رؤى

الرئيس حامل الكتاب المقدس.. خلط الدين بالسياسة من إيزنهاور إلى ترامب

 

تقديم

يعرف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أين يضع قدمه، ويعرف لمن يتوجه بخطابه، حركاته المسرحية وخطابه اليميني الشعبوي له جمهوره، الذي يسعى ترمب أن يتحول في نظره إلى بطل شعبي، بغطاء ديني يجعله مبعوث العناية الإلهية، لذا لم يكن غريبًا أن يكون هذا هو سلاحه الوحيد في مواجهة تداعيات مقتل رجل أسود أعزل على يد الشرطة في جريمة تعزز من نزعة العنصرية التي يمارسها بعض البيض ضد السود في الولايات المتحدة، في مخالفة صريحة لنصوص الدستور والقوانين الأمريكية وكذلك لمناخ المساواة والتعددية العرقية والثقافية السائدة في الحياة الاجتماعية اليومية في الولايات المتحدة.

«أصوات أونلاين»

بينما كانت قوات الأمن تزيح باستخدام القوة المفرطة المتظاهرين أمام مقر إقامته، البيت الأبيض في واشنطن، كان الرئيس الأميركي ترمب يخطو بضعة أمتار إلى كنيسة القديس جون التاريخية والقريبة من البيت الأبيض، غير عابئ بالمظاهرات المنددة بالعنصرية، مكتفيًا بالتلويح باستدعاء الجيش لوقف الاحتجاجات.

بدا واضحاً حرص ترمب على أن تلتقط عدسات الكاميرات صورته أمام الكنيسة، وهو يحمل بيده نسخة من الكتاب المقدس في خطوة لم يخف على المراقبين أن هدفها مغازلة جمهوره المفضل الذي أتى به إلى البيت الأبيض، أي اليمين الأميركي المتطرف بنزعته الدينية وبإيمانه الراسخ بفكرة تفوق العرق الأبيض.

ترامب يخرج من البيت الأبيض ماشيا أمام المظاهرات ويرفع الإنجيل

وعلى عكس ما قد يتصور البعض، لا يعد هذا المشهد أمرًا غريبًا أو فريدًا في تاريخ الولايات المتحدة، فاستخدام حكام تلك البلاد للدين، وبشكل أكثر دقة المسيحية البروتستانتية، ليس بالجديد ولا حكراً على ترمب، إذ يسهل على المتأمل لتاريخ الولايات المتحدة التي لم تكمل بعد قرنها الثالث كدولة أن يدرك أن الدين استخدم في مجال السياسة، تمامًا كما هو الحال في الدول التي يحلو للساسة الأميركيين أن يشيروا إليها باعتبارها «دول عالم ثالث»، في تشويه متعمد للمصطلح الذي نقشه الكاتب الفرنسي ألفرد سوفيه في خمسينيات القرن العشرين.

ويشير الكاتب الفلسطيني منير العكش في كتابه «تلمود العم سام» إلى أن الكتاب المقدس كان أداة المهاجرين الأوروبيين الأوائل إلى أميركا الشمالية لتبرير السطو على أراضي وممتلكات السكان الأصليين، الذين أطلقوا عليهم مسمى «الهنود الحمر»، في تجاهل متعمد لحقائق التاريخ والجغرافيا.

تلمود العم سام للكاتب الفلسطيني «منير العكش»

 كانت المعضلة الأساسية للمهاجرين الذين صنفوا أنفسهم كمتدينين ومتقين، هي تبرير أفعالهم تجاه السكان الأصليين التي تخالف جميع تعاليم السيد المسيح، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية المتعطشة للذهب المتدفق من الأميركتين، حلّت هذا الإشكال حين اعتبرت أن السكان الأصليين هم أدنى من أن يكونوا بشرًا، نظرًا لأنهم «وثنيون»، الأمر الذي اعتبره البيض ضوءًا أخضر لاستباحة دم «الهنود الحمر»، بل وإجبار من تبقى منهم على تغيير عقيدتهم الدينية.

ويذكر الراهب الإسباني «دي لاس كازاس» الذي كان معاصراً لكولومبوس قصة ذات دلالة، وهي أن زعيم أحد قبائل السكان الأصليين، وبينما كان يتعرض للتعذيب على يد البيض، اقترب منه رجل دين إسباني، وهمس له أن بإمكانه أن يريح نفسه من هذا العذاب بل وأن يدخل الفردوس إن غير عقيدته، فسأله الزعيم: «هل سيدخل الإسبان الفردوس أيضًا؟»، وحين رد رجل الدين بالإيجاب، قال الزعيم بهدوء: «إذن أفضل أن أذهب إلى الجحيم».

الراهب الإسباني «دي لاس كازاس»

واستمر استغلال الدين لتبرير جريمة أخرى لا تقل بشاعة عن إبادة السكان الأصليين، وهي استعباد واسترقاق ملايين الأفارقة، هنا أيضًا استخدم ملاك الأراضي منطقًا مدهشًا لتبرير استلاب حرية هؤلاء الأفارقة، وتسخيرهم للعمل في مزارعهم في أسوأ ظروف عمل ممكنة، لم ينظر الأثرياء إلى السود باعتبارهم من البشر المساوين لهم.

وكما جرى مع الهنود الحمر من قبل، برر البيض استعباد البشر المختلفين عنهم، بدعوى أنهم «وثنيون»، في تجاهل لحقيقة أن أكثر من ثلث العبيد المجلوبين من غرب إفريقيا كانوا مسلمين، مع ترويج أن الأفارقة مجموعة من «الهمج»، في تجاهل لحقيقة أخرى وهي أنهم بناة حضارات سبقت نشأة الولايات المتحدة بقرون.

أما في العصر الحديث فقد كان الدين سلاح الولايات المتحدة المفضل في الحرب الباردة ضد المعسكر الشرقي متمثلا في الاتحاد السوفيتي السابق والإيديولوجية الاشتراكية، ووفقاً للكاتب الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل، فقد كان الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور من أول دعاة إنشاء ما سماه «الحلف الإسلامي» في منطقة الشرق الأوسط، لصد المد الشيوعي في تلك المنطقة من العالم.

الرئيس الأميركي «دوايت أيزنهاور»

وفي سبيل التصدي لـ «الخطر الأحمر»، وهي عبارة شاع استخدامها في الدعاية الأميركية في تلك الفترة، لم تمانع واشنطن في التحالف مع قوى دينية تقليدية مثل الحوزة العلمية في إيران لإسقاط حكومة الدكتور محمد مصدق المنتخبة في مطلع الخمسينيات، حين تجرأ وأقدم على تأميم قطاع النفط الإيراني.

رئيس الوزراء الإيراني «محمد مصدق»

أما في الداخل الأميركي، فقد انطلق السيناتور جو مكارثي يمارس القهر والقمع والمطاردة بحق الكتاب والمبدعين الأميركيين، لمجرد الاشتباه في كونهم من الشيوعيين، مغلفا تحركاته بخطاب ديني فحواه أن هذا القهر مبرر ليس فقط لدوافع وطنية بحتة، وإنما لحماية القيم الدينية الأميركية من حفنة من «الملحدين».

السيناتور جو مكارثي

وفي مواجهة الشباب الغاضب من حرب فيتنام في السبعينات والذي غلب عليهم الانتماء اليساري، كان من الطبيعي أن يلجأ الساسة في واشنطن لاستخدام خطاب يخلط بين الدين والسياسة، فكان المرشح الرئاسي والرئيس لاحقا جيمي كارتر يتباهى بأن الحروف الأولى من اسمه تشابه الحروف الأولى من اسم السيد المسيح، واصفًا إياه بأنه «الشخص الأهم في حياتي».

جيمي كارتر

وزاد استخدام النبرة الدينية في الخطاب الرئاسي في عهد خليفه كارتر، رونالد ريجان، البطل المفضل لدى اليمين الأميركي المتطرف، إذ لم يمانع الأخير في استخدام وصف «إمبراطورية الشر» لوصف الاتحاد السوفيتي، أو القول صراحة إن الرب أمره بأن ينهي الحرب الباردة.

رونالد ريجان

ومع عودة المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض مع جورج بوش الابن العام 2000، عاد الخطاب «الريغاني» من جديد حيث وصف بوش حربه على الإرهاب بأنها «حملة صليبية»، ليكرس الخطاب العنصري للرجل الأبيض الذي يرى في نفسه مبعوث العناية الإلهية للبشرية، مستخدما في ذلك أدوات الخطاب الديني المتشدد، ومغازلا في الوقت نفسه ميراث العنصرية البيضاء.

 

جورج بوش الابن

إن مشهد ترامب وهو يحمل الكتاب المقدس أمام كنيسة في واشنطن في ظل الظروف التي تمر بها بلاده، يثبت أن استخدام الدين من قبل الساسة ليس حكرًا على منطقة معينة من العالم كما يحاول البعض أن يصور الأمر، بل هو شأن السياسيين المفلسين الذي لا يجدون برنامجًا واضحًا يقدمونه لشعوبهم، يعتمدون على ميراث العنصرية والخطاب المتطرف الذي يقصي الآخر ويحتقره، ويلجأون إلى السماء بعد أن أخفقوا على هذه الأرض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق