ثقافة

في محبة الطيب صالح.. ودرة تاجه الأدبي (1-2)

تقديم 

«نشر الكاتب والباحث القدير الأستاذ صلاح زكي علي صفحته على الفيس بوك هذه القراءة لإبداع ومكانة الطيب صالح في الأدب العربي في ايام متفرقة من شهر فبراير الماضي في الذكري  الحادية عشرة لرحيل الأديب السوداني الكبير الذي توفي في ١٨ فبراير ٢٠٠٩. وقد أهداها «لأصوات» مجمعة لتنشر كمقال مستطرد علي جزئين هذا هو الجزء الاول منهما .»

الطيب.. المبدع والإنسان

«… كنت منذ زمن كأنني على موعد مع القدر للقاء «الطيب صالح» الأديب والانسان منذ قراءتي لعدد من أعماله، ولم تتحقق تلك الأمنية إلاّ عبر لقاء عابر مع هذا الانسان الرقيق في دولة الامارات، وتحديداً في إمارة الشارقة خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، إلاّ أنني سمعت عن الرجل الكثير من طيب الخُلق، وحُسْن المعشر، ودقة اللفظ، ورقيق الكلمات….»

لأ أنسىّ عتاب الطيب صالح المُهذب ونقده الحنون للمبدع «يوسف ادريس» عندما أخذته بعض شطحاته الإنسانية، فقال كلاماً يحمل معنى الهجوم والنقد  للجنة جائزة «نوبل» لأنها أعّطت «نجيب محفوظ» جائزتها ولم تعطها له، وهو بحُسبانه، أي «يوسف ادريس» أكثر إبداعاً وتمكُناً من «محفوظ»….

يوسف ادريس ونجيب محفوظ 

يومها تحدث «الطيب صالح» واصفاً صديقه «إدريس» بأنه اخطأ في حق الرجل الذي تعلمنا منه «الأدب» بمعناه المزدوج «أدب الإبداع» و«أدب الأخلاق»…. 

قال يومها «الطيب صالح» الكثير مما يدل على روحه النقية وقلبه الطاهر…

هذا على الصعيد الإنساني، أما «الطيب صالح» المُبدع، فيمكنني وبكثير من المحبة أن أقول إن الرجل، هو واحد من أهم المُبدعين العرب، الذين أخذتهم الصحافة وضّيعتهم الغُربة وأطاحت بهم بعيداً عما يستحقونه من مجد كبير  في عالم الإبداع.

فخسر عالم الخيال والسرد الجميل كثيرا مما كان يمكن أن يقدمه هذا المبدع الكبير، وكسبه قراء الصحف السيارة وأجهزة الإعلام مثل هيئة الاذاعة البريطانية B B C بوزنها العالمي الرصين حيث عمل بها لسنوات ليست بالقليلة عندما اتخذ من العاصمة البريطانية سكناً وموطناً خلال بعض سنوات الغربة، أو استاذاً ومُحاضراً في أكثر من موقع، مواقع تعددت بين العاصمة القطرية، الدوحة – التي عمل بها في مجال الصحافة والإعلام – وباريس، حيث أقام بها لعدة سنوات مُتنقلاً منها واليها، عندما كان مُمثلاً اقليمياً لمنظمة اليونسكو بمنطقة الخليج العربي…

أما القاهرة، الزائر لها دوماً فقد كانت عشقه الأبدي، فهو المُحِب لها، فكراً وأدباً، وتاريخاً، وثقافة، فضلاً عن الإمتنان للكثيرين من أدبائها ونُقادها الكبار، الذين أحبوه بقدر محبته لهم….

وتأتي الخرطوم – حبه الاول – وحاضرة بلاده، فقد شهدت جامعتها السنوات الأولى لميلاد موهبته، فهي الموطن الذي غاب عنه أغلب سنوات العمر، وعاد اليه جُثماناً طاهراً ليحتضن ثّرىّ السودان العزيز جسداً وديعاً جميلاً كإسمه.. ولعن الله السياسة التي باعدت بين المُحِب ومحبوبته، فلا يلقاها إلاّ روحاً عائدة الى بارئها!!!

الطيب صالح

نهاية لافتة وموحية ومُعبرة وحزينة، أشبه برحلة «مصطفى سعيد» بطل رواية الطيب الشهيرة «موسم الهجرة الى الشمال» تلك الرواية التي جعلت من «الطيب صالح» اسماً في عالم الأدب، كإسم «العبقري الفذ» جمال حمدان «في عالم الجغرافيا والسياسة، فعادة ما نقول «حمدان» صاحب سِفر «شخصية مصر»، كما نقول «الطيب صالح» صاحب «موسم الهجرة الى الشمال»…..

درة التاج 

لم تكن «موسم الهجرة إلى الشمال» هذه الرواية البديعة هي كل أعمال «الطيب صالح» وإن كانت أشهرها، فثمة روايات وأعمال قصصية لا تقل إبداعاً وجمالاً عن «موسم الهجرة الى الشمال»…

لكن تلك الرواية، توفر لها ما لم يتوفر لغيرها، فقد نُشرت في القاهرة في نهاية الخمسينيات أو مطلع الستينيات من القرن الماضي، وكان الأستاذ «رجاء النقاش» رحمه الله، الناقد الأدبي الكبير هو من قام بنشرها واكتشاف صاحبها، والتبشير بموقعه ومكانته المُنتظرة في عالم الإبداع العربي….

رجاء النقاش

كان الزمن والعصر يسمح بذلك، ففي القاهرة وحدها، كان عمالقة النقد الأدبي والثقافي يتوقفون بالنقد والدراسة عند كل عمل أدبي أو ثقافي تصدره دور النشر سواء في القاهرة أو بيروت أو أي عاصمة عربية، أسماء كبيرة مثل الأساتذة «لويس عوض وعبدالقادر القط وعلي الراعي وأنور المعداوي ومحمود أمين العالم» وغيرهم…. هؤلاء وجدوا في «الطيب صالح» وروايته ما يستحق الإهتمام والإحترام….

كانت هذه الرواية هي الأولى ومُفتتح أعمال «الطيب صالح» حتى أن بعض النقاد تصوروا من فرط تألقها أن «الطيب صالح» لن يكتب مثلها، غير أن أديبنا الجميل، لم تتوقف رحلته الإبداعية عند تلك الرواية البديعة فقد لحقها بأعمال أخرى لا تقل إبداعاً وجمالاً عن رائعته الأشهر….

إذ تضم الأعمال الكاملة للطيب صالح أحد عشر عملاً ابداعياً موزعا بين الروايات الطويلة والقصة القصيرة، أهمها بطبيعة الحال «موسم الهجرة الى الشمال» ثم «عُرسْ الزين» و «ضو البيت ومريود» والاثنتان تقعان تحت عنوان جامع هو «بندر شاه» على نحو ما نُشرت في القاهرة ضمن سلسلة الكتاب الذهبي الصادرة عن مؤسسة روز اليوسف في سبعينيات القرن الماضي، وبعد ذلك تأتي المجموعة القصصية «دومة ود حامد» والتي تّضُم سبع قصص قصيرة، ثم يأتي في ختام المجلد الذي يضم إبداعات «الطيب صالح» ست قصص قصار منها «خطوة للأمام» وتنتهي باقصوصة «الرجل القبرصي».

ودون الدخول في تفاصيل هذا العالم السحري «للطيب صالح» وهي مهمة شاقة، وإن كنت أتمنى أن يتاح لي الوقت والفرصة للإبحار في ذلك العالم، سوف اكتفي الآن بالتوقف قليلاً عند دُرة إبداعاته «موسم الهجرة الى الشمال»…

فظني أن «الطيب» لم يصل في إنتاجه قبل وبعد روايته الآثيرة كما وصل في «موسم الهجرة..»!!

قد تكون «عُرس الزين» مُنافساً قوياً، بلغتها التي تتراوح ما بين النهج الصوفي والواقعية الحادة واللهجة العامية السودانية الأصيلة والخالصة التي سادت في كثير من أعمال «الطيب».

لكن «موسم الهجرة» في ظني أن الرجل وضع فيها كل امكانياته الإبداعية دفعة واحدة ولم يترك لأعماله الإبداعية الآخرى سوى «وقائع حقيقية وسرد رائع ومُدهش»، لكن تعتريها بعض الثغرات التي لا نجد مثيلاً لها في روايته الأهم، وهو أمر لا أراه غريباً في عالم الإبداع العربي، فصديقه «يوسف ادريس» مّرّ بذات الحالة، حيث تحتل أعماله الأولى مثل «أرخص ليالي، وقصة حب، وقاع المدينة، والبيضاء» مكانة أرقى في هذا من أعماله التالية، وهي في أغلبها كتابات في النقد الاجتماعي، نُشرت في جريدة الأهرام أسبوعياً، تحت عنوان «من مفكرة يوسف ادريس» وجُمعت بعد ذلك في أكثر من كتاب، صدرت جميعها في القاهرة….

«الطيب صالح» عاش تجربة مُماثلة، فمن أجل أسباب أراها حياتية، استكتبته الصحافة العربية، وخصوصاً الصادرة في لندن، حيث كان يعيش، مما ترك أثراً سلبياً بلا شك عَلى مسيرته الإبداعية….

اما الملاحظات التي تتعلق بهذا العمل الجميل، أي «موسم الهجرة الى الشمال» فقد تراوحت القراءات النقدية له، بين وصفه بالإبداع المُذهل على نحو ما تحدث الأستاذ «رجاء النقاش» مُكتشف «الطيب صالح» ومُقدٍم روايته الأهم، رحمه الله، أو الحب الخالص الذي حرص عليه الدكتور «جلال أمين» المفكر المصري والاقتصادي البارز الراحل الذي كان يّرىّ في «الطيب صالح» عبقري الرواية العربية بإمتياز وإقتدار، الى الحد الذي كان يدعو معه طلابه في الجامعة الأمريكية، في قسم الاقتصاد، الى قراءتها، وكذلك العودة اليها بين وقت وآخر في مقالاته  الأسبوعية، أو بين الإدانة القاسية من الناقدة «صافيناز كاظم» التي وصفت هذه الرواية بالعمل الفاضح وغير الأخلاقي!!!

جلال أمين وصافيناز كاظم

لكنني – أرىّ ومُسلحاً بكثير من المحبة والتواضع – نهجاً وسطاً بين النقيضين «التعظيم والتدمير»!!

فأنا من المحبين «للطيب صالح» على الصعيدين الإبداعي والإنساني، ولحُسن الحظ أن وضعت المقادير أمامي، وقبل قراءتي لمجمل أعماله، نصوصاً إبداعية لأدباء كبار، هم بالنسبة لي ولـ«الطيب صالح»، جيل الأساتذة العمالقة…

وفي ضوء ذلك يمكن الإطلالة على هؤلاء لنفهم ونعرف في أي موقع يحتل «الطيب صالح» موقعه وموضعه في رحلة الإبداع العربي…

الحديث يطول ومحبتي «للطيب صالح» وقيمته تقتضي مني التوقف، عند هؤلاء الذين سبقوه في هذا النوع الفريد من الأدب، وأقصد تحديداً تلك الأعمال التي تناولت الصدام الحضاري بين الشرق والغرب، بين ما نحمله من قيم وثقافات، وتلك المذاهب الفلسفية والعقائدية التي قامت عليها الحضارة الغربية منذ مئتي سنة. 

وهو حديث –لاشك– مفعم بالشئون وبالشجون.

يتبع

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: