رؤى

مشكلات الفكر الديني (3): علماء الدين ليسوا أهل الذكر بالضرورة

     لا شيءَ أبغض من أن يتحول الدين إلى مؤسسة!

     ولا شيءَ أبغض من أن يتحوّل علماء الدين إلى سُلطة دينية ذات سطوة في كل ما يتعلّق بالشأن الديني والدنيوي معًا، بحيث يصبح الدين خاضعًا لتفسيراتهم فقط، التي هي بالأساس تفسيرات مَن سبقوهم، لينشأ شكل دينيٌّ جامد، لا مرونة فيه ولا تجديد، الأمر الذي أدى إلى تبديل وظيفة الدين، فأصبحت سياسية دنيوية، وبذلك جرى نقله من مجاله الرمزي الأخلاقي والمعنوي، الذي هو مجاله الطبيعي إلى مجال آخر، حيث غلب فيه القانون على الروح، على حد تعبير المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي [إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، دار التنوير، 23]

 عبد الجبار الرفاعي، وكتابه «إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين»

     ومشكلة هذا الأمر، أنّ تحويل الدين إلى سُلطة ومؤسسة، وتحويل علماء الدين إلى متحدثين باسم الدين، إنما يجعل الدين نفسَه جامدًا، لا رُوح فيه ولا تجديد، كما يجعله مجموعة من الأوامر والنواهي والقوانين، فيستحيل إلى مدوَّنة أحكام؛ لذلك لم يُجافِ جورج طرابيشي (توفي 2016) الحقيقة حين عبّر عن ذلك بقوله: «ولعلّ مأزق العالم الإسلامي المعاصر مع الحداثة يعود في شِقٍّ واسع منه إلى غلَبة التفسير الفقهي في الإسلام من قيام الحِلف الكبير في القرن الثاني بين أهل الحديث وأهل الفقه» [نقد نقد العقل العربي: إشكاليات العقل العربي]، حتى صار المسلمون لا يتخيّلون إسلاما بلا ناطق رسميّ، وهو ما يشكّل أزمة كبيرة الآن، تتمثّل في تضخُّم الفتوى وسلطتها أمام تعقيدات العلم والحياة، ولا أدلّ على ذلك من أعداد الفتاوى الهائلة والغريبة في آن، التي تتناول كل شيء في الحياة، ومعظمها أسئلة لا منطقية، غير متساوقة مع الواقع المعيش!

جورج طرابيشي، وكتابه [نقد نقد العقل العربي: إشكاليات العقل العربي]

علماء الدين ليسوا «أهل الذكر»

     معنى ذلك أنّ الفكر الديني ليس حِكرًا على طبقة معيّنة أو على مؤسسة ترى أنها وحدها مخوّلة بالنطق باسم الدين، واحتكار فهم النص وتفسيره؛ سعيا لرفض كلّ محاولة لتفسير النصّ الديني تأتي من خارج تلك المؤسّسة الدينية، التي هي بالأساس مؤسسات، كل منها يعتقد أنه الناطق الرسمي للدين والمتحدث باسمه، بل كل منها يعتقد أنه «أَهْلَ الذِّكْرِ» الذين يقصدهم الله بقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ}، وهي الآية التي يستندون عليها استنادًا، ويستدلّون بها على اختصاصهم بالدين دون غيرهم، والآية بتمامها في (سورة النحل- 43): {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وفي سورة (الأنبياء- 7): {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، لا تعني أبدًا ما يذهبون إليه؛ فتفسيرها كما يقول الطبري [14 / 109]: «يقول تعالى ذكره لنبيه: وما أرسلنا يا محمد قبلك رسولا إلى أمة من الأمم التي خلت قبل أمتك إلا رجالا مثلهم نوحي إليهم، ما نريد أن نوحيه إليهم من أمرنا ونهينا، لا ملائكة  فماذا أنكروا من إرسالنا لك إليهم، وأنت رجل كسائر الرسل الذين قبلك إلى أممهم. وقوله {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} يقول للقائلين لمحمد صلى الله عليه وسلم في تناجيهم بينهم: هل هذا إلا بشر مثلكم، فإن أنكرتم وجهلتم أمر الرسل الذين كانوا من قبل محمد، فلم تعلموا أيها القوم أمرهم إنسًا كانوا أم ملائكة، فاسألوا أهل الكتب من التوراة والإنجيل ما كانوا يخبروكم عنهم».

فهم يستندون إلى قطعة من آية ليست في سياق الواقع المعيش، بل هي تحكي عن موقف تعرّض له النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، الذين لم يطّلعوا على كتب أهل الكتاب، فجاء الأمر الإلهي لهم بسؤال أهل الكتاب عن أمر الرسل الذين كانوا من جنس البشر لا من جنس الملائكة أو من غيرهم، وليس معنى هذا أن الدين يتكلم فيه كل صاحب هوى دون علم، لكن معناه في الوقت نفسه أنه لا يوجَد متحدّثون باسمه، ولا موكَّلون بأمره، ولا مقسّمون لرحمة الله أو حتى غضبه.

     إنَّ مشكلة أي مؤسسة دينية أن لديها تصورات جاهزة عن الدين والدنيا؛ فهي تضع نفسها مكان الوصيّ الرسمي على النّاس، وتروم فرض تصوّرات معينة للإسلام، وللسلطة، وللعلاقات المجتمعية ولنمط الحياة عموما، كما تتبدّى المشكلة أيضا في أنها ليست مؤسسة دينية واحدة، بل هي مؤسسات، سُنية وشيعية، وكل منها يرى أن تفسيره هو الحق، دون أدنى اعتبار لنسبية الحقيقة وحق النقد وشرعية الاختلاف وإبداء الرأي فيما يخصّ الحياة الدنيا وتعقيداتها، من هنا يحدث الانفصال وتتّسع الفجوة بين الدين والدنيا، ويصبح الناسُ غيرَ مهيّئين لاستقبال «دين» فيه الرُّوحانية والأخلاق، فتستحيل – تبعا لذلك –  وظيفة الدين، فتصبح سياسية دنيوية، بحيث ينزع الدين إلى الطقوسية والمظهرية أكثر مما ينزع إلى الجوهر والقيمة، الأمر الذي يوجب ألا تتدخل الدولة في تأثير الدين على حياة الناس في المجتمع، وفي الوقت نفسه مقاومة تحوُّل الدين إلى مؤسسة يُحتكَر من خلالها فهم النص وتوجيهه بحسب الهوى والسياسة والمصالح.

     وقديما، عندما حاول الخليفة المنصور (توفي 158هـ/ 775م) أن يجبر القضاة والولاة على الالتزام بكتاب واحد هو موطأ مالك، رفض الإمام مالك (توفي 179هـ/ 795م) نفسه وقال: «إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها». وحتى عندما اكتمل جمع الأحاديث في قرون لاحقة لم يكن ممكنًا حمل الناس على مذهب واحد، لكن عندما استحال الدينُ إلى مؤسسة، وتمتّع الأشياخُ بسلطة مطلَقة على الحياة الدينية لأفراد المجتمع، اتّسعت الفجوة بين الدين والدنيا، لذلك كان إصلاح المؤسسة الدينية جزءً من المشروع الإصلاحي للأستاذ الإمام محمد عبده (توفي 1905)، إذْ كان مشروعه ذا محاور ثلاثة، وهي: المقاربة العلمية للظاهرة الدينية، والإصلاح الديني الذي يعتمد على المصالحة بين الدين والعلم، وتطوير المؤسسة الدينية من أجل هذا الغرض، لكن لم يتحقق سوى القليل جدا من ذلك، وهذا مما يؤسَف عليه!

الإمام محمد عبده

مقالات ذات صلة

إغلاق