منوعات

قصة آية (30) عبد الله بن مسعود.. الذي شهد له الرسول بقراءة القرآن رطباً كما أُنزل

عاتب الله عز وجل نبيه في بعض ضعفاء المسلمين أكثر من مرة، مرة في واقعة عبد الله بن أم مكتوم الشهيرة التي نزلت بسببها سورة (عبس وتولى. أن جاءه الأعمى)، وأكثر من مرة في هؤلاء الذين كان زعماء قريش يأنفون من الجلوس مع النبي في وجودهم، وطلبوا منه صراحة ألا يساوي بينهم وبين هؤلاء في المجالسة، ومن هؤلاء ما رواه مُسْلِم عَنْ سَعْد ِبْن أَبِي وَقَّاص قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيّ  سِتَّة نَفَر فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: اُطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، وعدَّهم سعد فقال: كُنْت أَنَا وَابْن مَسْعُود وَرَجُل مِنْ هُذَيْل وَبِلَال وَرَجُلَانِ نَسِيت اِسْمَيْهِمَا فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الآية: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا). وفي حديث آخر عن ابن وقاص أوردناه سابقا عند حديثنا عن بلال بن رباح في نزول الآية الكريمة «ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين» قال بن ابي وقاص«نزلت هذه الآية الكريمة فينا ستة فيّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال» رضي الله عنهم أجمعين

عبد الله بن مسعود هو واحد من هؤلاء الذين نزلت فيهم تلك الآيات الكريمات تدعو النبي للصبر مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وكان ابن مسعود رجلاً نحيفاً قصيراً، يكاد طوال الرجال يوازونه جلوساً وهو قائم، شديد السمرة، وكان جسمه صغيراً، خفيف اللحم، حتى أن الريح لتكفوه، وكان في ساقه دقة.

 ويُروي أن النبي أمر ابن مسعود أن يصعد شجرة الأراك فيأتيه بسواك منها، فنظر أصحابه إلى حموشة ساقيه، فضحكوا، فقال النبي: ما يضحككم؟، قالوا: من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد.

هذا القصير النحيف الأسمر له شأن كبير مع الإسلام، فقد كان وما يزال واحداً من أعلامه الكبار، وقد روى رضي الله عنه علماً كثيراً، فله رواية لقراءة القرآن، وله رواية لمئات الأحاديث عن النبي حدثت بها كتب السنة الست. وهو من السابقين الأولين، يحكي أول قصته مع الاسلام فيقول: كنت غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط ، فأتى النبي ومعه أبو بكر، فقالا: يا غلام، هل عندك من لبن تسقينا؟، فقلت: إني مؤتمن، ولست ساقيكما، فقال النبي هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل قلت نعم فأتيتهما بها فاعتقلها النبي ومسح الضرع، ودعا فحفل الضرع، ثم أتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فاحتلب فيها، فشرب أبو بكر، ثم شربت، ثم قال للضرع أقلص، فقلص، قال: فأتيته بعد ذلك فقلت علمني من هذا القول، قال: إنك غليم معلم.

سخرية أبو جهل من عبد الله بن مسعود

سارع عبد الله ابن مسعود، إلى مكة يبحث عن ذلك الرجل وصاحبه حتى وجده، وعرف أنه نبي مرسل، فأعلن إسلامه بين يديه، وكان بذلك سادس ستة يدخلون في الإسلام، ولازم النبي وكان يخدمه، ويروي الأسود بن يزيد أنه سمع أبا موسى الأشعري يقول: لقد قدمت أنا وأخي من اليمن، وما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي، لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي.

ومن مناقب عبد الله بن مسعود أنه أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله، وقد اجتمع يوماً أصحاب رسول الله  فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يُجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهم؟، فقال عبد الله بن مسعود: أنا، فقالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه، فقال: دعوني، فإن الله سيمنعني، فغدا حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام، فقال رافعاً صوته: (بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن، علم القرآن)، فاستقبلها فقرأ بها، فتأملوا، فجعلوا يقولون: ما يقول ابن أم عبد؟، ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله قط أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً ؟، قالوا: حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون.

هاجر ابن مسعود الهجرتين جميعاً، الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة، وصلى إلى القبلتين، وشهد بدر، وهو الذي أجهز على أبي جهل، وشهد أحد، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد مع رسول الله، وشهد اليرموك من بعده، وكان يوم اليرموك على النفل، وأمَّره عمر بن الخطاب على الكوفة، وفوق ذلك كله شهد له رسول الله بالجنة.

سيَّره عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الكوفة وكتب الى أهل الكوفة: إني قد بعثت إليكم عماراً أميراً وابن مسعود معلماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر، فاسمعوا لهما، واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي.

وقد مدح رسول الله قراءة عبد الله بن مسعود للقرآن، فقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله كان عند أبي بكر رضي الله عنه ذات ليلة وأنا معه فخرج رسول الله وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله  يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه قال رسول الله: من سرَّه أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله يقول له: سل تعطه، سل تعطه، قال عمر قلت: والله لأغدون إليه فلأبشرنه، قال فغدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشره: ولا والله ما سابقته إلى خيرٍ قط إلا وسبقني إليه‏.‏

ويحكي زيد بن وهب أنه كان جالساً في القوم عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إذ جاء رجل نحيف قليل يكاد الجلوس يوارونه من قصره، فجعل عمر ينظر إليه ويتهلل وجهه، فجعل يكلم عمر ويضاحكه وهو قائم، ثم ولى، فإذا هو ابن مسعود، فأتبعه عمر بصره حتى توارى، وظل عمر يردد: «كنيف مليء علماً، كنيف مليء علماً»، يقصد وعاءاً مُلئ علماً.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: