ثقافة

القاهرة في عيون الأدباء (1-3).. «الخديوية» بين رفض المويلحي وتفهم رضوى

القاهرة مدينة البشر والحجر، المدينة الألفية التي عاشت في شوارعها ملايين القصص، وكشفت عن ألف وجه وعن تنوع يكثف تواريخ عديدة عبرت من هنا، لذا لم يكن غريبا أن تكون معشوقة الأدباء، فنهلوا من معينها الذي لا ينضب، نجيب محفوظ هو الأشهر كروائي القاهرة الأكبر، لكنه ليس وحيدًا فالعشرات تركوا انطباعات لا تمحى عن المدينة المخادعة، أمام هذه الفيض من الروايات التي تتحدث عن القاهرة، نهل الباحثون من كتابات الأدباء ليس بهدف الوصول إلى تفاصيل المدينة الحجرية فحسب، بقدر إعادة اكتشاف روح المدينة الساحرة وأهداف سياسيها غير المعلنة. في سلسلة من ثلاثة مقالات تحاول الكاتبة نفيسة دسوقي معايشة تجارب عدد من الأدباء خلال مغامراتهم الأدبية للعثور على سر المحروسة. 

«أصوات أونلاين»

مدينة القاهرة التي حار بشأنها الكتاب والمفكرون والأدباء على مر العصور، وكتب فيها محمد المويلحي رائعته «حديث عيسى بن هشام»، واستحضرها أديب نوبل نجيب محفوظ في العديد من إبداعاته، وتناولها العديد من الأدباء من مختلف الأجيال، هل يمكن لباحثي العلوم السياسية أن يعتمدوا في دراساتهم على تلك الأعمال الأدبية لتحليل علاقات القوة على هذه المدينة «القاهرة»؟

باحثة العلوم السياسية شيماء محمد الشرقاوي، في رسالتها للماجستير التي حصلت عليها من قسم العلوم السياسية، بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، تحت عنوان: «الأدب كمصدر للفكر السياسي في مصر: دراسة في المدينة وعلاقات القوة.. مدينة القاهرة نموذجًا»، طرحت في دراستها عدة تساؤلات حول كيفية معالجة الأعمال الأدبية المصرية لقضايا علاقات القوة وتحولاتها داخل مدينة القاهرة، مع التركيز على عدد من القضايا، كان من بينها عملية التحديث التي شهدتها مدينة القاهرة في بداية القرن التاسع عشر، وحتى بدايات القرن العشرين، وكيفية تأثير تلك العملية على التحولات العمرانية داخل المدينة وعلى علاقات القوة التي تشكلت نتيجة تجربة التحديث. 

شيماء محمد الشرقاوي

مدينة عيسى بن هشام

بدأ محمد المويلحي في كتابة سلسلة المقامات التي عرفت فيما بعد بـ«حديث عيسى بن هشام»، كسلسلة مقالات جاءت تحت عنوان «فترة من الزمان»، تم نشرها بجريدة «مصباح الشرق»، التي كان يحررها والده إبراهيم المويلحي، ما بين سنتي 1898 و1903، ومن ثم قام بجمعها في كتاب سنة 1907.

اعتمد المويلحي على شخصية الراوي عيسى بن هشام، مستعينًا بتكنيك الحلم الذي تمكن من خلاله من جعل الباشا القادم من أيام محمد علي باشا يستيقظ من نومه، ومن ثم يبحر بنا المويلحي برحلة ممتدة يترافق فيها الراوي والباشا، تبدأ الرحلة من مقابر القاهرة وتنتهي بمعرض عالمي يعقد بباريس، ليتعرف القارىء من خلال تلك الرحلة على خريطة القاهرة آنذاك، والتي تتشابه في بعض أحيائها بمدينة باريس، وليتعرف القارىء على طبيعة التغيرات التي طرأت على مصر خلال تلك الفترة الزمنية. 

مصر في عصر محمد علي باشا

قدم المويلحي نقده الاجتماعي لبعض فئات الشعب المصري التي باتت تحاكي النمط الأوروبي في حياتها اليومية، إلى جانب استعراضه لبعض معالم السحر المعماري الذي اتسمت به بعض أحياء القاهرة الجديدة آنذاك كحي الإسماعيلية والأزبكية ومبنى الأوبرا القديمة والمسرح، غير أنه لم يتمكن من إخفاء فزعه من التأثير الفاسد لتلك «الأشياء الأوروبية» على سكان القاهرة.

محمد المويلحي

أوضح المويلحي إشكالية النقل والتحديث المزيف من خلال ذلك الحوار الذي دار بين رفاق الرحلة حول «التياترو»، الذي كان يعتبر في باريس مكانًا للتثقيف، وربما مساحة للنقد السياسي عبر عروضه التي يقدمها، وقد تم تحويله في مصر ليصبح مكانًا للترفيه، إضافة لتلك الحديقة العامة التي تم تأسيسها وأصبحت حكرًا على طبقة معينة دون غيرها.

أوبرا عايدة 1871م

تستشهد الباحثة شيماء الشرقاوي بما أشار إليه أنشومان موندال في دراسته المعنونة بـ«بين العمامة والطربوش: الحداثة وقلق التحول في حديث عيسى بن هشام»، حول السياق التاريخي الذي كتب فيه المويلحي عمله، والذي جاء في أعقاب زمرة من التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكان لهذه التحولات أثرها البالغ على التحولات العمرانية التي شهدتها القاهرة، إضافة لتلك التحولات الاجتماعية التي برز من خلالها عملية تجاور «العمامة والطربوش» كتعبير عن كونها مرحلة انتقالية تجمع ما بين القديم والحديث.

تتفق الدكتورة سامية محرز في كتابها «أطلس القاهرة الأدبي» مع موندال، إذ رأت أن المويلحي قدم من خلال عمله خريطة للقاهرة، توضح جغرافيا المدينة، وبنيتها الاجتماعية والسياسية، وشبكة العلاقات الاجتماعية والإنسانية المرتبطة بها.

القاهرة بعيون رضوى

تعتبر رواية «قطعة من أوروبا» لرضوى عاشور، إحدى أهم الروايات المعاصرة التي تناولت عالم القاهرة الخديوية، في محاولة لكتابة تاريخ المدينة من خلال استعراض فضاء وسط البلد، ومحاولة استنباط الرابط ما بين مشروع الخديو إسماعيل لتحديث مصر، وبين تحولات المدينة بعد ذلك، مبينة تفهمها لطبيعة التحولات التي شهدتها المدينة.

خريطة مصر في عهد الخديو إسماعيل

استعانت رضوى في روايتها بحادث حريق القاهرة الذي اندلع في شهر يناير 1952، كذاكرة يعود إليها الراوي دائما في محاولة لربط تجربة إسماعيل لتحديث القاهرة، وبين التطورات التي طرأت على القاهرة وقت كتابة الرواية العام 2003، وهو ذات العام الذي شهد الاحتلال الأميركي للعراق، وهو ربما ما دفع رضوى عاشور إلى الربط بين ما يحدث في القاهرة من تغيرات مع ما يشهده العالم من أزمات تتعلق بالإمبريالية الأميركية الجديدة.

استعانت رضوى بآلية الدمج بين التوثيق التاريخي والحكي، وذلك عبر تقاطع حياة الراوي مع فضاء وسط المدينة ومع تطوراته التاريخية منذ تجربة التحديث، في محاولة لرصد ملابسات التحول الذي شهدته القاهرة الإسلامية ثم القاهرة الخديوية. 

ارجعت رضوى عاشور التحول العمراني الذي شهدته القاهرة على يد الخديو إسماعيل إلى علاقته بمدينته المفضلة باريس منذ كان طالبًا بها، وحتى زيارته التاريخية التي شهد فيها ملامح ثورتها العمرانية التي قادها البارون هاوسمان.

الخديو إسماعيل

تلفت شيماء الشرقاوي النظر إلى ما قدمه ديفيد هارفي حول أهم معالم مشروع «هاوسمان» في تحديث مدينة باريس، الذي استعان به الخديو إسماعيل في تحديث القاهرة، مشيرة إلى أن عملية إعادة تخطيط باريس إنما جاءت عبر الاستعانة بمقولة «القطيعة الجذرية» باعتبارها أمرًا حتميًا كنتيجة لثورة 1848.

ديفيد هارفي

حاول هاوسمان تغيير النسيج العمراني لمدينة باريس بشكل جذري، بعدما شهد هذا النسيج حالة من التعقد ناجمة عن عمليات التصنيع وزيادة عدد السكان، الأمر الذي أصبحت معه السلطات الإدارية تعاني من صعوبة التعامل مع سكان المدينة خاصة خلال فترات التمرد والعصيان.

البارون هاوسمان

الأمر إذن بات وكأنه مجرد محاولة لإحكام السيطرة على سكان المدينة، عبر شق الطرق الواسعة والمستقيمة التي تساعد في إحكام عمليات السيطرة، عبر فصل أجزاء المدينة بعضها عن بعض، فالنموذج الأمثل للمدينة أصبح يقوم على الشكل الهندسي الذي يجعل المدينة متناسقة ومنتظمة بطريقة تلغي إمكانيات الفوضى أو الصدفة أو حدوث لقاء غير متوقع.

القاهرة بين المويلحي ورضوى

بالطبع لم تكن مدينة القاهرة بمعزل عن تلك التغيرات التي شهدتها باريس، فمحاولات التحديث التي شهدتها القاهرة بدأت بالفعل منذ عهد محمد علي باشا، لذا لم يكن غريبا على المويلحي أن يستعين بشخصية «الباشا» القادم من عهد محمد علي.

استعان الخديو إسماعيل في تحديث القاهرة بالمعماريين الفرنسيين، ومن ثم تم تقسيم حي الناصرية إلى ثلاث مناطق: «باب اللوق والقصر العيني والجزيرة الجديدة»، وباتت كل منطقة من تلك المناطق تستقبل مجموعة من السكان يختلفون في مستواهم الاجتماعي عن غيرهم.

كوبرى قصر النيل

حول الخديو إسماعيل كل المناطق الواقعة غرب المدينة القديمة -القاهرة الفاطمية أو الإسلامية- إلى مدينة معمارها أشبه بمعمار العواصم الأوروبية، الشوارع فسيحة عمودية أو متوازية، كما أمر ببناء دار الأوبرا الخديوية لتتشابه بشكل كبير مع دار أوبرا باريس، كي تعبر عن النظام الثقافي الجديد الذي كان يطمح إلى تأسيسه.

دار الأوبرا 1869م

غير أن ما يعيب ذلك النموذج من التحديث أنه اعتمد بشكل أساسي على النمط الاستهلاكي، وتجلي ذلك في إنشاء المحال الكبيرة والمقاهي المتعددة، كما تم الاستغناء عن نظام البوابات الذي كان شائعا لفصل الإحياء عن بعضها البعض، وذلك حتى لا يتم الاستعانة بها كمتاريس عند حدوث أي اضطرابات أو تظاهرات.

تختتم شيماء الشرقاوي تناولها لقضية تحديث مدينة القاهرة بالإشارة إلى أن النصين «حديث عيسى بن هشام» و«قطعة من أوروبا»، تعاملا إلى حد كبير مع فكرة «المدينة الثنائية»، التي تجمع بين الجانب الحديث والجانب التقليدي القديم، حيث تم الحفاظ على ذلك التجاور بين الفضائين المنفصلين، فضاء المدينة القديمة وفضاء المدينة الحديثة التي تم بناؤها إلى جوار حواري وأزقة المدينة القديمة وهو ما تتسم به مدينة القاهرة حتى اللحظة الراهنة. 

القلعة ومسجد محمد علي

قدم العملان قراءة نقدية لتجربة التحديث بمدينة القاهرة وأثرها على المدينة ككل، وتشكل علاقات القوة بها، وكيف أن الهدف من تخطيط المدينة الحديثة لم يكن مقتصرًا على التطوير العمراني والمكان فقط، وإنما كان يهدف بالأساس إلى تحقيق هدف سياسي يتمثل في تفعيل آلية فرض السيطرة على سكان المدينة وحركة المواطنين فيها، وهو ما نجم عنه تشكيل نظام جديد جعل من المدينة فضاء للممارسة السياسة والصراع السياسي والاجتماعي.

وللحديث بقية

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: