، وجئنا مشيًا على الأقدام مسافة ثلاثة كيلو مترات. وطلبت منه البحث عن سيارة تقلنى وزميلىْ اللذين ينتظرانى بالقرب من شريط السكة الحديد خارج البلدة. وكانت المفاجأة عدم وجود سيارة، لذلك طلبت منه بصفة خاصة الإذن بسيارة البوليس التابعة له أن توصلنى وزميلىْ إلى منطقة شبرا. ووافق على الفور وتحركت بنا السيارة ونقلتنا حتى ميدان الأوبرا وسط القاهرة».

فى هذه الأثناء، كان مجلس الوزراء، قد أعلن عن مكافأة قدرها ألف جنيه مصرى لكل من يرشد أو يعاون أو يدلى بأى معلومات أو بيانات تساعد فى القبض على المصري أو الملازم أول حسين ذوالفقار صبرى أو الملازم أول عبدالمنعم عبدالرؤوف، ونشرت الصحف صور المطلوبين الثلاثة.

ليلة القبض على المصري

تمكن المصري ومرافقوه من الاختفاء بمنزل أحد الأصدقاء لمدة 3 أسابيع، حتى وصل إليهم رجال القلم السياسي، وألقوا القبض عليهم ، وتمت إحالتهم إلى المحاكمة أمام مجلس عسكرى.

يقول عزيز المصري: كانت محاكمتى غريبة. معظم التهم فى مجملها كانت سياسية علمًا بأن المحاكمة عسكرية.. كان رئيس المجلس العسكرى برتبة لواء وأنا برتبة فريق، والمفترض أن يكون على الأقل فى رتبة مساوية لرتبتى السابقة.. كان هناك أكثر من محام يقوم بالدفاع عنى، أذكر منهم الأساتذة حمادة الناحل وفتحى رضوان وإبراهيم رياض وحافظ رمضان باشا.

استمر تأجيل القضية شهراً وراء آخر، وساءت صحة عزيز فى السجن، ونقل إلى المستشفى للعلاج، «تركزت طلبات الدفاع فى الإفراج عنى لأن الشكل العام للقضية سار فى دروب ودهاليز غاية ما يمكن أن يقال عنها إنها انتقامية، وإن الهدف تشوية سمعتى وكل تاريخى القديم وصاحب ذلك خروج مظاهرات بالقاهرة تنادى إلى الأمام يا روميل.. نحن فى انتظارك يا روميل».

بعد قرابة أربعة عشر شهراً من المحاكمة، وتداول المناقشات بين المجلس العسكرى لمحاكمة عزيز ورفاقه، وبعد مداولات وسماع أقوال عشرات الشهود وعشرات الوثائق، ومع فترات المرض التى قضى المصري معظمها داخل المستشفى، وبعد أن ضاق الشعب المصرى بالمحاكمة، وذات مساء جاء إلى عزيز أحد الضباط فى السجن وأخبره أنه سوف يذهب صباح اليوم التالى لمقابلة مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء الذي شكل الحكومة بضغوط من الإنجليز على الملك وصلت إلى حصار قصر عابدين في 4 فبراير 1942.

مصطفى النحاس باشا

توجه عزيز فى الصباح، إلى صالون مكتب رئيس الوزراء، وانضم إليه الطياران حسين ذوالفقار صبرى وعبدالمنعم عبدالرؤوف، «دخلنا على النحاس باشا فى حجرته، وأحسن استقبالنا. وقال لى: يا عزيز باشا، ألا تشعر بالحنين إلى حياة الدعة والاستقرار. قلت له: ومن يرفض هذا النوع من الحياة يا رفعة الباشا. قال لى: لقد التقيت مع الملك فاروق، وسار بيننا حديث طويل حولك، وقد أخبرته بنيتى إصدار العفو عنك. بالحق أقول إنه لم يبد رأيه بالرفض أو الموافقة.. وكل ما قاله تصرف فى القضية كما يحلو لك».

وأضاف النحاس موجها كلامه إلى المصري: لقد قررت الإفراج عنك فوراً وعن الضابطين وكل ما أطلبه منك الابتعاد عن المشاكل وعدم إثارة أى قضايا تساعد فى هياج الجماهير.

«تركت مكتب رئيس الوزراء.. وبعد ساعات كنت أخرج إلى بيتى فى عين شمس. ولم تكن مفاجأة، أننى وجدت حراسة من رجال البوليس تحيط بالمنزل من كل اتجاه. وقررت أن أرتاح فترة من الوقت، وأقوم بعلاج جسمى كله من الأمراض» يقول المصري.

الأب الروحي لـ«الضباط الأحرار»

كانت علاقة عزيز المصري قد بدأت بمجموعة من تنظيم الضباط الأحرار إبان رئاسته لهيئة أركان الجيش المصري في 1939، وكان أنور السادات هو الضابط المكلف من المجموعة بالاتصال معه.

الضباط الأحرار

اعتبر الضباط الشبان عزيز المصري الأب الروحي لهم، فشخصية الرجل الفذة الجاذبة ومواقفه وبطولاته جعلتهم يرشحونه لقيادتهم، «سرعان ما أخذوا يسعون فرادى وجماعات إلى بيته يستمعون له فى انبهار وإعجاب وهو يحدثهم عن أنفسهم باعتبارهم الوسيلة الوحيدة للخلاص من الاستعمار وأعوانه».

ويتحدث الرئيس جمال عبد الناصر عن بداية علاقة «الضباط الأحرار» بالمصري في إحدى خطبه، «وجدنا فى هذا البلد ناس ما بيخافوش.. ناس بيقولوا رأيهم بصراحة.. يمكن من الجيل الماضى.. أنا أذكر فى سنة 1942 رحنا لعزيز المصري ويمكن كان معايا كمال حسين وعبدالحكيم والبغدادي.. رحنا للفريق عزيز فى بيته وكان فى عزبة النخل.. قلنا له إحنا ضباط. قال والله ما أنا عارف أنتم ضباط ولا باعتكم البوليس السياسى. على العموم.. حتى لو بوليس سياسى.. حاتكلم.. اسألوا اللى انتم عايزين تقولوه.. قلنا إيه العمل، قال العمل الثورة.. عزيز المصري راجل عنده الآن حوالى 88 سنة من الأجيال الماضية لكنه كان ثائراً. قُبض عليه ماخفش. اعتُقل ماخفش. ماخفش إنه يتكلم قدام ناس ما يعرفهمش. كان ده بيدينا أمل. إن فيه أمل. فيه مثل عليا. فيه ناس بتعتبر أنه لابد من إرادة التغيير وأن الشعب حيمشى مع إرادة التغيير».

 

 

ويروى عزيز المصري فى أكثر من حوار صحفى قصة زيارة عبدالناصر الأولى له في منزله ويقول: ذات مساء كنت أجلس فى حجرتى بمنزلى فى عين شمس وجاءت إلىّ خادمتي زينب تطرق الباب لتخبرني أن هناك مجموعة من الشباب يرغبون فى لقائى والجلوس معى. وكان منزلى لا يخلو أبداً من مراقبة رجال القلم السياسى. قلت لزينب: إننى متعب.. أرجو أن تقدمى لهم على الفور اعتذارى لتوعكى. وخرجت زينب وأغلقت الباب وراءها. وبعد دقيقة وربما أكثر سمعت صوتًا عاليًا.. سمعت صوت زينب الهادئ، أصبح هادراً يطلب من الزائرين الانصراف والحضور فى وقت آخر لأن حالتى الصحية غير جيدة.. ثم ساد الصمت بعض الوقت وبعدها سمعت صوتًا مرتفعًا ينادى الطباخ لإحضار عصا غليظة وزادت الضوضاء فى ردهة المنزل.. خرجت لأستطلع الأمر، فوجدت زينب تمسك بالعصا وتتجه نحو شاب طويل أسمر تنوى الاعتداء عليه بشراسة.. وتقدم الشاب الطويل الأسمر خطوة إلى الأمام، وكان الخجل باديًا على وجهه وقال: آسف لما حدث.. نحن أولادك يا باشا.. نحن من ضباط الجيش وكان من المفروض أن يسبقنا إليك أنور السادات حتى يعرفك بقدومنا، ولكن للأسف لم نجده هنا ليقدمنا إليك.. وأجزم أنه فى الطريق إلينا الآن. بعد هذه الكلمات، تقلصت بداخلى جميع همومى الشخصية وشعرت بالانتعاش، وأحسست بالحيوية تسرى فى جسدى.

ويضيف المصري: لم يكن هذا الشاب الأسمر سوى جمال عبدالناصر. ولا أذكر من الأسماء سوى عبدالحكيم عامر وجمال سالم وحسن إبراهيم. أقول بحق إننى كنت أمام ثورة جامحة رافضة لجميع الأوضاع السياسية فى مصر. كل واحد من الحاضرين كان يتحدث وفى أعماقه جبل من الهموم والألم والرغبة فى التغيير. وعندما تحدث جمال عبدالناصر عن أحوال مصر وفساد الملك واستغلال الحاشية لهذه الظروف لمصالحها وتحقيق أهدافها الشخصية. كان جسده يهتز ويداه تلوحان فى عصبية زائدة. وتحدث عن الجيش وأنه لا يجيد إلا السير فى الاحتفال بالمحمل الشريف الذى يحمل كسوة الكعبة إلى الأراضى المقدسة.. وهناك أيضًا إسرائيل.. دولة باغية معتدية وشرسة زرعتها إنجلترا وسط الجسد العربى لتكون شوكة تدمى بها أجسادنا وظهورنا وتدمر نهضتنا وتساعد على كبوتنا.. وإذا استمر حالنا على ما هو عليه فمن المعقول أن تبتلع حدود الدول المجاورة لها ومنها مصر.. وتدوس على تراب وطننا خطوة وراء الأخرى..

أبلغ عبد الناصر المصري أن الثورة هي الأمل، «ثورة الشعب وأخرى داخل الجيش ونرجو الله أن يوفقنا فى هذا النضال الشريف».

عرض عبد الناصر على المصري بعد حريق القاهرة قيادة التنظيم وإعلان الثورة، ألا أنه اعتذر لظروف سنه فقد تجاوز في تلك الأثناء عامه السبعين، لكنه وعدهم أن يبقى معهم بالرأي والمشورة، واستقر الأمر على اختيار اللواء محمد نجيب قائدا للثورة.

مضت الأيام، وتمكن «الضباط الأحرار» من إنهاء حكم أسرة محمد علي، وعرفاناً بجميله اختار مجلس قيادة الثورة الفريق عزيز المصرى ليكون أول سفير لهم فى الاتحاد السوفيتي ليعمل على إعادة تسليح الجيش المصرى.

وفي عام 1960 منح الرئيس جمال عبد الناصر  وشاح النيل للفريق عزيز المصري الذي وافاه الأجل فى 15 يونيو 1965.

*****************************************************

المراجع:

كتاب «عزيز المصري.. أبو الثوار»- محمد السيد صالح – دار بتانة للنشر- 2018

كتاب «أبو الثائرين.. الفريق عزيز المصري» – محمد عبد الحميد – دار أخبار اليوم-  1990

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: